إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

حرب الإرادات

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • حرب الإرادات



    حرب الإرادات وخيبات أمل
    على هامش الرد الأمريكي على القصف الصاروخي الإيراني
    ادريس هاني

    لازالت الصحف الأمريكية تؤكّد على تداعيات الحرب التي فتحها قرار ترامب باغتيال اللواء سليماني وبأنّ هناك غياب ضمانات عمّا يمكن أن يحدث بعد الضربة الموجعة التي وجهها الحرس الثوري الإيرني باتجاه قاعدة عين الأسد بالأنبار وكذا قاعدة حرير بأربيل، وهي الضربة التي عزلت أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط عن الخدمة. وتحمل الضربة رسائل عديدة سوف يتأكّد بأنّ واشنطن قرأتها جيّدا، ومنها:
    - أنّ إيران ليست دولة قابلة بتمرير سياسات ترامب الخاطئة، وبأنّ الخطأ هنا ليس واردا لأنه ستكون له تداعيات غير معتادة في المنطقة.
    - أنّ إيران لا تلوّح بالحرب لكنها في تمام الجهوزية للدّفاع عن النّفس
    - ضربة عين الأسد هي رسالة تعطي تصورا عن أي حرب محتملة، لن تكون نزهة.
    - عبرت إيران مرارا وقبل تنفيذ الضربة عن رغبتها في أن يغادر الجنود الأمريكيين مواقعهم، لأنّ هدفها هو خروج الأمريكيين من المنطقة.
    - أنهت واشنطن فشلها في سوريا والعراق بقتل رأس الحربة في الباسدران الإيراني وأنهت إيران انتصاراتها بقصف أكبر قاعدة أمريكية لأوّل مرة منذ الحرب العالمية الثانية.
    إن كانت الحرب تبدو حتى الآن خيارا صعبا لأنه مرتبط اليوم بالقرار الأمريكي فإنّ معركة الإرادت ستستمر، وبأنّ واشنطن معنية بخفض التوتر من جهتها قبل استفحال الوضع ، لا سيما وأنّ إيران لا تريد أن تعود بالأمور إلى ما قبل اغتيال اللواء سليماني، بل لم تفعل حتى الآن سوى أن مهدت الطريق لأعمال نوعية على مستوى عمليات المقاومة.
    ومع أن الصحافة الأمريكية تعكس طبيعة الإحباط الذي يسيطر على أصحاب القرار والفاعلين السياسيين جمهوريين وديمقراطيين، إلاّ أنّ الإعلام العربي الذي التزم الصّمت لحظة الهجوم الصاروخي الإيراني على القاعدة الأمريكية عاد ليحبك على المنهجية التقليدية نفسها شكلا من الخطاب التهويني من هذه الضربة إلى حدّ بلغ التهريج بالصحافة الصفراء الموالية للأنظمة الخليجية والمموّلة من المخابرات والسفارات الخليجية بأنّ الأمر لا يعدو أن يكون مسرحية واتفاقا مسبقا بين واشنطن وطهران، ويعتبر هذا شكلا متداولا في بيئة لا تميّز بين الصحافة والعمل الاستخباراتي، وتستند هذه المقاربة التّافهة إلى عدم وجود قتلى في القصف الإيراني للقاعدة، علما أنّ إيران قبل يومين من القصف دعت الجنود الأمريكيين أن ينسحبوا وبأنّ الغاية كانت هي فرض الانسحاب على الجنود الأمريكيين وتقويض هيبة الحضور الأمريكي في المنطقة. وفي تلك الأثناء دعى عدد من الدول في المنطقة لخفض التوتر وبات الجميع ينتظر ردّا من واشنطن، غير أن واشنطن خيّبت آمال حلفائها الذين لم يجدوا من تفسير لذلك سوى اختلاق أحجيات من هذا القبيل للتخفيف من خيبة الأمل، ويوجد في المنطقة عملاء يمتهنون التشويش وخرق الوعي بأنماط من التضليل الإعلامي، ولقد وضعتهم الضربة الصاروخية الإيرانية في حرج شديد ووضعت سنوات من التحليل والتوقع على كفّ عفريت، ولذا فهم دفاعا عن آرائهم التي أثبتت ضعفها وبلادتها يحاولون الدفاع عن هلاوسهم القديمة، لقد كان هناك جزء من البروباغاندا يسعى للتشكيك في مواقف طهران حيال التواجد الأمريكي في المنطقة، لكن ليلة من القصف الصاروخي على القواعد الأمريكية كشف عن دجل هذه القراءة وأكّد البيت الشعري لمظفر النواب: النار هنا لا تمزج يا قردة، وهذا يعزز من ضعف في الموقف والرؤية وبؤس وإفلاس في المشهد الإعلامي العربي.
