إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

نفسيه الإلحاد

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • نفسيه الإلحاد










    كما أن الإيمان بالله تعالى له منشأٌ علميٌّ ومنطقيٌّ مدفوعٌ من منشأٍ داخليٍّ فطريٍّ، كذلك منشأ عدم الايمان أو إنكار وجود الإله، وإن كان يُعتقد أن الطابع العام له منشأٌ علميٌّ فقط، إلا أن الحقيقة، وكما جاء في هذه النظرية وغيرها من النظريات، أن السبب والمنشأ لإلحاد الملحدين في الغالب، لأكثر وأشهر الملحدين، هو سببٌ نفسيٌّ.
    ومن المفارقات الغريبة أن أبرز أدوات إسقاط إيمان المؤمنين هي اتهام المؤمنين بأن منشأ إيمانهم هو عبارةٌ عن عواملَ نفسيةٍ (المفاهيم السيكولوجية) لكن هذا الاتهامات المستخدمة (بفاعليةٍ كبيرةٍ في تفسير الدين من قبل أولئك الذين ينكرون وجود الله هي سيوف ذات حدين قد تستخدم أيضاً وبسهولةٍ.. في تفسير عدم إيمانهم.[1]
    وكأنّ أكثر الملاحدة لديهم مشكلةٌ شخصيةٌ مع الدين، فتتشكل مواقفهم بناءً على نفورٍ نفسيٍّ متراكمٍ، وكراهيةٍ متناميةٍ تحول بينهم وبين تحكيم المنهجية العلمية والمعايير الموضوعية في الأدلة بأنواعها، العقلي منها والتجريبي، والحسي (الباطني) أو ما يسمى صوت الفطرة الداخلي.[2]

    إيمان فاقد الأب

    لقد برع الدكتور فيتز في طرح نظريته هذه في تحديد السبب النفسي الرئيسي في إلحاد كبار الملحدين، وبالتالي يمكن اعتباره عاملاً عامّاً لكل الحالات المشابهة، بإثباته أن فقد الأب، أو كونه أباً معيباً كما أسماه، يعدان من الأسباب الرئيسية في تولد حالة الإلحاد لديهم، فإن أغلب الملاحدة، وخصوصا الكبار منهم هم من ذوي الآباء الميتين أو المعيبين، كما ثبت من خلال دراسة سِيَرهم.

    وليكن هذا الإنجاز أساساً ومنهجاً لفهم هذا التيار المؤثر على حركة الإيمان في المجتمعات، وفهم المنشأ النفسي المحتمل له، حيث تتناول نظريته حياة الإنسان في أول مراحل تأثره وانفعاله الخارجي الكسبي، وتعتبر هذه الفترة اللبنة الأولى
    لتشكل نفسية وشخصية وتصور الطفل في عالم الخارج، وما يرتبط به من عوامل تسببت بوجوده.

    وما يحاول هذا البحث أن يطرحه ويضيفه هو: عرض خلاصة أفكار الدكتور فيتز التي اعتمد فيها على دراسة سيرة كبار مفكري وفلاسفة الإلحاد عبر القرون السابقة وخرج بهذه النظرية المهمة، وسنعتمد في استنتاجنا على هذه الدراسة نفسِها، إلا أننا سننظر إليها من زاوية أخرى، فبالإضافة إلى النتيجة التي توصّل إليها الدكتور فيتز، من إثبات أن كل من أخضعهم للدراسة من ملحدين كانوا إما فاقدي الآباء أو من ذوي الآباء المعيبين، كما أسماهم، وسنحاول أن نثبت هنا أمرين جديدين:
    الأمر الأول: نحاول أن نفسّر العلاقة الحقيقية بين فقد الآباء وانقطاع العلاقة بهم وبين عدم إيمانهم، من خلال وجهة نظرٍ مغايرةٍ.

    الأمر الثاني: البرهنة ومن خلال دراسة الدكتور فيتز نفسه على وجود علاقةٍ بين الإلحاد وطبيعة العقيدة المسيحية السائدة، من خلال التركيز على طبيعة العقيدة التي نشأ في ظلها هؤلاء الملاحدة قبل إلحادهم، وإيجاد الرابط وعقدة الوصل بين استنتاج الدكتور فيتز وعقيدة هؤلاء السابقة وتأثيرها على بلورة إلحادهم.
    ولا بد أن ننوه إلى أننا سنجيب عن هذه الأسئلة الجوهرية من وجهة نظرٍ خاصةٍ، فأيّ هفوةٍ يمكن أن ترد هنا فهي إنما تمثل وجهة نظر كاتبها، ولا تمثل بالضرورة الرأي الواقعي للدين الاسلامي، مع إمكانية ربط الآراء الموجودة بثوابتَ ونصوصٍ تناسبها من وجهة نظر الكاتب وردت في المصادر الاسلامية.

    وقد قسمنا البحث إلى مقدمةٍ وخمسةِ مباحثَ، وتلخيصٍ للنتائج.

    تناولنا في الأول منه، عرض ملخصٍ لنظرية إيمان فاقد الأب للدكتور فيتز.
    وتطرق الثاني إلى: الأب مثالٌ للإيجاد والإبقاء وعلاقة الأب بالإله، وحقيقة تأثير فقد الأب على فقد إيمان الإنسان مستقبلاً.

    وتناول المبحث الثالث، رفع التناقض المحتمل الذي يمكن أن يصيب هذه النظرية لوجود مؤمنين بارزين ممن فقدوا آبائهم، بل هم من قادة المؤمنين كالأنبياء الكبار.

    وتناولنا في المبحث الرابع: علاقة الإلحاد بطبيعة العقيدة المسيحية وهو تطبيقٌ لفهم علاقة الأب بالإله وتأثيرها على عقلية المسيحي، وتأثير ذلك على خلق بيئةٍ مناسبةٍ للإلحاد في الغرب والعالم عموماً.
    وتناول المبحث الخامس، التناسق بين تصميم الله للكون وعلاقة الإنسان به، وتطابق قوى الإنسان للبرنامج العقائدي الحق. وعرضنا فيه نبذة من كلمات أئمة المسلمين من أهل البيت عليهم السلام، ما يتعلق منها بالتوحيد والإيمان.

    المبحث الاول: نظرية إيمان فاقد الأب للدكتور: بول سي فيتز[3]

    اعتمد الدكتور فيتز في دراسته على تأمل وتحليل سير مشاهير الملحدين سواءً أكانت سيرهم الذاتية التي كتبوها بأنفسهم أم تلك التي كتبها عنهم آخرون، وتتكون مادة البحث من مشاهير الملاحدة من كبار المفكرين وخصوصاً الفلاسفة ممن مثّل الإلحاد محورًا أساسيًّا في فكرهم ومكانتهم الاجتماعية ويعتبر معظمهم من مؤسسي وأعمدة الفكر الإلحادي المعاصر.[4]
    وقد ذكر عدة طرقٍ يمكن أن يوصف الطفل وفقها بفاقد الأب حيث قال: لا شكّ بأن هناك كثيرًا من الطرق التي يمكن أن تجعل الأب يفقد سلطته أو يخيّب أملَ ولده بشكلٍ جدِّيٍّ: حيث يمكن أن يكون غائباً عن طريق الموت، أو الهجرة، ويمكن أن يكون حاضراً ولكنه ضعيفٌ، واضحُ الضعف، جبانٌ لا يستحق الاحترام، حتى لو كان ممتعًا ولطيفًا، أو يمكن أن يكون موجوداً، ولكنه مؤذٍ جسديّاً أو جنسيّاً أو نفسيّاً، سنسمي هذه المحددات المقترحة مجتمعةً من الإلحاد بفرضية (الأب المعيب).[5]

    ​​​​​​

    واستخلص بعد مناقشة وعرض أراء مجموعةٍ من المفكرين المتخصصين، حول فرضية الأب المعيب، أو التعلق غير الآمن إلى نتيجةٍ مفادها: إن كل ما قد يضعف أو يؤذي علاقة الطفل بوالده أو أبويه سيؤدي عموماً إلى جعله عرضةً خلال مرحلة البلوغ إلى الإلحاد أو الكفر أو إلى معتقداتٍ روحانيةٍ أخرى خاليةٍ من ذات إلهيةٍ (إلهٍ شخصيٍّ).[6]

    وقد أبدى تفسيره النهائي لسبب إلحاد الملحدين وقال: هناك عدةُ عواملَ ومن أهمها. وهو ما وُضعت هذه الدراسة لأجلها، هو أن إلحادهم ما هو إلا بسبب: الصدمات الشخصية وما رافقها من فقدان الشعور بالأمان ومن أمثلته: الأب المعيب.[7] وقد علق على كلام لفرويد، الذي كان له تعقيبٌ هو أيضاً على ليوناردو دافينشي، فقال فرويد: إن التحليل النفسي الذي تعلمنا من خلاله الرابط الوثيق ما بين عقدة الأب والإيمان بالله، أظهر لنا أن الإله المتمثل بشخصيةٍ، هو منطقياً ليس إلا أباً ممجَّداً، ويتضح لنا يوميّاً كيف يفقد الشباب إيمانهم الديني بمجرد أن تنهار سلطة الأب... وقد افترض فرويد فكرة التمثيل النفسي عند الطفل تجاه والده، وهي الفكرة التي ترتبط ارتباطا وثيقاً بفهمه لوجود الله تعالى. وقد علق الدكتور على ذلك بقوله: ويمكننا القول أن خيبة أمل الملحد من والده واستياءه منه تبرران رفضه لوجود الله.[8]
    اذًا حقيقة ارتباط علاقة الابن بالأب وارتباط علاقة الابن بالله وتأثير أحدهما على الأخرى سلبًا أو إيجابًا ثابتةٌ.

    وبعد إثبات هذه الحقيقة يظهر سؤالٌ آخرُ يلي هذه الحقيقة وهو: ما هو تفسير هذا الترابط وطبيعة تأثير فقد الأب على إيمان الإنسان مستقبلاً، ونشوء الإلحاد لديه؟

    وبإمكان الإجابة الدقيقة عن هذا السؤال الجوهري أن تقرّبنا خطوةً كبيرةً في فهم جذور الإلحاد وسبب انتشاره في العالم اليوم
    هناك عدة محاولاتٍ للإجابة عن هذا السؤال. و (أول من بدأ بدراسة العلاقة بين التعلق – الآمن بالوالدين– والمعتقد الديني هما كير كباتريك وشيفر.. وقد افترضا أن التعلق غير الآمن قد يكون له علاقةٌ بالتحولات الدينية المفاجئة، أما الفرضية الثانية: تدعى فرضية التوافق وهي تعتبر أنّ علاقة المرء بربه تتوافق مع حالته التعلقية أو تكون انعكاساً لها، وفي هذه الحالة سيكون من السهل للأفراد ذوي التعلق الآمن إنشاء علاقةٍ وثيقةٍ بالله، بينما سيكون ذلك أصعب بالنسبة للأفراد ذوي التعلق غير الآمن وبالتالي سيكونون أقل قابليةً للتدين.[9]

    وقد علق الدكتور عمرو شريف، على الدكتور فيتز في كتابه الشهير الإلحاد مشكلةٌ نفسيةٌ: حيث قال:
    ويتداخل مع هذا الطرح –الأب نموذجًا عن الإله– المفهوم الديني الذي يدور حول طبيعة النفس الإنسانية، فالإله قد خلق الإنسان على صورته، بل إن العلاقة بين الإله والإنسان تشبه العلاقة بين الأب وابنه؛ حيث أنّا في تربيتنا لأبنائنا نشبّه الإله بالأب بشكلٍ مباشرٍ، ونطلق عليه مصطلح رب البيت.[10]

    وقال في موضعٍ آخرَ: من أهم العوامل النفسية وراء تبنّي الإلحاد من منظور التقصير الأبوي الذي يتبنى: أن الإنسان يعتبر الإله النموذج المطلق للقوة والسلطة كما يرى في أبيه التجسيد البشري لهذا النموذج ومن ثم فمن يفقدون الأب يعانون صعوباتٍ في تبني الإيمان بالإله.[11]

    المبحث الثاني: الأب مثالٌ للإيجاد والبقاء:
    إن ضرب (..الأمثال واستحضار العلماء النظائر، شأنٌ ليس بالخفي في إبراز خفيّات الدقائق ورفع الأستار عن الحقائق، تريك المتخيَّل في صورة المتحقق، والمتوهَّم في معرض المتيقن، والغائب كأنّه مشاهدٌ، وفي ضرب الأمثال تبكيتٌ للخصم شديد الخصومة، وقمع لسَورة الجامح الآبي، فإنّه يُؤثّر في القلوب ما لا يُؤثّر وصف الشيء في نفسه، ولذلك أكثر الله تعالى في كتابه وفي سائر كتبه الاَمثال، ومن سور الإنجيل سورة تسمّى سورة الأمثال وفشت في كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وكلام الأنبياء والحكماء.[12
    ولو تأملنا في طريقة إيصال المفاهيم المجهولة لدى الإنسان سواءً بتفاصيلها أو أصل وجودها من قبل الله تعالى نجد أنها متعددةٌ ومختلفةٌ وتناسب جميع منابع إدراك الإنسان، اللفظية والسمعية والبصرية والعقلية والنفسية، والوجدانية، ولعل أول قصةِ مثالٍ مدونةٍ حصلت على الأرض هي –مثال الغراب– في قصة ابني آدم عليه السلام قال الله تعالى:
    [فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ.][13]

    والكون مليءٌ بتلك الصور والأمثال التي اهتدى من خلالها الإنسان إلى أروع الاكتشافات، ونبهته إلى قوانين لم يلتفت إليها ولو بعد ملايين السنين لولا تلك الإشارات والأمثلة الطبيعية المودعة في المخلوقات

    فلو تأمّلنا في أغلب تلك الابتكارات، سواءً الحديثة منها أو السابقة، لوجدنا أن لها أصلاً ومثالاً شبهَ متطابقٍ في الطبيعة، وخصوصاً الأفكار والابتكارات الأصلية، قبل توالد وبناء أفكارٍ جديدةٍ عليها، وربما لم يلتفت هؤلاء المبتكرون بصورةٍ مباشرةٍ وواضحةٍ إلى هذا التطابق ومن ثم ينقلون ويستنسخون هذه الفكرة.

