إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

هل اتى الكون من لا شىء

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • هل اتى الكون من لا شىء


    SEP
    27 هل أتى الكون من لاشيئ؟

    ينص أحد أكثر مبادئ الفيزياء أناقة وشهرة على التالي: " الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم" أو بكلمات أخرى "لا يمكنك خلق شيئ من لا شيئ". إذا كان هذا القانون صحيح وساري على الطبيعة سيظهر سؤال مزعج جدا لعلماء الفيزياء وهو؛ كيف أتى الكون إذا؟ الكون شيئ كبير، بل شيئ كبير جدا، ويحتوي على مقدار خيالي من الطاقة والمادة والمجرات والنجوم والغازات، فكيف نفهم إنبثاقه في إطار قوانين الفيزياء؟

    اذا أردنا أن نفهم عملية إنبثاق الكون في إطار قوانين الفيزياء، تحديدا من قانون حفظ الطاقة، فسيقودنا هذا الى فكرة غريبة جدا، وهي: يجب أن يمتلك الكون طاقة مساوية للطاقة التي أتى منها مهما كانت قيمتها! أي أنه إذا أتى من لاشيئ (طاقة صفر) فيجب أن يكون مجموع الطاقة الحالية للكون كله تساوي صفر!! لكن هذا جنون! الكون ممتلئ تماما بالمادة والطاقة: الأرض، الشمس، مجرة درب التبانة، ومئات البلايين من المجرات التي تشكل الكون المرئي. كيف يكون مجموع كل ذلك مساويا للصفر؟!

    الحل يأتي من خاصية استثنائية لما يسمى "جهد الجاذبية" Gravitational potential. حسب قانون نيوتن للجاذبية كل جسم في الكون يتعرض لقوة شد من جسم آخر. القمر يتعرض لقوة شد من الأرض والعكس صحيح. لكنه أيضا يتعرض لقوة شد من الشمس، والآن، أيضا يتعرض لقوة شد من عطارد والزهرة وحتى بلوتو، لكن قوة الشد تلك صغيرة جدا جدا لدرجة أنه من السخف أن نأخذها بالإعتبار اذا أردنا إطلاق صاروخ من الأرض. لكن من حيث المبدأ أستطيع القول " أنا أشد جسمك حاليا وجسمك يشدني"! كل الأجسام في الكون تشد بعضها البعض. لكن لماذا هذا الشد؟ هل هناك شيئ ما يحيط بالأرض بحيث أنه كلما اقترب جسم ما من ذاك الشيئ، فإنه يتعرض لقوة شد؟ الجواب: نعم. هذا الشيئ يسمى "مجال الجاذبية" الموضح بالخطوط في الشكل أدناه. لقد اكتشف نيوتن قانون الجاذبية لكنه ظل يردد دائما بأنه لا يعرف سبب الجذب. كانت المسألة بالنسبة له مجرد "تأثير عن بعد". لكن في عام ١٩١٥ عدل آينشتين جاذبية نيوتن، وأوضح أن هناك مجال يحيط بكل جسم في الكون وهو مجال الجاذبية. هذا المجال سيكون موجود طالما أن هناك كتلة. أي أنه حتى أنت تخلق هذا المجال حولك، لكن ولأن أجسامنا لا تقارن بأحجام الكواكب والمجرات في الكون، فإنه من مضيعة الوقت أن نحسب مجال جذبي يصنعه جسم شخص سمين محب لهارديز!



    مجال الجاذبية للأرض

    في الفيزياء هناك أنواع محتلفة للطاقة؛ طاقة حركية، حرارية، كيميائية، نووية،..الخ. هناك طاقة مهمة جدا لكنها لا تظهر أمام أعيننا بشكل مباشر. دائما ما نخاف أن ننام وفوق رؤوسنا شيئ معلق، ما الخوف من هذا الشيئ المعلق؟ الخوف هو أن يسقط علينا. لكن السقوط يعني حركة والحركة طاقة، إذن هذا الشيئ المعلق يمتلك طاقة ولكنها كامنه (غير مرئية) قد تتحول بأي لحظة إلى طاقة حركة. هذه الطاقة في الفيزياء تسمى الجهد Potential. وهي طاقة كامنه تعتمد على ارتفاع الشيئ. كلما صعدت في منزلك من طابق الى أعلى تزداد قوة الطاقة الكامنه فيه، حتى تبلغ سطح المنزل لتصبح لديك أعلى طاقة كامنه.