    وقد جاء الرد الأمريكي من خلال توضيحات سريعة من الرئيس الأمريكي نفسه الذي حاول التقليل من خسائر الضربة الإيرانية على مستوى الأرواح لكنه اعترف بالخسائر المادية، وبينما تتحدث وسائل إعلام أمريكية عن رفض الرئيس في وقت سابق أن يكشف عن التسجيلات التي تظهر عمليات القصف وأيضا رفض مسؤولين في القاعدة فتح المجال للإعلام وكذا للقوات العراقية لمعاينة آثار القصف إلاّ أنّ التقديرات تؤكد وجود خسائر أكبر كما تتحدث عن عدد أكبر من صواريخ قيام وذو الفقار والفاتح، هذا بينما تحدثت مصادر إيرانية عن وجود خسائر في الأرواح والعتاد قدرتها بثمانين قتيل وحوال 200 جريح ودكّ مروحيات ومعدات الخ، ولا نريد الرجوع إلى ما كشف عنه الصحفي الإسرائبلي جاك خوري من نقل واشنطن لـ224 جريح إلى تل أبيب عبر طائرات عسكرية أمريكية أصيبوا في قاعدة عين الأسد مستندا إلى قول مدير مستشفى سوراسكي(Tel Aviv Sourasky Medical Center).
    ويبدو من الطبيعي أن يقلل ترامب من حجم الخسائر لأنه في وارد الخروج من المأزق الذي كلفه تصويت مجلس الشيوخ يوم الخميس على قانون منع ترامب من خوض حرب ضدّ إيران، وهذا في الواقع ليس إنقاذا لترامب بل إنقاذ لهيبة الولايات المتحدة الأمريكية. وقد ظهر الإرتباك على خطاب ترامب المليئ بالمفارقات، ليس آخرها اتهام إيران بتمويل الإرهاب وفي الوقت نفسه دعوتها إلى المشاركة في محاربة الإرهاب الذي هو عدو مشترك بينهما، وكان ترامب قد دعى إلى فتح مفاوضات مع إيران من دون شروط مسبقة، وهي دعوة سابقة لأوانها تؤكّد على مدى الإرتباك والجهل بالمزاج الإيراني، حيث سيكون من المستبعد قبول إيران بفتح حوار مع واشنطن ودم اللواء سليماني لم يجفّ بعد، هذا في حين اعتبر المسؤولون في طهران أنّ الثأر لاغتيال اللواء سليماني لا ينزل عن خروج الأمريكي من المنطقة، فهل أخذت واشنطن هذا التحدّي على محمل الجدّ؟ وهل بإمكان المنطقة أن تستمرّ على هذا النزيف دون أن يساعد ذلك على دفعات أخرى من الثأر الإيراني؟
    السؤال المطروح اليوم: كيف ستدير واشنطن وجودها في المنطقة دون أن تنجح في فتح باب حوار حقيقي مع طهران التي لم تكن ترفض مبدأ الحوار بقدر ما كانت ترفض الحوار بشروط غارقة في سياسات الإستكبار العالمي، لكن واشنطن ومن خلال قرار اغتيال أحد رجالات إيران الكبار كانت قد أعادت الأمور إلى بداياتها أي انهيار جدار الثّقة.