    قال تعالى: [وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44)][14]

    [لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(21)].[15]

    [إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(59)].[16]

    [وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(35)].[17]

    ما جاء في الإنجيل:

    (فَتَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ وَقَالُوا لَهُ:«لِمَاذَا تُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَال؟» فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ:«لأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا لأُولَئِكَ فَلَمْ يُعْطَ. فَإِنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى وَيُزَادُ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ سَيُؤْخَذُ مِنْهُ. مِنْ أَجْلِ هذَا أُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَال).[18]

    النتيجة:

    إن الله تعالى ينبه الإنسان بعدةِ طرقٍ، لإرشاده لأنظمةٍ وقوانينَ ومفاهيمَ إما غائبةٍ عنه أصلاً، أو مغروزةٍ في فطرته التي صممها هو سبحانه، لتتناسب وذلك التنبيه المستقبلي. والتنبيه والتذكير يحفز ذاكرة الإنسان الواعية وغير الواعية. قال تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27).[19] ومن هذه الأمثلة أن جعل له برحمته مثالاً لسبب وجوده وسبب رعايته وحمايته وبقائِه وهو الأب، إن تدرب على التعلق بهذا السبب القريب وشعر بالامتنان له في صغره، وهو ما أكدت عليه الأديان من توجيه الطفل لهذا الأمر بالتربية الصحيحة، فحين يتدرج في الفهم والتعقل والإدراك، سيعي شيئاً فشيئاً المعنى الحقيقي للوجود والمسبب والمؤثر الأصيل في وجوده وبقائه، ومع التربية الدينية والتلقين المستمرّ اللّيّن سينتقل ارتباطه الوجداني والعقلي إلى ذلك السبب بشكلٍ سلسٍ وتلقائيٍّ.
    ونستطيع القول أن هذا النمط من الأمثلة الإلهية يُعدُّ من أقرب الأمثلة إلى وجدان الإنسان، التي تذكّره وتعرّفه بإلهه الحق، ولشدة قربها ووضوحها تخفى، وسبب خفائها أنه يعيش وسطها تماماً، بل في مرحلة من مراحلها، تكون هي هويته التي يرى العالم من خلالها كما سوف نتطرق إن شاء الله في موضعٍ آخرَ إلى أهم تطبيق يمكن أن نتصوره عن هذا النمط من الأمثلة الواضحة والخفية في الوقت نفسِه، وهو مثال الإنسان نفسه.
    المقدمة الثانية: الله والوالدين في القران

    قال الله تعالى في القران الكريم:

    [وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ(83)] {البقرة}.

    [وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا...(36)] {النساء}.

    [قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا...(151)] {الأنعام}.
    [وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أو كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا(23)] {الإسراء}.

    تشير هذه النصوص القرآنية بشكلٍ صريحٍ ووثيقٍ إلى عمق العلاقة بين الله سبحانه والوالدين، والتي حصرت العبادة له سبحانه بترسيخ العلاقة معهما، ومن هذه التعابير المتكررة يُستفاد أن ثمّة ارتباطاً بين هاتين المسألتين، والقضية في الحقيقة كالتالي: حيث إن أكبر نعمةٍ هي نعمة الوجود والحياة وهي مأخوذةٌ من جانب الله سبحانه في الدرجة الأُولى، في ما ترتبط بالوالدين في الدرجة الثانية، لأنّ الولد جزءٌ من وجود الوالدين، لذلك كان ترك حقوق الوالدين وتجاهلها، في مصافِّ الشرك بالله سبحانه
    سبحانه.[20]

    قال الصادق عليه السلام: بر الوالدين من حسن معرفة العبد بالله، إذ لا عبادةَ أسرعَ بلوغًا بصاحبها إلى رضا الله تعالى من حرمة الوالدين المسلمين لوجه الله، لأن حق الوالدين مشتقٌّ من حق الله تعالى...[21]

    الأب: المثال المفقود:

    إن سبب وجود الإنسان البيولوجي ومن ثَمَّ ضمان بقائه ورعايته، هما الوالدان بصورةٍ مباشرةٍ أكيداً، وذلك في بداية حياته، وهذه في حقيقة الأمر والواقع هي وظيفة الإله، وهو مسبب الأسباب ومدبر أمور خلقه، فيعتبر الآباء من هذه الجهة مثالاً وصورةً مصغرةً من دور ووظيفة الإله في نظر الطفل، ومع الرعاية الأبوية المناسبة والجيدة ستترسخ في وجدانه هذه الوظيفة وتنشأ علاقةٌ إيجابيةٌ مع مصدر الوجود والبقاء القريب(الآباء) ليتسنى له لاحقاً وقت الانتقال إلى المصدر الأصلي الحفاظ على نفس نمط العلاقة هذه، ولكنه بشكٍل يتناسب وطبيعتها الجديدة. ول «كون علاقة المرء بالله مختلفةً نوعيًّا عن العلاقة بالبشر، إلا أنها تبقى على الرغم من ذلك علاقةً تبادلية».[22]
    وحين يتدرج هذا الإنسان في الانفصال عن السبب الأوّلّي –في رؤيته وعلاقته باعتباره المسبب لإيجاده وبقائه– ينفصل بصورةٍ منتظمةٍ تتناسب طرديّاً ومستوى اتكال الابن على أبيه مع إدراكه ووعيه، إلى أن يصبح شابّاً، لديه القدرة على الوجود المستقلّ، وبهذه المرحلة كذلك يستطيع عقله أن يستنتج أنّ هناك سببًا أكبرَ من أبويه في وجوده ورعايته، وهنا يمكن أن ينتقل ارتباط ذلك الشاب من التعلق بسبب وجوده البيولوجي القريب، إلى الارتباط بالسبب الحقيقي المسيطر على جميع الأسباب، ينتقل بشكلٍ سلسٍ[23] وغيرِ عنيفٍ كما يحصل لليتيم، والذي من الممكن إن فقد السبب القريب، والمثال عن الإله (الأب) في سنِّ مبكرةٍ سوف يفقد حالة التدرج علىفهم وترسيخ معنى الاتصال بسبب الوجود الأصلي، فتحصل ثغرةٌ وهوةٌ عميقةٌ بين إدراكه القاصر وبين الإله الذي فقد للتو مثاله لإيصال معنى الارتباط وترسيخه بوجدانه، وهذه الثغرة تحديدًا هي التي تكون مدخلاً لإنكار السبب الأصلي للوجود أو الإله.

    إذاً: عدم التدرج في الانتقال من فهم معنى السبب الحقيقي للوجود والبقاء، وزوال هذا المثال هو ما يترك فراغاً في وجدان فاقد الاب، وتحديداً إنّ جوهر وظيفة هذا المثال –الأب– هو:

    - التنبيه والتدريب الوجداني للطفل على وجود المبدأ والسبب الحقيقي للوجود.
    - تشخيص هذا السبب –الأب– في الواقع يساعد الطفل على تشخيص الإله، وإخراجه من حيرة المجهول والفراغ الذهني، أي إلى (إله شخصيٍّ).

    ومع التربية الصالحة الصحيحة والتلقين المستمر، وبوازع الفطرة المجبولة والمصممة على تطابق الصورة الأصلية للحق سبحانه، ومع ما تدرب عليه نفسيّاً وتلقينيّاً من أبيه، يمكن نقل جميع تصورات الطفل وعلائقه الوجدانية من الأب المثال إلى الإله العظيم، كلاًّ بحسب دينه وإلهه الذي يعتقد به.

    ومن الممكن أن تنطبق هذه النتيجة على كل من لم يجد ارتباطاً وجدانيّاً حقيقيّاً منتظمٍ مع أبيه، ويشمل ذلك الوالد المعيب، أو القاسي، وكذلك يشمل حالة التفكك الأسري وابتعاد الشباب عن عائلاتهم، خصوصاً في سنٍّ مبكرةٍ، بسبب طبيعة الحياة المعاصرة، واعتمادهم في الإدراك والوعي على وسائل لا تنسجم مع الطبيعة السيكولوجية للإنسان خصوصاً في الغرب، وفقدان الارتباط بالوالدين وخصوصا الأب، وإيجاد هذه الثغرة في عملية الانتقال من المثال –الأب– إلى الممثَّل عنه –الإله– هي ما يمكن أن تصبح وتصلح عاملاً مشتركًا في كل حالات عدم الارتباط الصحيحة مع الآباء وبكل مصاديقها، والتي ذكر بعضها الدكتور فيتز في كتابه محل الدراسة، وكذلك تفسر هذه الفكرة ما طرحه العالمان ليمكي ومايفيلد حيث قالا: إن التعلق بالأب ينبئ عن التعلق بالله.[24] إلا أنهما لم يبينا حقيقة هذا التعلق.

    ومن خلال ما تقدم، يمكن ملاحظة عدةِ أمورٍ على التفسيرات السابقة لإيمان فاقد الأب:
    الأمر الأول: إن التفاسير السابقة يمكن تصنيفها على الجانب السلبي، كالصدمات الشخصية وما رافقها من فقدان الشعور بالأمان.

    الأمر الثاني: أو هي متأخرةٌ زمانيًّا ومرحلةً عن المعنى الذي طرحناه، كاعتبار الأب نموذجًا للقوة والسلطة.

    الأمر الثالث: الغفلة عن المبدأ: تنصبّ جميع تفسيرات المفكرين المسيحين واليهود على ما يبدو على أسباب الاستمرار في الحياة، في تفسير نمط العلاقة غير الآمنة بالإله، وهو انعكاسٌ للمستوى الإيماني السطحي.
    قال الدكتور فيتز: من وجهة نظرٍ يهوديةٍ ومسيحيةٍ يمكن فهم الله كشخصيةٍ مثاليةٍ للتعلق: الكائن الفرد العليم القادر الودود، والجاهز دوماً لتقديم الأمن في أوقات المحن وانعدام الأمان.[25]

    ومن الواضح أن تصور الطفل لحقيقة وجوده وبقائه والسبب في ذلك، كما جاء في التفسير الأخير، يمثل الأرضية الشاملة لكل التصورات المحتملة اللاحقة، وهو تصورٌ وانطباعٌ أوليٌّ إيجابيٌّ يترتب وجوده على الحقيقة الأولى التي يمكن أن يدركها الإنسان في هذه الدنيا وهي: إدراك حقيقة وجوده، والتي يتفرع عليها فهم ومعرفة سبب وجوده ثم بقائه. وهي أعمق نقطة في كيان الإنسان يمكن أن تربطه بأبيه، ومن ثَمّ بإلهه، وكل النتائج الأخرى تعتبر
    أساس هذه العلاقة المركزية والجوهرية، يصبح من الممكن فَقْد جميع علائقه الأخرى إن لم يتم رعايته رعايةً فائقةً ومحكمةً ودقيقةً.

    المبحث الثالث: فاقدو الآباء المؤمنون

    لِمَ لم يتأثر بعض الأشخاص بفقدان آبائهم؟

    هناك بعض النفوس لها استعدادٌ ذاتيٌّ عالٍ على التواصل والارتباط بسبب وجودها الأصلي(الإله) في مراحلَ مبكرةٍ من حياتهم. فإن حصل وَوُجد مثلُ هؤلاء الأشخاص المميزين، فانهم وحالهم هذه لا يحتاجون إلى أداة وصلٍ ومثالٍ (الأب) يتبعونه في اكتشاف أصل وجودهم الحقيقي، بل بالعكس ربما
    يكون المثال هنا أداةَ تأخيرٍ في معرفة وإدراك المبدأ (الله) خصوصًا إذا كان الأب من النوع المعيب بحيث لا يعكس الصورة الحقيقية لمثاله، ولأن المعرَّف (بفتح الراء) لديهم أجلى من المعرِّف (بكسر الراء) وهو أهم شروط التعريف المنطقي، وهذه المعرفة المبكرة وإن لم تكن تتسم بالصورة التفصيلية، إلا أن أي خللٍ يعطل الاستعداد العالي بالتواصل المبكر مع سبب الوجود الأصلي ، سيولد خللاً في مسيرة التواصل، والتي بالاستمرار والتراكم من الحتمي ستنتج فهماً ومعرًفة فائقةً وتفصيليةً بالله، وتتضح هذه الملامح لدى بعض العظماء خصوصاً المخطط لوجودهم وحياتهم مسبقا كالأنبياء مثلاً وأشهرهم موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام فكلهم من فاقدي الآباء.

