إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

برهان الوجوب و الامكان

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • برهان الوجوب و الامكان

    بسمه تعالى

    برهان الوجوب و الامكان

    بقلم: الدكتور السيد خليل الطباطبائي

    هذا البرهان في اثبات وجود الله سبحانه وتعالى ينسب للفيلسوف المسلم المعروف "ابن سينا" و له شواهد في القرآن الكريم سنذكرها لاحقا.
    و يعتمد هذا البرهان على تقسيم الأشياء الموجودة في الكون أو التي يمكن للعقل أن يتصورها و يتعقلها الى ثلاثة أقسام.
    1- واجب الوجود
    2- ممكن الوجود
    3- ممتنع الوجود

    1- واجب الوجود
    و تعني ذلك الموجود الذي يكون وجوده ضروريا دائما و أبدا ، فلا يخلو من وجوده زمان أو مكان ، و لأن وجوده واجبا فهو موجود باستمرار و لا يمكن تصور عدمه ، لأن العدم صفة طارئة عليه و لا يمكن أن يلغى وجوده ، لما فرضنا من أن وجوده واجبا حسب التعريف . و لا يوجد شيئ في الكون "واجب الوجود" سوى الله سبحانه و تعالى ، لأنه موجود منذ الأزل ، و لم يسبق وجوده العدم فيقال ما العلة في وجوده ، و لم يخل منه زمان فيقال متى وجد ، لأنه كان و لا يزال موجودا قبل خلق الزمان و المكان . وهو الذي خلق الزمان و المكان فلا بد أن يكون موجودا قبلهما .

    2- ممكن الوجود
    و يشمل هذا كل الموجودات في الكون من سماء و أرض و بحار و أشجار وملائكة و جن و أنس و حيوانات و غيرها . و تسمى " ممكنة الوجود" لأن وجودها ممكن بمعنى أنه ليس مستحيلا ، كما أن عدمها ممكن ، لأن وجودها ليس واجبا . فهي في حالة وسط بين الوجود و العدم . فان وجد سبب لخلقها و ايجادها وجدت. و ان لم يوجد سبب لخلقها أو بقائها ظلت في العدم .
    و الدليل على أن الموجودات (سوى الله سبحانه و تعالى) كلها "ممكنة الوجود" لأنها لم تكن موجودة في يوم من الأيام ثم وجدت بعد أن خلقها الله سبحانه و تعالى و أفاض عليها نعمة الوجود. فلو كانت واجبة الوجود لكانت أزلية سرمدية و نعلم بالبداهة أنها ليست كذلك . فالانسان و الحيوان و النبات لهم عمر محدود . و للمجموعة الشمسية عمر معين . و لخلق الكون زمن معين يقدره العلماء بحوالي 14 مليار سنة . اذن قبل ذلك لم يكن الكون موجودا . و هذا يعني أن وجوده ليس واجبا ، بل ممكنا ، و لذلك أمكن ايجاده و اخراجه من حالة العدم الى حالة الوجود.

    3- ممتنع الوجود
    و هي الأمور التي يمكن أن يتعقلها العقل و لكن يستحيل وجودها في الخارج مثل جمع النقيضين أو اجتماع المثلين في زمان و مكان واحد و بالشروط الأخرى لذلك. و هذه الأمور لا يمكنها أن تنعم بنعمة الوجود ، لأن وجودها ممتنع أي مستحيل و غير ممكن .
    و من هنا يتبين أن الموجودات في الواقع هي على قسمين اما واجبة الوجود أو ممكنة الوجود ، و القسم الثالث ليس من أقسام الوجود بل من الأمور المعقولة بالعقل و يستحيل وجودها في الخارج .

    الممكنات بحاجة الى علة لوجودها
    عرفنا أن الكون بكل ما فيه من موجودات هو من نوع " ممكن الوجود" و يحتاج الى علة و سبب يفيض عليه الوجود لكي يوجد . و السؤال هنا هل أن العلة لوجود الكون هي ا "ممكنة الوجود" أيضا ؟ فان كانت كذلك فانها ستحتاج بدورها الى علة أخرى تخرجها من العدم الى الوجود .
    ونتسلسل هكذا الى أن نصل الى "العلة الاولى" لكل المخلوقات و التي يجب أن تكون "واجبة الوجود" و لا تحتاج في وجودها الى علة ، لأن علة وجودها نفسها حسب التعريف السابق .
    و لو تسلسلت العلل و المعلولات الممكنة الوجود الى ما لا نهاية فسوف يؤدي ذلك الى "التسلسل" الباطل فلسفيا ، و هو ما لا يمكن . أو يؤدي الى "الدور" و هو باطل أيضا.
    فلا خيار لنا في هذه الحالة سوى الاقرار بأن المخلوقات الممكنة لها علل مختلفة تؤدي بالنهاية الى "علة واجبة".
    و لكي تتوضح الفكرة لنفكر في وجودنا نحن ، فأنا من نوع " ممكن الوجود" و لذلك وجدنا قبل خمسين سنة مثلا . و السبب في وجودنا هو آباءنا . و لما كان آباءنا أيضا من نوع "ممكن الوجود" فان وجودهم كان بسبب آباءهم و هكذا نستمر في سلسلة العلل و المعلولات حتى نصل الى آدم (عليه السلام) و الذي خلقه الله سبحانه و تعالى من التراب ، و التراب كان من الأرض ، و الأرض انفصلت من الشمس ، و الشمس تكونت من الانفجار العظيم (حسب النظرية العلمية المعروفة) . فاذن كل مخلوق له سبب و علة لوجوده لأنه " ممكن الوجود" و لكن بالتالي سنصل الى الموجود الذي خلق المادة الأولى التي هي سببت الانفجار العظيم ومنه خلق السماوات و الأرض ، و من ثم الكائنات الحية . و هذا الموجود الأول هو "علة العلل" و "العلة الأولى" و "واجب الوجود" الذي لا يحتاج لوجوده الى علة خارجة عن ذاته و هو الله سبحانه و تعالى.

    من خلق الله ؟
    هذا السؤال يدور في ذهن بعض الناس ، اذ يقولون ما دام كل شيء بحاجة الى خالق ، اذن من خلق الله ؟ والجواب على ذلك :
    أولا : ان الله سبحانه وتعالى ( قديم ) أى غير مسبوق بالعدم فهو أزلي سرمدي ، كان منذ المالانهاية ، قبل أن يكون الزمان أو المكان ، وهو الذي خلقهما فيما بعد . ولأن وجوده كان ولم يسبقه عدم أو زوال فلذلك لا يحتاج الى خالق أو موجد ، بل وجوده نابع من ذاته . أما المخلوقات الأخرى فهى (حادثة ) لأنها وجدت في زمان معين حتى لو كان هذا الزمان قبل أربعة عشر مليار سنة . ولأنها لم تكن ثم كانت فهي تحتاج الى مكون وموجد لها .
    ثانيا : اتضح من الشرح السابق أنه ليس كل الموجودات بحاجة الى خالق و موجد و انما "الموجود الممكن" يحتاج الى علة لوجوده ، أما الله سبحانه و تعالى فانه "واجب الوجود" فلا يحتاج الى علة خارجية لوجوده ، فهو موجود دائما و أبدا ، و كان و لم يزل و لا يزال موجودا ، و هو القديم الأزلي السرمدي الذي وجوده نابع من ذاته و ليس عارضا عليها .
    و لزيادة توضيح الفكرة من المفيد أن نتعرف على معنى الصفة الذاتية و الصفة العرضية و الفرق بينهما لكي يحل الاشكال بشكل كامل.

    الصفات الذاتية و الصفات العرضية
    الصفات الذاتية هي الصفات الضرورية للذات الموجودة ، وبدونها لا يمكن لها أن تبقى موجودة .
    اما الصفات العرضية فهي الصفات التي تطرأ على الموجود وبذلك تكون زائدة على الذات . وبما أن وجودها ليس أساسيا ، لذلك يمكن أن تسلب منه أو تستبدل بغيرها من دون أن يؤثر ذلك على وجود الموجود .
    ومن خصائص الصفات الذاتية أنها لا تحتاج الى علة لوجودها سوى الذات نفسها. أما الصفات العرضية فهى بحاجة الى علة أخرى ذاتية تستمد وجودها منها وهذا ما يعبر عنه في الفلسفة بأن ( ما بالعرض ينتهي الى ما بالذات ) . فالقطن ألأبيض لا يحتاج الى سبب لبياضه سوى ذاته البيضاء لانا افترضنا أنه أبيض. وبدون صفة البياض سوف يفقد القطن الابيض وجوده كأبيض . أما لو صبغ القطن الأبيض باللون الأحمر- مثلا – فيصح لنا أن نسأل لماذا صار القطن أحمرا ؟ لأن اللون الأحمر عارض عليه وليس ذاتيا له . ولكن اللون الأحمر بدوره يجب أن ينتهى الى ما هو أحمر بالذات مثل الدم مثلا لأن طبيعة الدم أن يكون أحمرا .
    ومثال آخر فان كل شيىء حلو يستمد حلاوته من وجود السكّر فيه ، أما السكّر نفسه فانه حلو لذاته . وهكذا بالنسبة الى النور فان كل شيء مضاء بسبب وجود النور وانعكاسه عليه ، أما النور نفسه فانه مضيء بنفسه وليس بسبب آخر خارج عن ذاته . وكذلك بالنسبة الى الماء فانه رطب بذاته ولا يصح ان نسأل لماذا الماء رطبا او سائلا . ولكن لو كانت يدي مبتلة أوالطاولة مبتلة فانه يمكن الاستفهام عن سبب البلل فيهما، لأن يدى والطاولة جافان ذاتيا والبلل عارض عليهما، ولذلك من حقنا أن نسأل عن السبب في بللهما . وحينما نجيب بأن سبب البلل هو سكب الماء عليهما فلا يسأل أحد ولماذا صار الماء مبتلا؟ لأنه يعلم أن البلل من الصفات الذاتيه للماء و ( الذاتي لا يعلل ) لأن علته نابعة من ذاته وليست عارضة عليه .
    وبعد أن عرفنا معنى الصفات الذاتية يتوضح لدينا الجواب بأن وجود الله سبحانه وتعالى ليس بحاجة الى علة خارجة عن ذاته ، لأن علة وجوده هي ذاته المقدسة جل وعلا لأنه (واجب الوجود)وذاته كانت ولا تزال موجودة ولا يمكن تصور العدم بشانها مهما تغيرت الظروف .
    لذلك يمكن القول بأن كل شيىء موجود بالله سبحانه وتعالى ، والله موجود بنفسه .