    وسوف تسعى واشنطن إلى تقديم الكثير من المبادرات لطمأنة الجانب الإيراني، وحتى الانتخابات الأمريكية المقبلة ستدرك واشنطن بأنها مضطرة لمحاصرة فريق البيت الأبيض والتخفيف من هيمنة اليمين المتطرّف واللوبي اليهودي من التحكم في قرارات الإدارة الأمريكية بالطريقة التي أتبعها ترامب وبولتن وبومبيو، فلقد تبين بالفعل أنّ ترامب حاول أن يجعل من قرار اغتيال اللواء سليماني عملية إنقاذ قصوى لمستقبله الإنتخابي لكنه خسر الرهان منذ البداية، ذلك لأنّ مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط مرتهن لصورة رئيس ينتهك قراراته ويتعامل مع الحقيقة باستهتار، هل سيواجه ترامب محاكمات من داخل واشنطن في محاولة للتخفيف من حدّة التّوتّر وأيضا لتحجيمه داخل البيت الأبيض في انتظار العزل أو خيبة أمل في الانتخابات القادمة؟
    ادريس هاني:9/1/2020

  • #2

    في قضايا شائكة كالتي تحدث اليوم في الشرق الأوسط يتعيّن بعضا من الرّوية وكذلك الإرتقاء بالسياسة إلى حيث يصبح للحديث معنى، نكاد نغرق اليوم في المشهد العربي في فوضى مضرّة بالسياسة والثقافة والإنسان عموما. هل الذهاب أبعد من القدر الذي تتيحه القراءة التبسيطية للحدث سيغدو مكلفا في العالم العربي؟ فخلال الأيام التي أعقبت القصف الإيراني لعين الأسد حاول خصوم إيران التقليل من أهمية ما حدث انسجاما مع خطاب ترامب الذي وصفه خبراء أمريكيون بأنه لا يعدو شكلا من الخداع وهروبا من الموقف، وهذا طبيعي أن يصدر من قيادة دولة في وضعية حرب لكن هذه الحملات التهوينية حين تصدر من محميين تصبح موضوعا لعلم النّفس المرضي، ذلك لأنّ الخوف والكراهية تجعل الضعيف يعوّض عن هستيريا خيبة الأمل بواسطة التشكيك الممنهج، سنرى من خلال هذا التحليل أنّ الحرب بلغت بالفعل ذروتها، ولأنّ المعطيات الواقعية كانت أكبر من أن يتم استيعابها في بيئة تهيمن عليها ثقافة الجمود والهزيمة وخطاب المحميين فإنه بات من الصعوبة بمكان قراءة قواعد الإشتباك الجديدة بمنظور لن يتحمله الجهاز العصبي للهزيمة.
    تشكل الأحداث فرصة لقياس منسوب الوعي، وهنا تبدو الحصيلة مخيّبة للآمال. في هذا الصراع الذي اتخذ له أبعادا أكثر تعقيدا في المنطقة يجب الإنصات لأصحاب الرّأي وصنّاع القرار واعتماد مناهج الإستشراف، ذلك لأنّ الإنفعال والمواقف المسبقة إذا باتت هي المنهج المتبع في الاستنتاج أصبحنا أمام هذا الذي عنون له أوليفي روا بالجهل المقدّس. وفي هذا السّياق نتفهّم أسباب هذا التجهيل المقدّس أيضا، لأنّ المنطقة مستباحة أمام هذا العصف الفكري والتفخيخ الكامل للعقول. نعيد السؤال مرة أخرى حول: ما الذي جرى وما الأسباب غير المُعلنة وما حيثيات الحدث وكيف استقبل كل هذا في المشهد الأمريكي الذي لا يخفي انقسامه أمام خطورة ما جرى، ما الذي فجّر كل هذا الخلاف، وهل خرج ترامب عن النّص في ذهابه باتجاه افتعال حرب كان بإمكانها أن تشعل المنطقة؟
    تتهيّأ نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأمريكية لإرسال التماس بعزل ترامب، هذا بينما صدر قرار الكونغرس بمنع ترامب من اتخاذ أي قرار بشأن الحرب على إيران، كثيرون مثل بايدن اعتبروا أنّ ترامب لا ينصت للقيادة العسكرية، هذا يعني أنّ الأزمة بلغت مداها وأنّ الوضع بخلاف ما وصفه ترامب ليس مريحا. لقد استطاع بالفعل نيتنياهو أن يدفع باتجاه ذلك التوريط الذي كانت واشنطن تخشاه حينما يتعلّق الأمر بأمنها القومي، هو أن تدفع تل أبيب بالبيت الأبيض إلى حافة اتخاذ القرارات الخاطئة والموسومة بالمُغامرة. لقد بدت وخلافا لما يعتقده الكثير من المحللين عمليات استهداف الشخصيات كجزء من سياسة ممنهجة لإسرائيل غير أن واشنطن كانت عادة تتفادى هذا النوع من الاستهداف إلا في حالات استثنائية، لهذا لا أحد كان يعرف من حلفاء واشنطن - بمن فيهم الاوربيين - عملية استهداف اللواء سليماني غير نتنياهو. لا شكّ هنا أنّ عيون واشنطن وعملاءها داخل العراق وفي سائر المنطقة كانوا يقدمون إحداثيات مستمرة عن تواجد سليماني، لكن القرار لم يكن قد اتخذ بشكل نهائي.
    قبل سليماني كانت هناك محاولات استهداف شخصيات أخرى بما فيها علماء الفيزياء النووية الإيرانية، وكانت إسرائيل قد نفذت أكثر من عملية استهداف لرموز وقادة فصائل المقاومة سواء في سوريا أو لبنان ليس آخرها قصف بيت أحد قيادات تنظيم الجهاد الفلسطينية بالمزّة داخل العاصمة دمشق. انجرار الولايات المتحدة للمنهجية الإسرائيلية كان باهض الثّمن، وقبل أن نحلل تداعيات هذه السياسة علينا أن نتذكّر بأنّ واشنطن لم تعد قادرة على بسط نفوذها في المواقع التي ينشط فيها سليماني، لقد باتت قواتها أشبه ما تكون بمخيم متنقّل، وهذا أمر بات أكثر وضوحا في شرق الفرات وأيضا في العراق بعد القصف الصاروخي على قاعدة عين الأسد. لم يعد أمام واشنطن سوى الإقدام على شيء يعتبر في حدّ ذاته فشلا ذريعا على المستوى الإستراتيجي ألا وهو استهداف الأشخاص، لم يتحمّل ترامب كيف استطاعت طهران كسر حدود الحصار واحتواء كل تداعيات الخروج من الاتفاق النووي وعقدت صفقات تجارية في اتجاه المجال الأوراسي وأفشلت كل أشكال الضغوط التي اعتمدت تأجيج الأوضاع الإجتماعية كما استطاعت خلال أيّام قليلة أن تجعل السفارة الأمريكية محاصرة في بغداد في الوقت الذي راهنت واشنطن على حصار القنصلية الإيرانية واحتواء الموقف العراقي لصالحها، ثم في نهاية المطاف ستكون إيران مهندس أكبر وأوّل مناورة عسكرية صينية-روسية-إيرانية في بحر عُمان، مؤشّر على أنّ المواجهة تتعلّق بأقطاب كُبرى وذات أبعاد جيوستراتيجية، وخلال هذه الفترة استطاعت طهران أن تكرّس حقّ الرّد الفوري والمعاملة بالمثل تجاه أي فعل عدواني تجاهها، الرد على قرار احتجاز الناقلة الإيرانية العملاقة من قبل حكومة جبل طارق بإيعاز من واشنطن والذي ردت عليه طهران باحتجاز سفينة بريطانية، كما استطاعت طهران إنزال طائرة مسيرة أمريكية متطورة وتفكيكها مدشنة حربا ذكية غير مسبوقة بالإضافة إلى إسقاط طائرة استطلاع أخرى تعتبر مفخرة الصناعة العسكرية الأمريكية، وحتى حينما تمّ استهداف اللواء سليماني ورفاقه في مطار بغداد فإنّ طهران حوّلت الحدث إلى طقس شهادة عارم أحيت به روح الثّورة الإيرانية وأقامت تظاهرة شعبية ضخمة، لكن طهران لم تتخلّف طويلا ليأتي الرد في صورة قصف صاروخي دكّ أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط وعزلها عن الخدمة فيما جعلت قرار انسحاب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط قضية مطروحة بإلحاح حتى داخل الدوائر الأمريكية التي باتت تتقبّل فكرة الخروج من الشرق الأوسط بحجة أنها لم تعد في حاجة إليه. تزامنت عملية القصف الصاروخي الذي لم تستطع القبة الصاروخية أن تعترضه ما يؤكّد أنّ الصواريخ الإيرانية الموجهة كانت تحمل جهاز تشويش استطاعت أنّ تشلّ أكبر رادار في المنطقة. ونظرا لتأهّب كبير في صفوف القوات الإيرانية للرّد الجدّي على أي ضربة أمريكية محتملة جاءت حادثة الطائرة الأوكرانية المُؤلمة.