    وهناك الكثير من المؤمنين من غير الأنبياء، ممن فقدوا آبائهم مبكراً، تتفاوت درجات إيمانهم بعدةِ مستوياتٍ، ولعل أبرز ما سد ثغرة فقد آبائهم هي الرعاية الصحيحة لهم واحتضانهم بشكلٍ لم يترك لتلك الثغرة أن تتسع في نفوسهم ووجدانهم وهو ما يحتاج إلى تركيزٍ عاطفيٍّ مكثفٍ، ومن هنا يمكن فهم بعض أسباب حث القرآن الكريم والسنة النبوية على رعاية ومداراة الأيتام بصورةٍ تفوق كل الطبقات الاجتماعية، لسدّ إلى النقص العاطفي الذي بلا شك أنهم سيعانونه ومنع تأثير ذلك على نفوسهم وتصوراتهم عن المجتمع. وكل الدراسات التي أجريت، والنتائج التي استخلصت والتي تنطلق بما اصطلح عليه ب(التعلق غير الآمن) تدور حول حاجات الإنسان الاجتماعية وهواجسه النفسية وما
    يتعلق منها بالخوف من المستقبل، وإن كانت أحياناً ترتبط بالله فهي على هذا النسق وهذا المستوى من الحاجات التي تشغل بال صاحب التعلق غير الآمن، حسب تلك التفسيرات والنتائج، ولم تتعدَّ إلى سبب الوجود والبقاء، والحفاظ على نسق علاقتهم بالإله وأثر ذلك على الطفل، وهذا هو تحديدًا ما يتعلق بمسألة الإلحاد وينتقل له مباشرةً، وهي تجربة –الإله مع الوالد– والذي فقدوا أهم أركانه في وجدانهم بفقد الوالد باعتباره مثالاً يعكس حقيقة وظيفة ودور الإله في إيجادهم وإبقائهم كما مر.

    ومن أمثلة رعاية فاقدي الآباء وحمايتهم من الشعور بفقد مثال دور الله تعالى في البقاء، وإبقائهم ضمن دائرة التعلق الآمن، هو ما جاء في كثيرٍ من النصوص الدينية ومنها الإسلامية:

    بعض ما جاء في النصوص الاسلامية عن اليتيم:

    قال تعالى: [وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17)] {الفجر}. [فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9)] {الضحى}. [وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6)] {الضحى}. [أرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2)] {الماعون}.

    وقال سبحانه: [إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) النساء وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أو إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ(15)] {البلد}.
    من أقوال النبي (ص) في اليتامى:

    اتقوا الله في الضعيفين اليتيم والمرأة.. يا عليّ! أربع من كن فيه بنى الله له بيتاً في الجنة: من آوى اليتيم، ورحم الضعيف، وأشفق على والديه، ورفق بمملوكه.. أتحبّ أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك، يلنْ قلبُك، وتدركْ حاجتَك.

    العلاقة الصحيحة مع الطفل تنتج علاقة صحيحة مع الله:
    لو تتبعنا تأكيد الأنبياء والمصلحين على تربية الأطفال لوجدنا أن المنظومة التربوية التي يحثون عليها تؤكد على أهمية وطبيعة علاقة الطفل بأبيه والأب بابنه، فهي تنقل الطفل لو طُبقت عمليّاً، تنقله بشكلٍ صحيحٍ وتلقائيٍّ إلى علاقةٍ صحيحةٍ وطيبةٍ مع الله، وهي أشبه ببرنامجٍ مصمَّمٍ، لربط هذا الإنسان المستقبلي بشكلٍ تدريجيٍّ وحسّاسٍ مع مبدعه وصانعه. وأروع ما يمكن أن يُستشهد به هو ما جاء في القرآن الكريم، ويتضح بجلاءٍ كيفية ربط احترام وحب الوالدين بعبادة الله وطاعته قال سبحانه في سورة لقمان:
    [وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أو فِي السَّمَاوَاتِ أو فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ
    مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)(19)][26]

    ومن الشواهد البارزة في هذه الآيات المباركة هو قول الله تعالى الذي تكلم وسط كلام لقمان مع ولده ليقر حقيقة ربط الوالدين بالله من خلال توقف شكر أحدهما على شكر الآخر والعكس صحيحٌ قال عز وجل: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ.

    وفي وصيّة النبيّ صلىّ الله عليه لعليّ عليه السلام، قال: (يا عليّ، حقٌّ الولد على والده أن يُحسن اسمه وأدبه، ويضعه موضعاً صالحاً إلى أن قال يا علي، لعن الله والدين حملا ولدهما على عُقوقهما، يا علي، يلزم الوالدين مِن عُقوق ولدهما ما يلزم الولد لهما مِن عُقوقهما، يا علي، رحم الله والدين حملا ولدهما على بِرّهما، يا علي، مَن أحزن والديه فقد عقّهما.[27]

    عن السجّاد عليه السلام: وأمّا حقّ ولدك، فتَعلَم أنّه منك، ومُضافٌ إليك في عاجل الدنيا بخيره وشرّه، وأنّك مسؤولٌ عمّا ولّيته مِن حُسن الأدَب، والدلالة على ربّه، والمعونة على طاعته فيك وفي نفسه، فمُثابٌ على ذلك ومُعاقَبٌ، فاعمل في أمره عمل
    المتزيّن بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا، المُعذر إلى ربّه بينك وبينه بحسن القيام والأخذ له منه.[28]

    قال الإمام علي بن الحسين عليه السلام: وأما حق أمك فأن تعلم أنها حملتك حيث لا يحتمل أحدٌ أحدًا، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يُعطي أحدٌ أحدًا، وَوَقَتْك بجميع جوارحها، ولم تُبالِ أن تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك، وتضحى وتُظلَّك، وتهجر النوم لأجلك، وَوَقَتْك الحر والبرد، لتكون لها، فإنك لا تطيق شكرها إلا بعون الله وتوفيقه.
    وأما حق أبيك فأن تعلم أنه أصلك، وأنه لولاه لم تكن فمهما رأيت في نفسك مما يعجبك فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه فاحمد الله واشكره على قدر ذلك ولا قوة إلا بالله.[29]

    وهناك مئات الشواهد تجنبنا ذكرها اختصارًا لصغر البحث.

    المبحث الرابع: العلاقة بين الإلحاد، وطبيعة العقيدة المسيحية:
    لو تتبعنا سيرة وحياة كبار الملاحدة، لوجدناهم ينحدرون من جذورٍ مسيحيةٍ أكيدًا،[30] وأقل منهم اليهود وذلك، لاشتراك هاتين العقيدتين في ادعاء أن لله ابناً، ووضع هذا المحدد والإطار العقدي سيتسبب أكيداً في اشتراكهما في النتائج المترتبة في تصور وتربي أبناء وأتباع هاتين العقيديين على آلهٍ موصوفٍ بالمحدودية، وسيشكل آثار فقد الأب فراغًا في التواصل مع الإله الحق، وأبرز العلماء الملحدين الذين ينحدرون من أصول يهوديةٍ هو العالم
    المعروف: سيغموند فرويد، إلا أن العقيدة المسيحية، تتميز بإضافة الأب وهو محل الدراسة؛ ولكون الأب هو المؤثر الأساس في تشكيل نفسية و شخصية الأبن، لا العكس، كان تأثيرها السلبي من جهة تجذير الإلحاد أوسع، وهو ما دعانا إلى تحليل طبيعة هذه العقيدة، وجعلها محلاًّ لاهتمامنا، بخلاف العقيدة اليهودية، فهي لم تضع الأب إطاراً واضحاً لعقيدتها، وإن كان يستلزم بالإضافة وجود أبٍ للابن المزعوم، إلا إن هذا المقدار من عدم التصريح جعل تأثيره محدوداً لدى أبناء الديانة اليهودية، وإن كانت لهم إسهاماتٌ أخرى مع قصة الإلحاد، فلا يلزم من عدم كون طبيعة عقيدتهم منشئاً للإلحاد بشكل واسع
    وعميقٍ، إلا أن لهم وخصوصاً الصهاينة منهم، لهم إسهاماتٌ كبيرةٌ في توسيع رقعته ونشره في العالم لمصالحَ معينةٍ. وأشهر وسائلهم وأدواتهم المؤسسات الإعلامية الضخمة والمرعبة التي يسيطر على كثيرٌ منها ذوو امتدادٍ صهيونيٍّ، أو مَن يرتبط بهم، وتُعدُّ هذه الوسائل، كما غدا واضحاً، من أهم أدوات تكوين العقل الجمعي، وصناعة اللاوعي.

    سنتطرق إلى عددٍ من كبار الملحدين معتمدين في ذلك على دراسة الدكتور فيتز نفسه، وبعض تعليقاته على سيرتهم، إلا أننا سنركز هنا على الجذور الدينية لهؤلاء الاشخاص:
    1- فريدريك نيتشة 4 184 – 1900:

    إن نيتشه هو ربما الملحد الأكثر شهرةً في العالم، حيث قام برفض المسيحية والإله المسيحي خصوصًا بشكلٍ كبيرٍ. وُلد نيشه في مقاطعة ساكسونيا– بوروسيا (ألمانيا) في 15 أكتوبر عام 1844 وهو نجلٌ لِقسٍّ لوثريٍّ، كان هناك العديد من رجال الدين في كلا طرفَيْ عائلته، توفي والده القس لود فينغ نيتشة في 30 من يوليو عام 1849 قبل عدةِ أشهرٍ من عيد ميلاد نيتشة الخامس. ارتبط ضعف والده العام ومرضه أيضاً بالنسبة لنيتشة.. مع مسيحية والده وكان انتقاده الكبير للمسيحية(بمعناها المتضمن الفضيلة ويسوع
    اللاهوت المسيحي والمعنى الكلي لإله المسيحية هو أنها تعاني غياب أو رفض ما يسمى بقوة الحياة.[31]

    2- ديفيد هيوم 1711– 1776:

    لم يعرف الا القليل عن هذا الفيلسوف المهم الذي كان ملحداً في وقت مبكر.. ينحدر هيوم من عائلةٍ ثريةٍ وبارزةٍ نسبيّاً، وتربى كالمؤمن جنباً إلى جنب مع عائلته.. وغالبية المجتمع في ذلك الوقت كتابع للكنيسة المشيخية الأسكتلندية...وتوفي والده جوزيف في عام 1713 عندما كان عمر الفيلسوف المستقبلي سنتين فقط، ولا تذكر سيرة حياته أيّا من أصدقاء أو أقربائه لعبوا دور الأب.. ولذلك ُستنتج أن هيوم كان ملحدًا بشدةٍ وأن فرضية الأب الميت تنطبق عليه.[32]

    3- بيرتراند راسل: 1872– 1970

    يعرف راسل بأنه الملحد الأنكليزي الأبرز، ومن المعروف جيداً موقفه الموجه نحو رفض الديانة المسيحية تحديداً..، كانت مذكرات والد راسل اللورد امبرلي مليئة بالشؤون الدينية، ثم أصبح ملحداً في مرحلة البلوغ وقد توفي عندما كان عمر ابنه راسل أربع سنوات.. وما زاد الطين بلة وفاة والدته قبل ذلك بعامين، لذلك كانت والدته الفعلية هي جدته، التي عرفت ب (البلادونا السامة) فكانت ذات طابعٍ واضحٍ في حيات راسل خصوصًا أنها تابعةٌ للكنيسة المشيخية الأسكتلندية منذ ولاتها.. ومن الواضح أن الدين الذي رفضه كان دين جدته.[33]

    4- جان بول سارتر: 1905– 1980:

    يعد سارتر أحد الملحدين الأكثر شهرة في القرن العشرين ويلخص موقفه بشكلٍ جيّدٍ بكلامه الشخصي: إذا رفض الشخص الإله الأب، لا بد أن يقوم أحد ما بابتكار القيم.