    الطاقة الكامنه تبدوا وكأنها تخالف قانون حفظ الطاقة! أنت تقف بالسطح الآن ولديك طاقة كامنه عالية جدا، لكنها لا تظهر للعين. أين تخزن تلك الطاقة يا ترى؟ يجب أن يتم تخزينها في مكان معين حتى لا ننتهك مبدأ حفظ الطاقة. الجواب هو أن طاقتك الكامنه تتخزن في خطوط مجال الجاذبية الذي تراه في الصورة أعلاه! نعم، كلما صعدت للأعلى فإنك تخزن طاقة في المجال الجاذبي الذي يحيط بالأرض. باستخدام تكنيك رياضي نشر لأول مرة بواسطة الخباز وعالم الرياضيات البريطاني الشهير جورج غرين، يمكننا البرهنة، رياضيا، على أن الطاقة المبذولة لرفع الأشياء للأعلى يتم تخزينها في مجال الجاذبية للأرض. وهذه الطاقة هي طاقة حقيقية يجب أن تضاف الى القانون الشهير "الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم".

    الآن نعود للسؤال الأساسي في هذه المقالة؛ كيف يمكن أن يأتي الكون من لاشيئ، وهناك قانون ينص على أن الطاقة لا يمكن أن تأتي من لاشيئ؟ الجواب هو أن الطاقة التي يتم تخزينها في المجال الجاذبي للأرض نتيجة رفع الأشياء توصف برقم سالب!! في الحقيقة الطاقة التي يتم تخزينها في المجال الجاذبي قيمتها أقل من الصفر! اذا صحت هذه الفكرة، فإن اللاشيئ أو الصفر يمكن الحصول عليه من خلال جمع رقم موجب مع سالب. مثل 9 زائد 9- يساوي صفر "لاشيئ". وهنا نصل الى نتيجة مجنونه: "مجموع الطاقة في الكون كله تساوي صفر!!"

    كل الأشياء في الكون، الأرض، الشمس، النجوم، المجرات، أنا و أنت نمتلك طاقة موجبة، لكن جميعنا نمتلك أيضا مجال جاذبي يتم تخزين الطاقة الكامنه فيه على شكل رقم سالب. لذلك المجموع الكلي سيكون صفر, يمكن التعبير عن ذلك كالتالي:

    طاقة موجبة (طاقة ومادة) + طاقة سالبة (مجال جاذبي) = صفر

    قد تقول؛ هذا صحيح ولكن هناك عدد لانهائي من المادة والطاقة في الكون؟ وأنا سأقول لك، بأن المادة والطاقة اللانهائية يقابلها، بالتعريف، مجال جاذبي لانهائي. وبالتالي الحكم النهائي لمجموع الطاقة في الكون يساوي صفر دائما!

    اذا كان المجموع الكلي للطاقة في الكون يساوي صفر، فهذا يعني أنه أتي من صفر أو من لاشيئ! لا شيئ يقابله لا شيئ الآن. لكن كيف انبثق الكون من لاشيئ على شكل (الانفجار العظيم) قبل ١٣.٨ مليار عام إلى لا شيئ بشكله الحالي (مادة وطاقة + مجال جاذبي)؟! الجواب هو ما يسمى بالرغوة أو التقلبات الكمومية. وقد كتبت فيها مقالة منفصلة تحت عنوان (الرغوة الكمومية) يمكنك قرائتها وربطها بهذه المقالة.

    في الحقيقة هذه الفكرة جذابة جدا لعلماء الفيزياء والكون، لكن لا يعني أنها صحيحة بنسبة 100٪. هي محاولة جميلة وجريئة لفهم تطور وانبثاق الكون في إطار قوانين الفيزياء فقط دون الاستعانه بأي قوى خارجية. لا يوجد نظرية فيزيائية مكتملة التفاصيل حول ذلك. لكن المجال مفتوح، وبالسنوات القادمة قد نفهم تتطور الكون من لاشيئ الى شكله الحالي، عندها فقط نستطيع القول وبكل ثقة أن (الكون وجبة مجانية)!
يعمل...
X