    الطائرة الأوكرانية هل ستكون ثمن خفض التّوتّر؟

    تعرضت طائرة مدنية أوكرانية ليلة القصف الصاروحي لإصابة ناتجة عن خطأ، وبينما اكتملت المرحلة من التحقيق لا زالت هناك مرحلة أخرى تتعلّق بحيثيات الخطأ. استجابت طهران بطريقة سلسلة وسريعة وتحملت مسؤوليتها الكاملة، شيء لم يكن متوقّعا من خصوم طهران حيث جاءت الاستجابة هي الأسرع من نوعها في تاريخ إسقاط الطيران المدني، ففي كل هذا التاريخ كانت التحقيقات عادة تأخذ سنوات من الإجراءات والتنصّل من المسؤولية، فلقد تبادلت طهران مع أوكرانيا رسائل العزاء والاعتذار الرسمي وتحمّل تبعات جبر الضّرر، وهو ما ثمّنه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. لم تكن عملية إسقاط طائرة مدنية أمرا غريبا، فالأرشيف الدولي يحتفظ بعدد من الطائرات المدنية التي تعرضت لحوادث من هذا القبيل لا سيما حين يتعلّق الأمر بمناطق النّزاع، وأوكرانيا نفسها لها تاريخ من إسقاط الطائرات المدنية بالخطأ، لنتذكّر سقوط طائرة بوينغ 777 الماليزية عام 2014 التي ذهب ضحيتها 298 راكبا قرب دونيتسك الواقعة شرق أوكرانيا، حيث لم يكشف عن طبيعة استهدافها بصاروخ إلا بعد أربع سنوات (2018)، حيث كشف المحققون الدوليون إصابتها بصاروخ انطلق من أحد مراكز الدفاع الجوي الروسي بكورسك بالجنوب الغربي لروسيا، وبعد عام آخر تم اتهام ثلاثة روس وأوكرانيا حيث من المقرر محاكمتهم في آذار القادم من عام 2020. وقد شهدت أوكرانيا حدثا شبيها عام 2004 حين تحطمت طائرة روسية من نوع توبوليف حين كانت تحلق في سماء البحر السود قريبا من سواحل جزيرة القرم، ومات على متنها 78 من الركاب وكان أغلبهم إسرائليون انتقلوا من تل أبيب إلى نوفو سبيرسيك في سيبريا الغربية، وحينئذ اعتذرت كييف على هذه الحادثة واعترفت بأنّ صاروخا أوكرانيا أطلق على سبيل الخطأ.
    لقد حسم موضوع الخطأ في إسقاط الطائرة المدنية الأوكرانية، وقد اعتبر البعض كما صرّح رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون عن أنّ ما حدث هو مؤشّر يشجع على ضرورة خفض التّوتّر والعمل على ذلك، هذا وقد صرحت القيادة الإيرانية فورا بأنّها مستعدة لتحمّل كلّ تبعات هذه الحادثة مقدّمة العزاء لذوي الضحايا وبدأ وزارة الخارجية الإيرانية بإطلاق الإجراءات اللازمة لتعويضهم.