    توفي جان بابتيست والد سارتر عام 1906 عندما كان عمر سارتر خمسة عشر شهراً فقط.. إن غياب والده كان حقيقةً مؤلمةً لدرجة أن جان بول أمضى حياته في محاولة إنكار الخسارة، وبناء الفلسفة التي يكون فيها غياب الأب والله نقطة البداية الحقيقية للحياة الجيدة أو الفعلية.[34]
    5- سيغموند فرويد 1856– 1939:

    اتفق كتاب سيرة فرويد الذاتية بشكلٍ عامٍّ على أن يعقوب والد سيغموند فرويد شكّل خيبة أملٍ أو أسوأ من ذلك بالنسبة إلى ابنه، فكان يعقوب رجلاً ضعيفاً، غيرَ قادرٍ على إعالة أسرته.. وكان سلبيّاً في الرد على معادي السامية، وكان سيغموند رجلاً معقداً وغامضاً في كثير من النواحي. وربما خلل يعقوب بدوره كأب قد ذهب إلى ما هو أعمق من العجز والضعف، فقد كتب فرويد على وجه التحديد.. أنّ والده كان منحرفاً جنسيّاً، وبالنتيجة فقد عانى أطفاله من ذلك.. ويمكننا أن نفترض أن هذا يعبّر عن عدائه القوي غير المقصود تجاه والده ورفضه إياه.. كان ارتباط يعقوب بالرب والدين حاضراً لابنه أيضاً،
    حيث شارك في نوعٍ من الإصلاح اليهودي عندما كان فرويد طفلاً، وقد أمضى كلاهما ساعاتٍ في قراءة الكتاب المقدس معًا، وبعد ذلك أصبح يعقوب ملتزماً على نحوٍ متزايدٍ بقراءة التلمود ومناقشة الكتاب المقدس اليهودي، وباختصارٍ فقد كان هذا الرجل اللطيف الضعيف أو بالأحرى السلبي بالنسبة لسيغموند مرتبطًا بوضوحٍ باليهودية وبالله، بالإضافة إلى ذلك كان مرتبطا بنقص مهم في الشجاعة وبالشذوذ الجنسي، وبنقائصَ أخرى مؤلمةٍ جدّاً لسيغموند الشاب. إذًا ليس من المستغرب أن ندين لفرويد التبصر بالسيرة الذاتية (تثبت بطريقة التحليل النفسي.. يوميّاً لنا كيف يفقد الشبان
    معتقداتهم الدينية بمجرد انهيار سلطة الأب).[35]

    6- هـ ج ويلز 1866– 1946

    كان للكاتب الإنكليزي والفيلسوف الاجتماعي، ويلز، تأثيرٌ هائلٌ في الثقافة الشعبية في العقود الأولى من القرن العشرين، فقد جعلته مناقشاته العامة مع هيلير بيلوك من بين بقية المناقشات، والمبيعات الواسعة من كتابه الموجز في التاريخ (أكثر من مليون نسخة) واحداً من كبار المشهورين ومن أكثر الاصوات تأثيراً في عصره وقد قادت كتبه البعض إلى الإلحاد
    والبعض الأخر إلى الكتابة ضده.[36] ولد ويلز لأبوين من الطبقة العاملة في لندن، أمضى والده فتراتٍ طويلةً في لعب الكريكت، بعد أن خسر عمله، فكان يعطي القليل من وقته لزوجته وعائلته، وتفاقم شعور العداء المتبادل المحاط بالازدراء، وأصبح جوزيف منفصلا ولا مبالياً، وبدأ التفكير بمغادرة البلاد من أجل البدء بحياةٍ جديدةٍ في مكانٍ آخرَ، ولا يخفي ويلز الأبن احتقاره لوالده، أو غضبه تجاه الحالة التي تسبب بها لوالدته، ويرسم ويلز ارتباطاً واضحاً بين انهيار الإيمان المتزمت عند والدته وكراهيته الخاصة للرب.
    ومن التعليقات المهمة للدكتور فيتز على سيرة ويلز: سواءً أكان جوّ الأب أم الله الأب الذي لم يعطِ إجابةً فهذا على ما يبدو لم يُحدث فرقاً بالنسبة لويلز، لأنهما بالنسبة له كانا غائبين على حدٍّ سواءٍ، لكنه سرعان ما قام بكراهية الرب بقوةٍ.. وعلق ويلز قائلاً عن لسان والدته: وأعتقد أنها أدركت.. كلما طالت السنوات دون تخفيفٍ ماديٍّ بأن أبانا وربنا اللذين قد تكون اعتمدت عليهما بإفراطٍ كانا بعيديْن أيضاً. في جانبٍ بعيدٍ من الكون المرصع بالنجوم.[37]

    هذه نبذةٌ مختصرةٌ عن السيرة الشخصية لبعض كبار الملحدين والفلاسفة ولو تمعنّا في سيرتهم نجد عامِلَيْن مؤثِّرَيْن في بلورة إلحادهم:
    الأول: انقطاع العلاقة بالأب سواءً بموتٍ أو غيره.

    الثاني: هو نشوؤهم في أجواء العقيدة المسيحية، وتربيهم بين أحضانها، وتلقينهم بتعاليمها.

    وربما تكون طبيعة هذه العقيدة هي السبب الأول في ولادة حالة الشك بالإله حسب ما مر علينا في سيرهم، وما سوف نذكره قريبًا.

    فان سمحت الظروف والإمكانات الذاتية لإبداء مثل هؤلاء الفلاسفة عن آرائهم الإلحادية، فكيف بالملايين من أصحاب التجارب المشابهة العاجزين عن صياغة أفكارهم ورؤاهم الدفينة عن الله والإيمان!
    تشبيه الإله بالأب أحد أعمق جذور مشكلة إلحاد فاقدي الأب:

    من المعروف أن من أهم عقائد المسيحيين وما يميزهم عن غيرهم من أتباع الأديان[38] هو: اعتقادهم بالأب والابن وروح القدس، أي أن الله هو أبٌ لعيسى، وبمعنًى آخرَ إن الرب الحقيقي هو أبٌ لحلقة الوصل (الابن) لديهم الذي هو عيسى بن مريم عليه السلام، وإعطاؤه هذه التسمية الموجبة للمحدودية والتجسد، التي يتصورها الأطفال والناشئة، من خلال ما يدركونه من وظائف الأب الذي يعرفونه في الواقع، ستترسخ هذه العقيدة في وجدان المسيحي(الإله = الأب) خصوصاً قبل أن يدرك تفاصيل هذه العقيدة سيكون هناك ترابطٌ
    وثيقٌ وعميقٌ بين المعنيَيْن، فلا مانع مع عدم إدراكه إن كان (الإله = الأب) أن يكون (الأب = الإله) ومع (عدم الادراك والوعي = امتزاج المعنيين الأب + الابن)، وأحد حلقات الوصل في إيهام هذا الطفل وإرباك تصوّره عن الإله هو أن يوجد ابنٌ للإله، والابن معروفٌ للطفل ويدرك ما يعرفه عنه مهما حاول أن يبرر العلماء ذلك الارتباط، وكذلك يتصورون أن ما وُصف بأنّه اِبنٌ للرب من خلال الكتاب المقدس بأنه كان إنساناً يمشي ويأكل وينام ويضحك. بالإضافة إلى ما طرحناه في المبحث الثاني من كون الأب يمثل دور ووظيفة الإله في الايجاد والبقاء بنظر الطفل، ستمتزج هذه المعاني القاصرة لدى الطفل أو الشاب. ولتلخيص ما تقدم هناك عدة مفاهيم يتم
    مزجها تؤثر بتسلسلها على عقلية ووجدان الطفل المسيحي:

    المفهوم الأول: هو وعيه المحدود ورؤيته عن الأب البيولوجي باعتباره سببًا لوجوده وبقائه.

    والمفهوم الثاني: هو ما لقن به من مفهوم أبوّة الإله، وهو يدرك معنى الأبوّة المحدود حسب قصوره.

    المفهوم الثالث: إن للإله ابنًا، وهو يدرك كذلك معنى البنوّة المحدود.
    وذلك من جهة معرفته بنفسه باعتباره ابناً.

    - ومن خلال حكاية الكتاب المقدس عن طبيعة عيسى عليه السلام وطبيعة حياته كإنسانٍ من بعد أن كان طفلاً يشبهه.

    وأخطر ما في الأمر هو امتزاج المفهومين الأوليين:

    - تصوره وتوهمه أن أباه هو الموجد والسّبب لبقائه، وهي وظيفة الإله. وهذا ما يزوده بتجربةٍ وجدانيةٍ.

    - طبيعة العقيدة المسيحية تصور له حقيقيةأان الإله أبٌ. وهذا يكسبه تجربةً علميةً كسبيةً.

    - النتيجة: ومن خلال التجربة الوجدانية والعلمية الكسبية يتم التداخل بلا وعيه بين وظيفة الإله التي توهمها في أبيه، وبين ما يُثقَّف ويُلقَّن به بأن إلهه هو حقيقةً يوصف بالأب.

    قال بول فيتز: إن الصبي والفتاة إذا صدم في أبيه وأصيب بخيبة أملٍ يفقد احترامه لهذا الأب، وبالتالي يستحيل الإيمان بالمقابل الذي في السماء.[39]

    ونلفت إلى قوله «المقابل الذي في السماء» أي أن هناك مقابلةً في وجدان المسيحي بين أبيه البايلوجي والإله الموصوف بالأب الذي في السماء، فمن المحتمل جدّا سيتسبب ترابط هذه المفاهيم في وجدان الطفل المسيحي وذهنه، وعند تعرض حلقة الوصل –الأب– للتهديد، بفقدان أو غيره، سيسبب فجوةً وهوةً عميقةً جدّاً وستنهار جميع تصوراته وعلائقه الوجدانية والنفسية والعقلية بينه وبين إلهه الحق مستقبلاً، والتي بناها وأسسها في ظل علاقته بأبيه وتترك أثراً وفراغاً عميقاً في وجدانه من الصعب جدّا تعويضه بأيِّ معنًى آخَر.

    ومما تقدم أيضا يمكن استنتاج:

    أولا: أن كل تشبيهٍ للإله بخلقه، سوف يعرض علاقة الإنسان بإلهه للخطر وذلك حسب علاقة الإنسان بذلك الشبيه.

    ثانيا: تشبيه الإله بأشياء محدودةٍ يمكن للعقل البشري أن يتجاوز فهمها وإدراكها، ما يترك فراغًا عميقًا في العقل وتساؤلاته عن سبب الوجود والكون
    والخلق الذي هو أوسعُ مطلقًا مِمَّا شُبِّه الإله به، ما يتسبب بارتدادٍ للعقل. ومن أهم ملامح هذا الارتداد هو التشكيك أو التكذيب للمقولات الدينية التي تربى عليها. ومن ثم الإنكار والإلحاد في هذا الإله غير المنطقي.

    ثم يعمم هذه التجربة في الإلحاد لكل إلهٍ بعد هذه الصدمة النفسية والتجربة الدينية التي ثبت لديه بطلانها، بعد تقصيره عن البحث عن منهجٍ في التوحيد يتناسب وتساؤلاته العميقة، ككثيرٍ ممن بحثوا وجدُّوا في البحث إلى أن استقروا بعد القناعة التامة، لعثورهم على أجوبةٍ لتلك الأسئلة التي جعلتهم ينفرون من أديانهم السابقة.
    رفع التناقض المحتمل: بين الأب المثال عن سبب الوجود والأب «الرب»:

    يمكن أن يُشكَلَ على هذا الكلام باعتباره شبهَ متناقضٍ مع ما طُرح في بداية البحث، من أن الأب هناك هو مثالٌ عن الإله في وظيفته ودوره بالنسبة للطفل، وهو ما يُسهّل عملية فهم وظيفة الإله الحقيقية، فلِمَ كان الأمر هناك مدعاةً للإيمان، بينما يتم تصويره هنا وكأنه مدعاةٌ للكفر والإلحاد؟!

    الجواب: إن الفرق الأساسي بين الفكرتين هو: إن الأب هناك يكون مثالاً للطفل عن الإله، بشكلٍ تدريجيٍّ وغيرِ تلقينيٍّ، فقط يدرك أنّ له سببَ وجودٍ وسببَ بقاءٍ من خلال ما يشاهده ويعرفه عن أبيه الوالد، ويتم تربيته وحسب تدَرُّج فهمه التلقائي على سعة أسباب الترابط بين الأشياء، وتلقينه التدريجي بوجود سببٍ أكبرَ من أبيه هو سبب الوجود والبقاء الحقيقي، إلى أن يتوازن ما يتصوره جهلاً منه عن سبب وجوده القريب، مع ما يلقن به عن السبب الحقيقي حتى يتفوق الجانب الثاني، وينتقل ذهنه وتعلقه بشكلٍ سلسٍ إلى المؤثرات الأكثر تأثيراً في حياته.

    بخلاف من يَتربَّى ويُلقَّن بشكل مُمنهج ومستمرٍّ على التساوي بين الإله والأب وجعل هذا المفهوم كأكبر وأوسع إطار يمكن أن يدركه مع تدرجه في الفهم خصوصا لدى الصغار، بل حتى أغلب البالغين لا يمكنهم التمييز الدقيق بين مفهوم الأب والإله.

    في الحالة الأولى يتدرب الطفل وجدانيّاً على الانفصال السلس والتفريق بين وظيفة الأب
    ووظيفة الإله، لعدم وجود إطارٍ عَقَديٍّ يمنع التفريق بين المفهومين لديه مستقبلاً، بخلاف المسيحيين الدين يتم لديهم تكريس فكرة (الإله = الأب) وبهذا الإطار المقدس، سينعدم أفق التفريق المستقبلي لديهم.

