إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الحكمة المتعالية..أيّ معنى لاستهدافها؟

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الحكمة المتعالية..أيّ معنى لاستهدافها؟

    الحكمة المتعالية..أيّ معنى لاستهدافها؟
    ادريس هاني

    ثمة زعم مشروع يستهدف مباني الحكمة المتعالية، نقد مشروع لأن النقاش ليس في المشروعية بل في المسؤولية، سننصت لنرى، ولكن قبلها لا بدّ من معرفة حيثيات ومدارك هذا الزعم أوّلا، فالتعالي في نقد الحكمة المتعالية قد يوقع في التداني، لنتأمّل روح الفلسفة من المشاء حتى كانط وحوارييه لندرك أن الحكمة المتعالية ومبانيها لا زالت تملك الكثير من الاقتدار المفهومي والفلسفي، وعلى كل حال، ثمة تراكتاتوس أشتغل عليه يتعالى بالحكمة المتعالية عن شواغل التقليدانية ويمنحها قواما معاصرا ، فهي في فهمي تظل مشروعا غير منجز ولا بد كما كتبت في كتاب المعرفة والاعتقاد: الطريقة المتعالية لفهم الحكمة المتعالية.
    قلت: النقد مشروع ولكنه مسؤولية تفرض قدرا من المحاسبة، وحتى الآن أقول: ويا جبل الحكمة المتعالية ما يهزك ريح.
    وجب القول بأنّ الحكمة المتعالية آبية للانحصار في تظهير مبانيها، فما خفي من ذوقها المبنائي كثير، وهو يظهر عند كل انحشار فلسفي وعند كل إقماس عميق لدلاء الاستنباط. وسأكون واضحا في القول أيضا بأنّ أي محاولة للنقد هي مغامرة، وكذلك فإنّ محاولة تقويض هذه المباني بأدوات فلسفية يفرض بعض الصعوبات، أصلا كنت أعتقد دائما بأنّ الصدرائية باحت فقط ببعض مبانيها وليس بكل مبانيها، وبأنها باشرت نقدا للفلسفة لم ينته بالعدمية بل ارتقى بالخطاب إلى الاندماج، وهذا التلفيق بمعناه (أي المفهوم)الإيراني الذي يعكس معنى التركيب الخلاّق وليس التلفيق(المفهوم) بمعناه العربي سيّئ السمعة هو منتهى الاقتدار النّسقي، لكن يبقى السؤال: ما الجدوى وما القيمة المضافة لإعادة الشرخ بين أبعاد الحكمة المتعالية المشائية-الإشراقية؟ لم يفعل ملاصدرا سوى منح الإشراق سلاحا برهانيّا كما جعل التّصالح بل الإندماج غاية. وعليه: هل سنحاول تدوير زوايا الزمن لنفتعل موقف رُشديّا قاضيا بفصل الشريعة عن الحكمة في فصل للخطاب لم يحسم ولم يفصل بعد؟ ما جدوى الرشدية التي سبقت في شقاوة الفصل بحثا عن الأرسطية الخالصة بينما في جيوب السينوية كان البحث جاريا للظفر بالحكمة المتعالية خطوة خطوة، فالحكمة المتعالية هي محصول كلّ هذه الفصول من تاريخ الحكمة. لقد ركلت الصدرائية كل القول الفلسفي السّابق وأوجعته ووضعت اليد على الجرح، حيث حرّكت الوجود فتحركت كل المفاهيم معه وهي اليوم على مسافة من الحركة يصعب اللحاق بها، فالجمود لا يقوض الحركة، والثابت لا يجاري المتحرّك، وإذا كان الجوهر متحرّكا صدرائيا فالمباني ستكون متحركة بالتّبع، فمن رام المباني الحكمية المتعالية أو تربّص بها فعليه أن يتحرّك، ومن تحرّك وهو صادر عن أصول ماهوية ثابتة انفرط عقده.
    سأقول مرّة أخرى، أنا محارب أتقن الحركة والنّطّ السريع لكن في الحكمة أفضّل التّأنّي والكمون والرّويّة، فالذين راموا نقد الصدرائية من أنصار المشائية الخالصة أو الإشراقية الخالصة يريدون استرجاع شيء مفقود، إمكانية المصالحة مع متخاصمين أدركا نقطة ما به الاشتراك بينهما، فالدخول على الحكمة المتعالية بنقد أصولي مشّائي سيكون مجازفة لأنّ الحكمة المتعالية متحركة بمقولاتها واعتباراتها، وعليه، فنقادها الصادرون من هذه الأصولية المشائية أو الإشراقية الخالصة إن شئت هم يدورون مدار الهمّ الذي تنتجه البنيات التقليدية نفسها، بينما محاولة تقويض الصدرائية بالمقاصد الحديثة لا يمكن أن تمرّ إلاّ على جثّة الظاهريات بل تقتضي قتل هنري كوربان ونسف حمولته الفلسفية التي ندرك مذاقها في هذا التقاطع البرزخي الصدرائي-الهيدغيري الذي يلخّص كل هذه المسافة من التأشكل الأنطولوجي والإبستيمولوجي. فإذا عمّت عليك الصدرائية بمفاهيمها التي تحدث شبها مفهومية إزاء المباني القديمة لا سيما السينوية فاقرأها في مرآت الهيدغيرية وامتداداتها.
    وأزعم أنّ محاولة الإطاحة فلسفيا بالصدرائية، فضلا عن أنّه زعم مكلف لمن رام ذلك من دون اعتمار مغفر يقي من نزلات سيف ذيموقليس، فإنها غواية أصولانية تتربّص بأمتن القول الفلسفي والعودة إلى المباني الخالصة والمستغلقة. لا شيء نعود إليه في مدارك خبراتنا الفلسفية، فنهر الفلسفة لا يستحمّ فيه مرارا، وبأنّ النقذ أي نقذ هو مشروع بقدر ما يفتح من آفاق لا تعيدنا إلى البدايات الشّقيّة، وسأكون واحدا من الذين سيعتبرون الإطاحة بالصدرائية إن حدث بأساليب فلسفية هو إعلان للخروج من الفلسفة عنوة، لكم كنت أحترم من يناهض الصدرائية من خارج قواعد القول الفلسفي أمّا مناهضتها من داخل هذه القواعد سيغرقنا في أخلاف منطقية ومتاهات ومفارقات لا حدود لها، لا توجد فلسفة بعد ذلك ستكون مقنعة..
    ادريس هاني:23/12/2019
يعمل...
X