    ماذا بعد؟
    لم تسمح طهران بأن يكون هذا الخطأ فرصة للاستعمال في سياق معركة حقيقية يشهدها الإقليم، سنجد من داخل واشنطن من له رأي مختلف وتوجّه لخفض التّوتّر والاعتراف بخطيئة ترامب وتهوّره الذي جلب على واشنطن أزمة حقيقية.
    لا شكّ أنّ ضربة مثل هذه تفتح الطريق إلى حرب عالمية ثالثة، الحرب التي كان ينتظرها ويستشرفها أحد كبار المستشارين الأمريكيين المتحيّزين لإسرائيل، أعني هنري كيسنجر، يعود مرة أخرى في لقاء مع ديلي سكيب ليقول بأن الحرب العالمية الثالثة باتت على الأبواب وبأن إيران ستكون هي محل الضربة الأولى والتي سيجب على إسرائيل حينئذ قتل العدد الأكبر من العرب واحتلال نصف الشرق الأوسط. وسنجد أنّ بعض السياسيين الأمريكيين لا سيما المخضرمين كهنري كيسنجر يصعب عليهم تقبّل تراجع واشنطن على صعيد القدرة على السيطرة، وعادة ما ينتهي بهم الوضع إلى نوع من اليوتوبيا العنيفة أو لنقل شكلا من اليوتوبيا المنخولية التي شكلت في الأصل أحلام قديمة تواجه الفشل، فكيسنجر يصرح بأنّهم أبلغو الجيش الأمريكي بقوله:" أننا مضطرون لاحتلال سبع دول في الشرق الأوسط نظرًا لأهميتها الاستراتيجية، لنا خصوصاً أنّها تحتوي على البترول وموارد اقتصادية أخرى ولم يبق إلا خطوة واحدة، وهي ضرب إيران”.
    ورأى كيسنجر أنّ هذه الحرب لن يكون فيها إلاّ منتصر واحد هو كلّ من أمريكا وإسرائيل.
    المفارقة هنا أنّ كيسنجر - بخلاف بؤساء التحليل السياسي في المنطقة الذين اعتبروا ما حدث مجرد مسرحية - يؤكد على أنّ “طبول الحرب تدق بالفعل في الشرق الأوسط و الأصم فقط هو من لا يسمعها”.
    أمام هذا التهويل الذي يدخل في عداد الحرب النفسية التي اعتمدت خلال الحرب الباردة هناك من يقرأ الوضع بشكل آخر ويعتبر أنّ عملية قتل رمز من رموز الدولة الإيرانية مُغامرة لا يمكن التنبّؤ بمآلاتها، لكنهم في الوقت نفسه يعتبرون ذلك تراجعا في مكاسب واشنطن في المنطقة بل حتى إزاء حلفائها. ويبدو الجدل السياسي مكشوفا في واشنطن والآراء مختلفة بخلاف ما يجري في المشهد العربي حيث الإعلام فاشل في أن يكرّس تقاليد الاختلاف في التعبير فلا صوت هنا يعلو على صوت فيالق الإعلام الموجّه.