    أي يتم إنشاء علاقةٍ مضطربةٍ وغيرِ آمنةٍ في تصور الأطفال والشباب بين آباءهم وإلههم، وهو ما افترضه العالمان كيرك باتريك وشيفر في أحد افتراضاتهما كما بيّنا سابقًا وقد افترضا أن التعلق غير الآمن قد يكون له علاقةٌ بالتحولات الدينية المفاجئة، إلا أنهما لم يُبيّنا السبب الحقيقي وطبيعة هذا التأثير الذي يفضي إلى التحول المفاجئ.

    فإن صح هذا الفهم يمكن معرفة جذور الإلحاد
    وسبب انتشاره، بشكلٍ واسعٍ في الغرب المسيحي الذي يملك جميع الأسباب الإعلامية والثقافية لنشره.

    إن القوى الثقافية والدعم في هذه الحقبة الزمنية كانت داعمةً وبقوةٍ لظاهرة الإلحاد الصريح والعلني،[40] لتوظيف نتائج هذا المسلك بهدف عزل الشعوب عن مبادئها الإنسانية والأخلاقية، التي تستمد قوتها من الأديان، لتصبح منقادةً تماماً لفلسفة الواقع الذي يتحكم به ويرسمه لوبياتٌ عميقةٌ، هدفها النهائي الهيمنة الشاملة وبشتّى الوسائل، ومن أكثر الموانع تأثيراً وتأخيراً لتحقيق أهداف هؤلاء المخططين هو التزام الشعوب بالمبادئ الإنسانية المشتركة المتوافقة والمنسجمة والنابعة في كثير من الأحيان من الدين، فاقتضت مصلحة هؤلاء تحطيم هذه
    الموانع، ومن أهم الوسائل المعاصرة لتنفيذ ذلك هو نشر الإلحاد، بالإضافة إلى حالة التخويف الممنهج من الدين، وتسفيه مضامينه وأتباعه.

    ووفقاً لهذا البيان يمكن الادعاء أن طبيعة العقيدة المسيحية الغريبة بتنزيل الإله وتوصيفه بالأب، وتبسيطه بتشبيهه بكائن محدودٍ زائلٍ فانٍ متزلزلٍ، يمرض ويهزل ويبكي ويفرح ويفقد عقله أحياناً، ومهما حاول علماء الدين المسيحي تغطية ذلك بمحاولاتٍ فلسفيةٍ عميقةٍ، فإن هذا الغطاء ذي البعد العلمي العميق، لا يمكن للطفل أو الشاب إدراكه، فهو رغم كل تلك التبريرات لازال يدرك صفات أبيه ويحس بوجوده ويرى علاقته به وتأثيره عليه.

    فالمعادلة الحقيقية هي: إن تصوير الإله بالأب أقرب
    لفهم الطفل لما يدركه ويعرفه عن أبيه، من كل التأويلات الغامضة التي تطرح كتنزيه للإله.

    وكذلك أصبح هذا التوصيف –الأب– مدخلاً وأرضيةً يهوي إليها كلُّ من يعجز عن إدراك تلك التأويلات، ونتصور حقيقةً أن أغلبَ أبناء الديانة المسيحية بل كل من يشبّه الله المجيد بخلقه هم كذلك. ومن هنا جاء الجواب الإلهي على تلك العقيدة في القرآن الكريم حاسماً وصارماً جدّاً ليقطع كل احتمالات الاشتباه ويسدّ جميع مداخل الأوهام، قال تنزهت أسماؤه: [قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)][41]

    قال الإمام الصادق عليه السلام: فإن قالوا: ولِمَ
    يختلف فيه؟ قيل لهم: لِقِصر الأوهام عن مدى عظمته وتعدّيها أقدارَها في طلب معرفته وأنها تروم الإحاطة به وهي تعجز عن ذلك وما دونه.[42]

    قال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام في التوحيد:

    الْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ اَلْقَائِلُونَ وَلاَ يُحْصِي نَعْمَاءَهُ اَلْعَادُّونَ وَلاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ اَلْمُجْتَهِدُونَ {اَلْجَاهِدُونَ} اَلَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ بُعْدُ اَلْهِمَمِ وَلاَ يَنَالُهُ غَوْصُ اَلْفِطَنِ اَلَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ وَلاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ وَلاَ وَقْتٌ مَعْدُودٌ وَلاَ أَجْلٌ مَمْدُودٌ فَطَرَ اَلْخَلاَئِقَ بِقُدْرَتِهِ وَنَشَرَ اَلرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ وَوَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ
    أَرْضِهِ، أَوَّلُ اَلدِّينِ مَعْرِفَتُهُ وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ اَلتَّصْدِيقُ بِهِ وَكَمَالُ اَلتَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ اَلْإِخْلاَصُ لَهُ وَكَمَالُ اَلْإِخْلاَصِ لَهُ نَفْيُ اَلصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ اَلْمَوْصُوفِ وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ اَلصِّفَةِ فَمَنْ وَصَفَ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ وَمَنْ قَالَ فِيمَ فَقَدْ ضَمَّنَهُ وَمَنْ قَالَ عَلاَمَ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ كَائِنٌ لاَ عَنْ حَدَثٍ مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَمٍ مَعَ كُلِّ شَيْ ءٍ لاَ بِمُقَارَنَةٍ وَغَيْرُ كُلِّ شَيْ ءٍ لاَ بِمُزَايَلَةٍ فَاعِلٌ لاَ بِمَعْنَى اَلْحَرَكَاتِ وَاَلآْلَةِ بَصِيرٌ إِذْ لاَ مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ مُتَوَحِّدٌ إِذْ لاَ سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ وَلاَ يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ أَنْشَأَ اَلْخَلْقَ انشاءا وَاِبْتَدَأَهُ اِبْتِدَاءً بِلاَ رَوِيَّةٍ أَجَالَهَا وَلاَ تَجْرِبَةٍ اِسْتَفَادَهَا وَلاَ حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا وَلاَ هَمَامَةِ نَفْسٍ اِضْطَرَبَ فِيهَا أَحَالَ اَلْأَشْيَاءَ لِأَوْقَاتِهَا وَلاَءَمَ لَأَمَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا وَغَرَّزَ غَرَائِزَهَا وَأَلْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا عَالِماً بِهَا قَبْلَ اِبْتِدَائِهَا مُحِيطاً بِحُدُودِهَا وَاِنْتِهَائِهَا عَارِفاً بِقَرَائِنِهَا وَأَحْنَائِهَا.[43]

    الآن صار واضحاً أن طبيعة هذه العقيدة هي التي ساعدت على خلق البيئة الاجتماعية الواسعة والمناسبة لانتشار وتجذير الإلحاد بين أبنائها[44] ومن ثَمّ إلى العالم باعتبار أن الموطن الأهم لأبناء الديانة المسيحية هو أوربا وأمريكا، وهاتان الرقعتان تُعتبران القدوة والمحور الثقافي والإعلامي
    والاقتصادي والسياسي والأمني لكثيرٍ من شعوب العالم على الأقل في القرون الاخيرة.

    فإن حصل ووجدت حالات انقطاعٍ للعلاقة بالأب لأيِّ سببٍ كان بالنسبة لهؤلاء الأطفال والشباب، سيفقدون المثال الحاكي عن سبب وجودهم الأصلي (الإله) ومن المحتمل جدّاً أنهم سينفصلون ويبتعدون عن إلههم الحق، بسبب ترسيخ مفهوم (الأب = الإله) أو (الإله = الأب) في وجدانهم.

    وجاء تحذيرُ القرآن الكريم وتوبيخُه الشديدان بسبب المآل الحتمي الذي سينتهي إليه من يصف الله تعالى بهذه الأوصاف المحدودة حيث جاء في الكتاب الكريم:
    [وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)][45]

    [وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27)][46]

    [لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4)][47]

    [وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116)].[48]
    [قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69)][49]

    [وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)][50]

    المبحث الخامس: العقائد القاصرة لا تلبي رغبات وتساؤلات أبنائها:
    وتنقسم تلك الرغبات بطبيعتها إلى قسمين العقلية والروحية الوجدانية.

    الأولى: الرغبات والتساؤلات العقلية:

    الذكاء الحادّ ربما يكون مدعاةً للإلحاد إن كان صاحبه ينحدر من عقيدة لا تُلبِّي تساؤلاته العميقة عن الكون والحياة من وجهة نظرٍ دينيةٍ، ويكون إطارها الفلسفي محدودا كتوصيف الإله بأوصافٍ محدودةٍ جدّاً مثل (الأب أو الابن) بالنسبة لما يطمح إليه من إجاباتٍ معمقةٍ، وحين يصل إلى مرحلة اللاإجابة، يجد نفسه في فراغٍ، وعدم توازنٍ بين تلك العقيدة محدودة الأفق وبين تساؤلاته المتزايدة، فيتنكر لها تدريجيّاً بعد ولادة الشك لديه. وقد برزت هذه الحالة على معتقد ولسان فولتير، وهو الرائد في الشك، حول كل شيء.. والذي أنكر المفهوم المسيحي عن وجود إلهٍ شخصيٍّ، وأنكر وجود إلهٍ أبٍ، وكان فولتير ربوبيّاً يؤمن بوجود آلهٍ كونيٍّ متجردٍ من الشخصية وذي صفةٍ مجهولةٍ.[51]

    ثانيا: الحاجات والرغبات الروحية والوجدانية:

    كلنا يعلم أن للإنسان طاقاتٍ ورغباتٍ روحيةً، متفاوتةً في الشدة والضعف وكذلك تتفاوت في مستوى طلبها لسد نقصها، مدفوعًا بإلحاحٍ شديدٍ أحياناً، لتغذية حاجاتٍ وعطشٍ روحيٍّ ووجدانيٍّ عميقٍ، وإن كان الدين عاجزاً وقاصراً عن توفير الغذاء الروحي الكامل والمناسب لأتباعه، فمن
    الحتمي أن يعيش هؤلاء الأتباع بحالةٍ أشبهَ بالكبت الروحي والمعنوي، أو أن يتنقلوا بين الأديان إلى أن يجدوا منظومةً عقديةً لديها هذه الإمكانية التي تتناسب وتفاصيل حاجاتهم من غير تكلفٍ. فمن يتصف بالعطش الوجداني ويسعى صادقاً لإرواء روحه بصدقٍ، ولديه الهمة على البحث، والقدرة النفسية على نبذ ما لم يسد رمقه، سوف يسعى جاهداً لتحقيق هذا الهدف الأعلى في الحياة بكل إمكاناته، وبالتأمل والتدبر وصدق الإخلاص ونقاء السريرة سيهتدي حتماً لهذا الدين الكامل.

    التصميم الإلهي للإنسان يتناسب وطبيعة العقيدة الحقة:
    إن المصمم لهذا الكون العظيم والمعجز، ومنه هذا الكائن العجيب –الإنسان– واللذين لا زالا وسيبقيان محلاًّ ومرتعاً للاكتشافات المحيرة لكبار العلماء، متسلحين بأحدث ما أنتجته عقولهم من أجهزةٍ، وفي كل أبعاده وجوانبه الفيزيائية والبيولوجية والنفسية، والعقلية[52] وغيرها، وقد صُمما بشكلٍ متناسبٍ لكلا الطرفين –الكون والانسان– وخصوصا الإمكانات الهائلة التي تتوفر للإنسان للاطلاع والمعرفة والإفادة من تفاصيل هذا الكون الواسع والرائع.

    أي أن هناك تناسباً عجيباً بين إمكانيات الإنسان الفائقة للاطلاع على تفاصيل الكون، ويقابله إمكاناتٌ وأنظمةٌ دقيقةٌ جدّاً قابلةٌ للاكتشاف والولوج إلى وأنظمةٌ دقيقةٌ جدّاً قابلةٌ للاكتشاف والولوج إلى أسرارها متجددة الاستكشاف، والاستفادة منها وتسخيرها لمصلحة الإنسان.

    فمن صمّم هذه التركيبة متناهية التناسب والتناسق والتوافق بين الإنسان والكون، في بعده العقلي والعلمي والبيولوجي، لا بد وطبقاً لحكمة وإبداع مصممه أن يصمم برنامجاً وخريطةً عقائديةً تتناسب والخريطة الروحية والعاطفية والعقلية وإلى أبعد نقطةٍ ممكنةٍ في وجوده وكيانه، أي خريطةً لها إمكانية تشغيل كامل طاقة مفاعل الإنسان الواقعية.

    والحال أشبه بمصنع ضخمٍ له عدة مولدات تشغيلٍ تحركه على عدة مراحل، ولكلِّ مرحلةٍ برنامجٌ خاصٌّ ويعمل بالتوالي إلى أن تصل طاقة تلك الدوائر إلى
    قلب المصنع، فإن حصل ودارت تلك الدائرة الأم، سيؤثر عملها ودورانها على جميع الدوائر الأخرى، فمن يسمع ضجيج المحركات الخارجية الأولية للتشغيل، ويرى بعض آثارها، لا يعني ذلك عمل المصنع بجميع طاقته، فالعبرة الحقيقية وما يمكن أن يوصف بالنجاح هو: تشغيل ذلك المصنع بكامل طاقته. وهو ما يحتاج إلى البرنامج المناسب لجميع مراحل التشغيل.