    الدليل من القرآن الكريم والأحاديث الشريفة

    تعرضالقرآن الكريم الى هذا الدليل وغيره من أدلة اثبات وجود الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة ، منها قوله تعالى :
    1- (أم خلقوا من غير شيىء أم هم الخالقون ) سورة الطور ، آية35.
    والسؤال في الآية الكريمة يحمل الجواب معه ، لأنه اذا كان من غير الممكن أن نخلق من لا شيىء أذ لابد لكل معلول من علة توجده ، ولم نخلق نحن أنفسنا ، فلا خيار سوى الايمان بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقنا .
    2- ( يا أيها الناس أنتم الفقراء الى الله والله هو الغني الحميد )سورة فاطر ، آية15 .
    وهنا تشير الآية الى الفقر المطلق لكل الناس ، وهذا الفقر على قسمين : أولا هم فقراء في وجودهم ويحتاجون الى علة تفيض عليهم نعمة الوجود لكي يخرجوا من ظلمات العدم الى نور الوجود . وثانيا فان الناس فقراء لحاجتهم الى علة مبقية لهم تكون سببا في استمرار بقائهم أحياء وموجودين ولولاها لفنوا ورجعوا الى العدم ثانية . وما ذلك الا لأن الناس من نوع (ممكن الوجود) الذي يحتاج الى علة لخلقه واستمرار وجوده.
    أما الله سبحانه وتعالى فهو الغني المطلق لأنه (واجب الوجود ) فلا يحتاج لعلة توجده أو تبقيه ، وهو غني عن العالمين .
    3- ( والله الغنى وانتم الفقراء ) سورة محمد ، آية 38 . وغيرها آيات كثيرة .
    4- وروى الامام الصادق (ع) عن أبيه ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض خطبه : الحمد لله الذي كان في أوليته وحدانيا ، وفي أزليته متعظما بالالهية ، متكبرا بكبريائه وجبروته . ابتدأ ما ابتدع ، وأنشأ ما خلق على غير مثال كان سبق بشيء مما خلق .
    5- وفي توحيد الصدوق ، جاء يهودي الى علي بن ابي طالب(ع) فقال : يا أمير المؤمنين متى كان ربنا ؟ فقال له علي (عليه السلام): انما يقال : متى كان لشيء لم يكن فكان وربنا تبارك وتعالى هو كائن بلا كينونة كائن ، كان بلا كيف يكون ، كائن لم يزل بلا لم يزل ، وبلا كيف يكون ،كان لم يزل ليس له قبل . هو قبل القبل بلا قبل وبلا غاية ولا منتهى . غاية ولا غاية اليها . غاية انقطعت الغايات عنه ، فهو غاية كل غاية .
    6- وورد في الدعاء و عن الامام الباقر ( عليه السلام ) : ( يا ذا الذي كان قبل كل شيء ، ثم خلق كل شيء ، ثم يبقى ويفنى كل شيء . ويا ذا الذي ليس في السماوات العلى ولا في الأرضين السفلى ولا فوقهن ولابينهن ولا تحتهن اله يعبد غيره ) .
    والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين .
يعمل...
X