    وهذا هو الفرق الجوهري بين الأديان، في تأثيرها النفسي والروحي والعقلي على حركة الإنسان ورؤيته ومعرفته لنفسه ولله والكون والمجتمع.

    فبعض الأديان ومنظومتها العقائدية والتشريعية يمكن أن يكون لها بعض التأثير على بعض جوانب
    الإنسان الروحية والعقلية، سواءً في عمق هذه الجوانب أو نوعها، إلا أن العبرة الحقيقية تكمن في: تشغيل كامل طاقات الإنسان الساعية وباستمرارٍ لسبر أغوار طريق معرفته وتكامله، تشغيلها بشكلٍ شاملٍ ومتناسقٍ في ما بين تلك القوى أو مع الخارج، ووضعها على المسار الصحيح، ومن ثم السير بها برفقٍ ودرايةٍ تامةٍ إلى هدفها الأعلى، وهو تحقيق إرادة الله ومعرفته في نفسه والمجتمع.

    والدين الذي يقدم هذا البرنامج الشامل والعميق، هو ما يستحق أن يتبع حقيقة، وذلك احترامًا لأهمية طاقاتنا الحقيقية ومدى تأثيرها في مستوى رقينا وتحقيق إنسانيتنا، حيث وجد في هذا الدين أجوبةٌ لسلسلة التساؤلات وتحقيق مجموعة الرغبات الروحية والعقلية العميقة التي تفتقدها باقي
    الأديان.

    وقد تجلت هذه التساؤلات بوضوح بما عبرت عنه ابنة راسل تعبيرًا عن حالة أبيها قالت أن مكانًا ظل شاغراً في قلب والدها لم يستطع شيءٌ أن يملاه وأنه ظل طوال حياته دائم البث عن الإله بعد أن رفض إله المسيحية المجسدة.[53]

    إذًا المطلوب: تشغيل كامل طاقة الإنسان المودعة لمعرفة قطبَيْ ما يهمه معرفته، سواءً المعرفة الداخلية للإنسان أو الكون وفق برنامجٍ ورؤيةٍ تتناسب وحجم وطاقة تلك القوى.

    قال الله سبحانه في القران الكريم:

    [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ
    لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)].[54]

    الإيمان المجرد عن التشبيه معيارٌ للإيمان الأصيل:

    إن عقيدة التشبيه هي حقيقةً: عجزٌ عن إدراك معنى الربوبية، وقصورٌ عن كيفية التواصل مع الرب الكريم، والتشبيه يعتبر مرحلة وسيطةً بين الحالة البدائية لتجسيد الإله بوسائطَ ماديةٍ محسوسةٍ، كالشمس والقمر والأصنام وغيرها، وبين حالة التجريد التام عن كل المعاني والصور المحدودة والمخلوقة، وهي حالة تشبيه الإله بذواتٍ محدودةٍ، كالأب والابن، فاضطر قادة الأديان وفقًا لهذا القصور لتخيل معانٍ يتوهمونها عن ربهم، ولتبسيط تلك
    المعاني على أتباعهم، فوقعوا في محذور المحدودية.

    قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن أسماء الله عز ذكره واشتقاقها فقلت: « الله « مما هو مشتقٌ؟ قال: يا هشام « الله « مشتقٌ من إله، وآله يقتضي مألوها، والاسم غير المسمى فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئا، ومن عبد الاسم والمعنى فقد كفر وعبد اثنين، ومن عبد المعنى دون الاسم فذلك التوحيد.[55]

    تفرد الدين الاسلامي، قياسًا بما هو موجودٌ من الأديان اليوم، في تقديم معنًى مجردٍ عن كلِّ تشبيهٍ عن الله سبحانه، ومع ذلك تجد أتباعه من أشد
    المتعلقين والمؤمنين بإلههم وربهم المبدع العظيم.

    فيكون المعيار الحقيقي للإيمان الأصيل هو: الاتصال المجرد بإله الكون العظيم.

    وإن سمح لي القارئ الكريم أن أقدم له نبذةً من كلمات أئمة المسلمين من أهل البيت[56] عليهم السلام، ورؤيتهم عن التوحيد والإيمان، وهناك تراثٌ كبيرٌ لهؤلاء العظماء وللقارئ أن يقارن بين هذا التوصيف لله وما جاءت به الأديان الأخرى، فمن الممكن أن يفتح آفاقاً جديدة ورائعة أمام العقول والقلوب للمعرفة الحقة بالله والنفس الإنسانية.

    قال الإمام الرضا عليه السلام:

    الحمد لله فاطر الأشياء إنشاءً، ومبتدعها ابتداءً
    بقدرته وحكمته، ? لا من شيءٍ فيبطل الاختراع، ولا لعلّةٍ فلا يصحّ الابتداع، خلق ما شاء كيف شاء، متوحّداً بذلك لإظهار حكمته وحقيقة ربوبيّته، لا تضبطه العقول، ولا تبلغه الأوهام، ولا تُدركه الأبصار، ولا يُحيط به مقدارٌ، عجزت دونه العبارة، وكلّت دونه الأبصار، وضلّ فيه تصاريف الصفات، احتجب بغير حجاٍب محجوبٍ، واستتر بغير سترٍ مستورٍ، عُرف بغير رؤيةٍ، ووُصف بغير صورةٍ، ونُعت بغير جسمٍ؟ لا آله إلاّ هو الكبير المتعال.[57]

    ومن خطبةٍ للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:

    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ:

    اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي لاَ تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ، وَلاَ تَحْويهِ
    عَلى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ، وَبِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلى وُجُودِهِ، وَبِاشْتِبَاهِهِمْ عَلى أَنْ لاَ شَبيهَ لَهُ. اَلَّذي صَدَقَ في ميعَادِهِ، وَارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ، وَقَامَ بِالْقِسْطِ في خَلْقِهِ، وَعَدَلَ عَلَيْهِمْ في حُكْمِهِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ في قَسْمِهِ. لاَ آله إِلاَّ هُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي لاَ مِنْ شَيْ ءٍ كَانَ وُجُودُهُ في قِدَمِهِ، وَدَيْمُومِ أَزَلِهِ، وَلاَ مِنْ شَيْ ءٍ كَوَّنَ مَا قَدْ كَانَ، مِنْ إِحْدَاثِ فَطْرِهِ، وَاخْتِرَاعِ إِبْدَاعِهِ. دَلاَلَةً مِنْهُ عَلَيْهِ بِإِتْقَانِ صُنْعِهِ وَدَلاَئِلِ أَعْمَالِهِ، الصَّادِرَةِ إلى إِذْعَانِ الاِقْرَارِ بِهِ لَدى عَجْزِ أَرْجَائِهَا، وَتَأْليفِ أَجْزَائِهَا. اَلْمَوْضُوعَةِ عَلى جِبِلَّةِ الاِضْطِرَارِ إلى تَدْبيرِهِ، وَاكْتِنَافِ إِمْسَاكِهِ، وَسَوْمِ مَسيرِهِ، فيمَا قَرَّرَ مِنْ مَسَائِرِ الأَسْبَابِ في صُنْعِ الطِّبَاعِ الْمُتَغَايِرَةِ بِأَقْدَارِهِ. وَأَسْكَنَ مَعَادِنَ الأَجْنَاسِ مِنْ ذِلَّةٍ
    إلى حِيَاطَتِهِ وَإِسْفَاقِهِ فيمَا أَوْدَعَهَا مِنْ آثَارِ صُنْعِهِ، غَيْرَ مُسْتَغْنِيَةٍ عَنْ لُطْفِهِ وَإِقَامَتِهِ، إِحْوَاجاً مِنْهُ لِمَبَالِغِ الْعُقُولِ وَالأَوْهَامِ إلى الْعِبَرِ وَالْفِكَرِ وَالنَّظَرَ في مَلَكُوتِهِ، وَسَعَةِ سُلْطَانِهِ، وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَمَا عَلَيْهِ فيهِ مِنْ وُجُودِهِ في قِدَمِهِ. إِذْ كَانَ وَلاَ مَعَهُ وُجُودُ شَيْ ءٍ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ الَّتي بِهَا دَلَّ عَلى تَوْحيدِهِ، وَهَدى إلى مَعْرِفَتِهِ وَمَعْرِفَةِ غَيْرِهِ مِنَ الأَشْيَاءِ الرَّاجِعَةِ إلى صُنْعِهِ. وَلِذَلِكَ مِنْهُ مَعْرِفَتَانِ قَضَاهُمَا لِخَلْقِهِ: مِعْرِفَةُ اسْتِغْرَاقٍ وَإِحَاطَةٍ. وَمَعْرِفَةُ هِدَايَةٍ وَدَلاَلَةٍ. فَأَمَّا مَعْرِفَةُ الاِسْتِغْرَاقِ وَالإِحَاطَةِ فَغَيْرُ جَائِزَةٍ لَهُ، وَلاَ وَاقِعَةٌ عَلَيْهِ، لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنَ الأَزَلِ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْحَدَثِ. وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الدَّلاَلَةِ وَالْهِدَايَةِ إِلَيْهِ فَغَيْرُ مُدْرَكَةٍ إِلاَّ مِنْ طَريقِ مَا أَدْرَكَتْ صَرُورَاتُ الْعُقُولِ وَالأَوْهَامِ مِنْ شَوَاهِدِ الصُّنْعِ وَأَعْلاَمِ التَّدْبيرِ وَالآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ. إِذْ لاَ يُمِرُّ النَّاظِرُ الاِدْرَاكَ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ مِنَ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ وَإِدْرَاكِهَا، مِنْ سَمْعٍ وَمَسْمُوعٍ. وَبَصَرٍ وَمُبْصَرٍ. وَشَمٍّ وَمَشْمُومٍ. وَذَوْقٍ وَمَذُوقٍ. وَلَمْسٍ وَمَلْمُوسٍ. وَكُلُّ ذَلِكَ، مِمَّا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْعُقُولُ وَالأَوْهَامُ، أَجْسَامٌ مَنْسُوبَةٌ إلى التَّأْليفِ، وَأَعْرَاضٌ عَاجِزَةٌ عَنِ الْقِيَامِ بِذَوَاتِهَا. وَكُلُّ عَاجِزٍ فَمُضْطَرٌّ إلى مُعْجِزهِ، وَكُلُّ جِسْمٍ دَالٌّ عَلى مُؤَلِّفِهِ، في ضَرُورَةِ {حَاجَةِ} الأَعْرَاضِ إلى مُعْرِضِهَا، وَذَوَاتِ الأَجْسَامِ إلى مُؤَلِّفِهَا وَالْمُوجِدِ لِتَجْديدِهَا وَتَجْسيمِهَا. دَالَّةٌ عَلى حُدُوثِ فِطْرَتِهَا وَنَشَأَةِ صَنْعَتِهَا عَنْ إيجَادِ مَوْجُودٍ مُتَقَدِّمٍ فِي الأَزَلِ لَهَا. اَلَّذي أَعْدَمَهَا وُجُودَهُ وَجُودٌ مُبَايِنٌ لَهَا، خَارِجٌ مِنْ مُلاَمَسَتِهَا وَمُشَابَهَتِهَا، لإِحْدَاثِهِ إِيَّاهَا، وَتَقَدُّمِهِ لَهَا، وَاسْتِحْقَاقِ الأَزَلِ قَبْلَهَا. إِذْ هِيَ مَعْدُومَةٌ في ذَوَاتِهَا، غَيْرَ مُشَاهِدَةٍ لابْتِدَائِهَا، حَتَّى اضْطَرَّهَا الْحُدُوثُ إلى وُجُودِهَا بَعْدَ عَدَمِهَا. وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ نَشْأَتِهَا عَنْ غَيْرِ مُخْتَلَقٍ كَانَتْ قَبْلَ حُدُوثِهَا، وَظَهَرَتْ أَجْسَاماً مَحْدُودَةً، وَأَعْرَاضاً غَيْرَ مُسْتَغْنِيَةٍ عَنْ إِقَامَةِ الأَجْسَامِ إِيَّاهَا. تَدُلُّ بِحَالاَتِهَا الْخَمْسِ: مِنْ عَدَمِهَا، وَوُجُودِهَا، وَبَقَائِهَا، وَتَقَلُّبِهَا، وَفَنَائِهَا، ضَرُورَةً عَلى صَنْعَةِ وَاحِدٍ غَيْرِ مَنْسُوبٍ إلى عَدَدِهَا، وَلاَ مُشَاكِلٍ لَهَا في ذَوَاتِهَا. لاخْتِلاَفِ طُعُومِهَا وَأَلْوَانِهَا، دُونَ ثِقْلِهَا وَخِفَّتِهَا، وَتَصَرُّفِ نُقْصَانِهَا وَزِيَادَتِهَا، وَتَأْلِيفِ أَشْبَاحِهَا وَصُوَرِهَا، وَتَغَايُرِ ظُلَمِهَا وَأَنْوَارِهَا الْمُتَلاَقِيَةِ في أَقْطَارِ
    جَوِّهَا الْمُحيطِ بِهَا، وَحُدُودِ إِمْكَانِهَا الْمُكَيِّفِ لَهَا. فَجَلَّ مُوجِدُهَا عَنْ صِفَاتِهَا وَتَنَاهي غَايَاتِهَا، وَتَعَالى عُلُوّاً كَبيراً. لَمْ يَخْلُ مِنْهُ مَكَانٌ فَيُدْرَكَ بِأَيْنِيَّتِهِ، وَلاَ لَهُ شِبْهٌ وَلاَ مِثَالٌ فَيُوصَفَ بِكَيْفِيَّتِهِ، وَلَمْ يَغِبْ عَنْ عِلْمِهِ شَيْ ءٌ فَيُنْعَتَ بِحَيْثِيَّتِهِ. مُبَايِنٌ لِجَميعِ مَا أَحْدَثَ مِنَ الصِّفَاتِ، وَمُمْتَنِعٌ عَنِ الاِدْرَاكِ بِمَا ابْتَدَعَ مِنْ تَصْريفِ الذَّوَاتِ، وَخَارِجٌ بِالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ مِنْ جَميعِ تَصَرُّفِ الْحَالاَتِ. مُحَرَّمٌ عَلى بَوَارِعِ ثَاقِبَاتِ الْفِطَنِ تَحْديدُهُ، وَعَلى عَوَامِقِ نَاقِبَاتِ الْفِكْرِ تَكْييفُهُ، وَعَلى غَوَائِصِ سَابِحَاتِ الْفِطَرِ تَصْويرُهُ. لاَ تَحْويهِ الأَمَاكِنُ لِعَظَمَتِهِ، وَلاَ تَذْرَعُهُ الْمَقَاديرُ لِجَلاَلِهِ، وَلاَ تَقْطَعُهُ الْمَقَاييسُ لِكِبْرِيَائِهِ. مُمْتَنِعٌ عَنِ الأَوْهَامِ أَنْ تَكْتَنِهَهُ، وَعَنِ الأَفْهَامِ أَنْ تَسْتَغْرِقَهُ،

    وَعَنِ الأَذْهَانِ أَنْ تُمَثِّلَهُ. قَدْ يَئِسَتْ مِنِ اسْتِنْبَاطِ الاِحَاطَةِ بِهِ طَوَامِحُ الْعُقُولِ، وَنَضَبَتْ عَنِ الاِشَارَةِ إِلَيْهِ بِالاِكْتِنَاهِ بِحَارُ الْعُلُومِ، وَرَجَعَتْ بِالصِّغَرِ عَنِ السُّمُوِّ إلى وَصْفِ قُدْرَتِهِ لَطَائِفُ الْخُصُومِ. وَاحِدٌ لاَ بِعَدَدٍ، وَدَائِمٌ لاَ بِأَمَدٍ، وَقَائِمٌ لاَ بِعَمَدٍ. لَيْسَ بِجِنْسٍ فَتُعَادِلَهُ الأَجْنَاسُ، وَلاَ بِشَبَحٍ فَتُضَارِعَهُ الأَشْبَاحُ، وَلاَ كَالأَشْيَاءِ فَتَقَعَ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ. تَتَلَقَّاهُ الأَذْهَانُ لاَ بِمُشَاعَرَةٍ، وَ تَشْهَدُ لَهُ الْمَرَائي لاَ بِمُحَاضَرَةٍ. لَمْ تُحِطْ بِهِ الأَوْهَامُ، بَلْ تَجَلَّى لَهَا، وَ بِهَا امْتَنَعَ مِنْهَا، وَ إِلَيْهَا حَاكَمَهَا. لَيْسَ بِذي كِبَرٍ امْتَدَّتْ بِهِ النِّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسيماً، وَلاَ بِذي عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ الْغَايَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسيداً، بَلْ كَبُرَ شَأْناً، وَعَظُمَ سُلْطَاناً. قَدْ ضَلَّتِ الْعُقُولُ في أَمْوَاجِ تَيَّارِ إِدْرَاكِهِ، وَتَحَيَّرَتِ الأَوْهَامُ عَنْ إِحَاطَةِ ذِكْرِ أَزَلِيَّتِهِ، وَحَصِرَتِ الأَفْهَامُ عَنِ اسْتِشْعَارِ وَصْفِ قُدْرَتِهِ، وَغَرِقَتِ الأَذْهَانُ في لُجَجِ أَفْلاَكِ مَلَكُوتِهِ. مُقْتَدِرٌ بِالآلاَءِ، وَمُمْتَنِعٌ بِالْكِبْرِيَاءِ، وَمُتَمَلِّكٌ عَلَى الأَشْيَاءِ، فَلاَ دَهْرَ يَخْلِقُهُ، وَلاَ وَصْفَ يُحيطُ بِهِ. قَدْ خَضَعَتْ لَهُ رَوَاتِبُ الصِّعَابِ في مَحَلِّ تُخُومِ قَرَارِهَا، وَأَذْعَنَتْ لَهُ رَوَاصِنُ الأَسْبَابِ في مُنْتَهى شَوَاهِقِ أَقْطَارِهَا. مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الأَشْيَاءِ عَلى أَزَلِيَّتِهِ، وَبِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلى قُدْرَتِهِ، وَبِمَا اضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلى دَوَامِهِ. فَلَيْسَ لَهَا مَحيصٌ عَنْ إِدْرَاكِهِ إِيَّاهَا، وَلاَ خُرُوجٌ عَنْ إِحَاطَتِهِ بِهَا، وَلاَ احْتِجَابٌ عَنْ إِحْصَائِهِ لَهَا، وَلاَ امْتِنَاعٌ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا. كَفى بِإِتْقَانِ الصُّنْعِ لَهَا آيَةً، وَبِمُرَكَّبِ الطَّبْعِ عَلَيْهَا دَلاَلَةً، وَبِحُدُوثِ الْفَطْرِ عَلَيْهَا
    قِدْمَةً، وَبِإِحْكَامِ الصَّنْعَةِ لَهَا عِبْرَةً. فَلَيْسَ إِلَيْهِ حَدٌّ مَنْسُوبٌ، وَلاَ لَهُ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ، وَلاَ شَيْ ءَ عَنْهُ مَحْجُوبٌ. تَعَالَى اللَّهُ عَنِ الأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ، وَالصِّفَاتِ الْمَخْلُوقَةِ عُلُوّاً كَبيراً. أَلاَ وَإِنَّ في هِدَايَةِ مَا اضْطَرَّتْ إِلَيْهِ الْعُقُولُ وَالأَوْهَامُ مِنْ تَحْقيقِ وُجُودِهِ، وَإِخْلاَصِ تَوْحيدِهِ، وَنَفْي شَبَهِهِ، دَلاَلَةً عَلى مَنَارِ عَدْلِهِ، وَتَأْييدِ فَطْرِهِ، وَعُمُومِ رَأْفَتِهِ، لاكْتِفَائِهِ بِنَفْسِهِ، وَاسْتِغْنَائِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَعَدَمِ الْمُنَازِعِ لَهُ في دَيْمُومِيَّتِهِ وَقِدَمِهِ. فَسُبْحَانَ الْمُتَطَوِّلِ بِنَعْمَائِهِ، الْمُتَفَضِّلِ بِآلاَئِهِ عَلى بَرِيَّتِهِ. وَتَبَارَكَ الْعَادِلُ في حُكْمِهِ، الْحَكيمُ في قَضَائِهِ، اللَّطيفُ بِعِبَادِهِ فيمَا أَمَرَهُمْ مِنْ طَاعَتِهِ، وَهَدَاهُمْ بِهِ مِنْ دينِهِ، وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الاِقْرَارِ بِهِ وَالاِذْعَانِ لِرُبُوبِيَّتِهِ، عَلى غَيْرِ إِكْرَاهٍ عَلى طَاعَتِهِ، وَلاَ قَسْرٍ مِنْهُ عَلى مَعْصِيَتِهِ بَعْدَ إِعْذَارِهِ
    وَإِنْذَارِهِ، لِلْخُرُوجِ مِنْ تَنَاقُضِ الأُمُورِ، وَالْبَدَاءَاتِ الَّتي لاَ تَليقُ بِهِ في كِبْرِيَائِهِ وَامْتِنَاعِ سُلْطَانِهِ. لأَنَّ الْبَدَاءَاتِ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقينَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ اخْتِيَارُ خَلْقِهِ عَمَّا عَنْهُ نَهى مِنْ عِصْيَانِهِ، وَهَدْمِ اُمُورِهِ بَعْدَ ابْتِدَائِهِ بَطَوْلِهِ، وَالدَّعْوَةِ إلى مَعْرِفَتِهِ وَطَاعَتِهِ؟. أَمْ كَيْفَ يُمْكِنُ في عَدْلِهِ وَجُودِهِ إِيجَابُ عَذَابِ الْمَقْسُورينَ مِنْ عِبَادِهِ عَلى جَحْدِهِ وَالْكُفْرِ بِهِ بَعْدَ الَّذي تَقَدَّمَ لَهُ إِلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَتَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ فيهِ مِنْ إِشْفَاقِهِ وَحِيَاطَتِهِ، مَعَ سُبُوغِ النِّعْمَةِ، وَصِحَّةِ الآلَةِ، وَسَلاَمَةِ الْجَارِحَةِ، وَمُهْلَةِ الأَجَلِ، وَمَضْمُونِ الْهِدَايَةِ، وَتَرَكُّبِ الاِسْتِطَاعَةِ، وَقُوَّةِ الأَدَوَاتِ بِالْحُجَجِ الْمُبَيِّنَةِ، وَالْكُتُبِ الْمُنيرَةِ، وَالرُّسُلِ الدَّاعِيَةِ، وَالآيَاتِ الزَّاجِرَةِ.[58]

    تلخيص:
    يعتبر الأب مثالاً لوظيفة ودور الإله في الإيجاد والرعاية، في نظر الطفل.

    - إن انقطاع علاقة الابن بأبيه، لأيِّ سببٍ كان، له تأثيرٌ على نفسية وتصور الطفل، كون الأب في هذه المرحلة يمثل ويجسد وظيفة الله في الإيجاد والإبقاء.

    - بعض الناس لديهم استعدادٌ للتواصل المبكر مع الله، ولا يؤثر عليهم انقطاع علاقتهم بآبائهم.

    هناك عدّةُ مفاهيمَ يتمّ مزجها لا شعوريًّا تؤثّر بتسلسلها على عقلية ووجدان المسيحي وتهيِّئ لإلحاده:
    - المفهوم الأول: هو وعيه المحدود ورؤيته عن الأب البيولوجي باعتباره سببًا لوجوده وبقائه.

    - والمفهوم الثاني: هو ما لُقِّن به من مفهوم أبوّة الإله، وهو يدرك معنى الأبوة المحدود حسب قصوره.

    - المفهوم الثالث: إن للإله ابْنَ، وهو يدرك كذلك معنى البنوّة المحدود.

    - وذلك من جهة معرفته بنفسه باعتباره ابنًا.

    - ومن خلال حكاية الكتاب المقدس عن طبيعة عيسى عليه السلام وطبيعة حياته كإنسان من بعد أن كان طفلاً يشبهه.
    - كما أن للعقيدة القاصرة عن إعطاء البرنامج والتصميم المناسب لحاجات وتساؤلات الإنسان الملحة ستولّد حالةً من اليأس والنفور لدى أبنائها.

    - ومع امتزاج هذه المفاهيم لدى الطفل، وتغلغلها بوجدانه العميق، فإنه مع فقْد ما يدركه منها سينكر وجدانه ما لا يدركه.

    - بالإضافة إلى أن موقع وثقل أبناء الديانة المسيحية وتأثيرهم على كثيرٍ من شعوب العالم، تسبب في انتشار الإلحاد.

    النتيجة:

    من خلال ترابط وتسلسل هذه المفاهيم في وجدان الطفل المسيحي وذهنه، وامتزاجها معًا، وعند تعرّض حلقة الوصل –الأب– للقطع وهي القريبة إلى وجدانه وتجربته وهي الرابط بالسلسلة التي تنتهي إلى العلاقة والمعرفة والارتباط بالإله.

    إنّ عقدة الوصل تحديدًا بين المسيحية وإلحاد فاقد الأب هي: اتحاد مفهوم الإله الذي وصف بالأب، ومفهوم الأبوة الحقيقية واعتبارها سببًا للوجود والبقاء، وبعد حالة الامتزاج والاتحاد بين المعنَيَيْن تلك وعند فقدانه حقيقةً لما يفهمه ويدركه منهما، سيفقدهما معًا.

    إنّ زوال عقدة الربط هذه، ستترك فجوةً وهوةً عميقةً جدًّا وستنهار جميع تصورات الطفل وعلائقه
    الوجدانية والنفسية التي بناها وأسّسها بظل علاقته بأبيه وتترك أثرًا وفراغًا عميقًا في وجدانه تجاه سبب وجوده الحق، من الصعب جدّاً تعويضه بأيِّ معنًى آخرَ.

    إنّ قوة وتزايد الضغط النفسي والغريزي، الناشئ من طبيعة الحياة العصرية خصوصا للغرب، بالإضافة إلى التفكك الأسري الملاحظ وابتعاد الشباب عن آبائهم وأمهاتهم، واستغنائهم عنهم، يجعلهم يندرجون أيضاً تحت طائلة قائمة فاقدي الأب، وبالتالي لا مفر من رضوخهم لنتيجتها الحتمية ووقوفهم بطابور إخوانهم الملحدين المستقبليين المحتملين، وذلك لزيادة الهوة بينهم وبين إلههم، الموصوف بالأب، لفقد آبائهم الفعليين.
    وسواءً أكان السبب هو نقص الشعور بالأمان أم كان فقد سلطة الأب أو فقد مثال الوجود والبقاء، فان كل تلك العوامل عند امتزاجها واتحادها مع معنى الإله الموصوف بالأب مع الأب المتجسد أمامه وعند تغلغل هذا الاتحاد بين المعنيَيْن في وجدان الطفل وعند فقد الحلقة الأقرب إليه –الأب– سوف يفقد علاقته بالإله وتكون قوة الشعور بالفقد بمستوى قوة امتزاج المعنيين لديه، ويبقى كل عاملٍ من العوامل السابقة له قوة تأثيرٍ خاصةٍ به إلا أن أعمق سبب وأقدم فهم يمكن تصوره هو ارتباطه بسبب وجوده وبقائه.
    وكل هذه العوامل مجتمعةً أو متفرقةً بالإضافة إلى عواملَ أخرى، نفسيةٍ أو إيدلوجيةٍ أو سياسيةٍ أو اقتصاديةٍ زادت وجذّرت ونشرت الإلحاد بين أبناء الديانة المسيحية أولاً وفي العالم ككلّ. ولعل هناك من الملحدين من لم يقتنع بالسبب النفسي لإلحاده حتى في سره، لعلمه بنفسه أن قناعاتٍ خاصةً قد حصلت له بالمسلك الإلحادي، نقول له: نعم لقد اطلعتَ على أفكار بعض الملحدين وقد ناسبتْ ذوقَك ولكنّ هذه الأفكار قد وجدتك مهيئًا نفسيًّا لتقبلّها، ومن جملة الاستعدادات النفسية لكونك ممّن ينطبق عليهم إسم أصحاب فاقدي الأب لأيّ سببٍ كان، هي انقطاعك الوجداني بالسبب الغيبي للوجود بسبب فقد هذه العلاقة، وبالتالي انقطاع جميع مقومات
    التفكير والتفكر والتعلق بهذا الاتجاه، فانصرفت تمامًا، للبحث عن أسبابٍ حسيةٍ أو غيرها. وبقي الجانب الثاني الذي انصرفت عنه يملأه الحيرة والقلق وهناك طيفٌ واسعٌ بداخل كل الملحدين وما يرتبط منه بالوجدان والضمير والأخلاق وكل ما يتعلق منه بالتفكير الداخلي العميق يبقى فارغًا خاويًا وهو أشبه بحالة الظلمة الداخلية في قلب كلِّ ملحدٍ.

    ---------------------------------

    [1] نفسية الإلحاد النفسي، ص25.

    [2] نفسية الإلحاد، التصدير، ص 8.
    .

    [3] بول سي فيتز (مواليد 1935) هو برفسورٌ فخريٌّ في علم النفس بجامعة نيويورك، يركز عمله على العلاقة بين علم النفس والمسيحية، وهو يدرس حاليًّا في معهد العلوم النفسية في أرلينغتون بولاية فرجينيا. مؤلفاته: علم النفس والدين، عبادة العبادة الذاتية، الفن الحديث والعلوم الحديثة، التحليل الموازي للرؤية، الرقابة: دليل على التحيز في كتب أطفالنا، سيغموند فرويد مسيحي فاقد الوعي، الدفاع عن الأسرة، الإيمان باليتيم. بالإضافة إلى هذا الكتاب الذي نحن بصدد دراسته (نفسية الإلحاد). هذه نبذةٌ مختصرةٌ من سيرة حياة هذا العالم. وقد اعتمدنا كتاب الطبعة الثانية، لسنة 2013 ترجمة ونشر مركز دلائل.

    [4] الإلحاد مشكلةٌ نفسيةٌ، د: عمرو شريف، ص 161.

    [5] نفسية الإلحاد، الدكتور فيتز، ص40.

    [6] نفسية الإلحاد، ص58.

    [7] نفسية الإلحاد، ص250.

    [8] نفسية الإلحاد، ص 39 – 40.
    40.

    [9] نفسية الإلحاد، ص47.

    [10] الإلحاد مشكلةٌ نفسيةٌ، د، عمرو شريف، ص15. ويعد هذا الكتاب من الكتب القيمة في طرح وعرض مشكلة الإلحاد النفسي، وخصوصاً في تناوله لنظرية الدكتور فيتز في كتابه نفسية الإلحاد.

    [11] الإلحاد مشكلةٌ نفسيةٌ، 153.

    [12] الدرّة الفاخرة في الأمثال السائرة: 1|59 60. حمزة بن الحسن الاصبهاني (المتوفّى عام 351هـ).

    [13] سورة المائدة.
    .

    [15] سورة الحشر.

    [16] سورة ال عمران.

    [17] سورة النور.

    [18] انجيل متى، الاصحاح الثالث عشر.

    [19] سورة الزمر.

    [20] تفسير الأمثل، ج3 ص227.

    [21] هناك فرقٌ كبيرٌ بين الصفات التي يريدنا الله سبحانه أن نتصف بها، ووظائفنا كمخلوقاتٍ كرمها الله وجعلها واعيةً مدركةً ما حولها من إبداعٍ
    وإعجازٍ، لنتعرف على عظيم صنعه وجميل إبداعه، وهو ما قصدناه في مسالة (الأب مثالٌ عن الله في الإيجاد والإبقاء في نظر الطفل) وبين أن نبتكر من عند أنفسنا أسماء له وصفاتٍ توجب توهين العقل عن حقيقة وطبيعة الاتصال به ومعرفته.

    [22] نفسية الإلحاد، ص46.

    [23] ومن الفوائد المهمة جدّاً للتدرج في الفهم والتعقل هو: هناك سببٌ جوهريٌ بيّنه الإمام جعفر الصادق  في كتابٌ توحيد المفضل بن عمر، ص 8 جاء فيه: لو كان – الطفل– يولد تامّ العقل مستقلّاً بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد وما قدر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة وما يوجب التربية للآباء على الأبناء من المكافأة بالبر والعطف عليهم عند حاجتهم إلى ذلك منهم ثم كان الأولاد لا يألفون آباءهم ولا يألف الآباء أبناءهم لأن الأولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم فيتفرقون عنهم حين يولدون فلا يعرف الرجل أباه وأمه ولا يمتنع من نكاح أمه وأخته وذوات المحارم منه إذا كان لا يعرفهن وأقل ما في ذلك من القباحة بل هو أشنع وأعظم وأفظع وأقبح وأبشع لو خرج المولود من بطن أمه وهو يعقل أن يرى منها ما لا يحل له ولا يحسن به أن يراه أفلا ترى كيف أقيم كل شيءٍ من الخلقة على غاية الصواب وخلا من الخطإ دقيقهُ وجليلهُ.
    وجليلهُ.

    [24] المصدر السابق، ص44.

    [25] نفسية الإلحاد، ص46.

    [26] سورة لقمان.

    [27] الوسائل: ج15 ص123 ح4.

    [28] المستدرك: ج2 ب63 ص625 626 ح4.

    [29] الإمام زين العابدين عليه السلام، رسالة الحقوق.

    [30] حسب دراسة الدكتور فيتز وغيرها.

    [31] نفسية الإلحاد، الدكتور فيتز، ص 65، 66.

    [32] نفس المصدر، ص70.
    .

    [33] المصدر السابق، ص71.

    [34] المصدر السابق، ص 77.

    [35] المصدر السابق، 97– 98.

    [36] نفسية الإلحاد، ص 98-99.

    [37] المصدر نفسه، ص101.

    [38] باستثناء اليهود طبعا والذين يشتركون مع المسيحية بالصورة العقائدية نفسها من تصوير الإله بالأب لاعتقادهم أن عزيراً ابن الله سبحانه قال عز اسمه: [وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا آله إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)] {سورة التوبة}. اذاً هم يتحملون ذات النتائج المترتبة وهم مشمولون بهذا الكلام أكيداً، كما في حالة سيغمونر فرويد المعروف فهو يهوديُّ الأصل، إلا أن ضعف تأثيرهم وانغلاقهم الديني النسبي هو ما دعانا لتجنب شمولهم بشكلٍ تفصيليٍّ بهذا البحث.

    [39] نفسية الإلحاد،

    [40] نفسية الإلحاد، الدكتور فيتز، ص 241.
    .

    [41] سورة الاخلاص.

    [42] تفسير نورالثقلين، ج4، ص217.

    [43] نهج البلاغة، الخطبة الاولى.

    [44] وهناك مؤشِّرٌ يمكن أن يعزز هذه الفكرة وهو: لو قارنّا بين المسيحي الذي يبتعد عن دينه لسببٍ ما وبين المسلم المماثل له في الابتعاد، نجد أن المسيحي من السهل جدّاً ركوبه موجة الإلحاد وربما قناعته به، بخلاف المسلم فإنه قلما تجد من المسلمين مَن يذهبون إلى هذا المسلك، فهم وإن كانوا ينحرفون عن تعاليم دينهم وهم موجودون وبكثرة وللأسف الشديد، إلا أنهم يُبقون على خط
    تواصلٍ متفاوتٍ في الشدة والضعف بيهم وبين إلههم، وأصول دينهم، ومن أهم أسباب بقاء هذا العلقة، هو تناسب الهيكلية العقدية للدين الإسلامي مع تركيبة الإنسان الداخلية الوجدانية، وبفضل هذا التناسب تغلغلت هذه العقيدة في أعماق وجدانهم ما منعهم من الابتعاد عن أصول دينهم وعلاقتهم به رغم كل المخالفات، إلا أصحاب التجارب الدينية القاسية، خصوصا الذين يعيشون في بلاد تطبق الدين بشكل تعسفي ومنفّر جدّاً، فحين تحصل الفرصة لهؤلاء والظروف المناسبة فهم يلجأون للإلحاد بل ويعلنون ذلك.

    [45] سورة مريم

    مرين

    [46] سورة الأنبياء.

    [47] سورة الزمر.

    [48] : سورة البقرة.

    [49] سورة يونس.

    [50] سورة الإسراء.

    [51] نفسية الإلحاد، الدكتور فيتز، ص37.

    [52] ومن المفارقات السخيفة مع كل تلك الجهود المبذولة على استقصاء أسراره واعترافهم بعجزهم رغم محاولاتهم تلك، هناك من يدعي أن هذا الكيان
    المعجز وُجد صدفة بسبب بعض التفاعلات الطبيعية.

    [53] الإلحاد مشكلةٌ نفسيةٌ، ص163.

    [54] سورة فصلت.

    [55] بحار الأنوار، ج4، ص157.

    [56] يستطيع المسلمون وبكل فخرٍ تقديم هؤلاء الأشخاص كنموذجٍ فريدٍ من نوعه أنتجتهم التجربة الإسلامية والبشرية، من غير اتصالٍ مباشرٍ بالوحي، ويستطيع المتابع الاطلاع على سيرتهم ونِتاجهم وتراثهم التي وردت على شكل خطبٍ، أو أدعيةٍ أو مناجياتٍ أو زياراتٍ، أو مواعظ، أو كلماتٍ قصارٍ، أو المعارف، كتاب نهج البلاغة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالبٍ  و كتاب الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام، و كتاب مفاتيح الجنان وهو مليءٌ بالمعارف القيمة وغيرها من الكتب الكثيرة، كأصول الكافي والبحار. وقد اقتصرنا على مقطعين منها، وهناك مئات النصوص الأخرى إن لم تكن آلافاً تحتوي على هذا النمط من المعرفة، والتي تصف الله والانسان وكيفية ومدى ارتباطه بالله. نعرض النص وللقارئ الكريم المقارنة مع النصوص الدينية المتوفرة بجميع خزانات الأديان والمذاهب الدينية والفكرية، ونطرحه باعتباره نصّاً علميّاً ومعرفيّاً.

    [57] كتاب الكافي: ج1 – ص 105.
    .

    [58] نهج البلاغة، خطبة يحمد الله فيها ويُثني على رسوله ويصَف خلقا من الحيوان.
    *بحث بقلم ابو خالد السماوي
    https://www.iicss.iq/?id=40&sid=248











    ​​دراسة الدكتور بول فيتز
    https://ar.islamway.net/book/30186/%...AD%D8%A7%D8%AF
    التعديل الأخير تم بواسطة ابن قبة; الساعة 12-14-2019, 09:30 PM.
يعمل...
X