    تنقلنا مقاربة أخرى لنائب رئيس الاستخبارات الأمريكية الوطنية غراهام فولر، وهو القريب من الشرق الأوسط على مستوى القراءة والمشاركة في هندسة الخطط، وكبير الباحثين في راند الأمريكية التابعة للبانتاغون في مشاركة تحت عنوان "سياسة خارجية للولايات المتحدة عبر الاغتيال" بموقع ذا ليفانت نيوز، وفيها يحذّر من السياسة الجديدة القائمة على فكرة الاغتيالات، معتبرا اغتيال اللواء سليماني بطائرة أمريكية بمثابة اغتيال سياسي وعملا حربيا من منظور القانون الدّولي، وهو يعتبر أنّ واشنطن باغتيالها اللواء قاسم سليماني فتحت صندوق باندورا في سياستها الخارجية، غير أنّ غراهام فولر يعتبر أنّ واشنطن لن تستمر وحدها في احتكار هذا الشكل من العنف الدولي، فلربما تحوّل هذا العنف ضدّها، ويضرب مثالا على ذلك حيث ظل احتكار الولايات المتحدة الأمريكية للطائرات بدون طيار إلى فترة لكنه اليوم بات في متناول عدد من البلدان المتوسطة الحجم. ويستفظع غراهام فولر حادث اغتيال سليماني باعتباره شخصية مهمّة، ويقول:" لم يكن الجنرال قاسم سليماني قائد قوات القدس العسكرية فحسب. وبصورة أكثر دقة، ينبغي اعتباره الرقم الثاني من حيث الأهمية في كامل هيكل الحكم الإيراني، وربما الشخصية السياسية / العسكرية الأكثر شعبية في إيران. أو يمكن تشبيهه بمستشار الأمن القومي في الولايات المتحدة، أو لرئيس هيئة الأركان المشتركة، أو عدد من القادة الإقليميين الأميركيين مجتمعين".
    يتساءل غراهام فولر حول طبيعة ردّ الفعل المفترضة أمريكيا فيما لو كان المستهدف شخصية أمريكية مماثلة؟
    يعترف غراهام فولر بأن اللواء سليمني كان خصما كبيرا للولايات المتحدة الأامريكية مكلّفا هذه الأخيرة ثمنا باهضا لجل تثبيت سيطرتها في العراق، لكن أمريكا كما يؤكد غراهام فولر قد فقدت "منذ زمن طويل القيادة الجيوسياسية في الشرق الأوسط ككل، والتي تعود إلى عقود".
    ويصف غراهام فولر تصريحات السياسيين والمعلقين داخل الولايات المتحدة الأمريكية بكون سليماني مسؤولا عن قتل عدد من الجنود الأمريكيين في العراق بالسذاجة الطفولية أو خداع الذات حول مفهوم طبيعة الحرب، فإيران حسب غراهام فولر كانت تدرك منذ 2003 النكتة الدائمة في الولايات المتحدة الأامريكية هي ن الحرب مع العراق على ما يرام بينما الرجال الحقيقيون يذهبون إلى الحرب مع إيران. فإيران ساعدت حسب فولر في قيام قوات من مختلف أطياف الشعب العراقي ضدّ الاحتلال الأمريكي باعتبار أن الوجود الأمريكي في العراق حسب فولر لم يكن يتمتّع بأي مكانة قانونية، ويرى فولر أيضا أنّ إيران قدمت المشورة والسلاح للمقاتلين العراقيين لتسهيل قتل جنود الاحتلال الأمريكي وهذا في رأي غراهام فولر طبيعي، أو بتعبيره:"إنها الحرب"، فالولايات المتحدة الأمريكية دعمت عبر أنحاء العالم عصابات لمواجهة نظم لا تحبها كما حدث في سوريا والعراق واليمن يقول فولر، فالمبرر الصغير الذي تحتفظ به الولايات المتحدة الأمريكية في نظر الخبير الأمريكي نفسه هو تمثيلها للقضية الأخلاقية وفكرة الرجل الطّيب، لكنها وكما يقول:"عندما يتعلق الأمر بالأرواح المفقودة، فإن الولايات المتحدة بالطبع كانت هي نفسها المسؤولة عن مئات الآلاف من القتلى في العراق فضلاً عن توليد تدفقات هائلة من اللاجئين في الداخل والخارج. ومع ذلك، فإننا نقنع أنفسنا بأن قتل الآخرين باسم القضية الأميركية أمر جيد، ولكن أي شخص يقاوم، أو يقتل فعلياً الأميركيين يثير غضبنا. دعونا على الأقل أن يكون لدينا القليل من التعقيد هنا حول طبيعة الحرب والصراع وإسقاط المعايير المزدوجة".
    ويعترف غراهام فولر بأنّ سياسة الاغتيالات هي خيار إسرائيل، هذه الأخيرة تقود العالم إلى تنفيذ الاغتيالات السياسية " وفقًا للباحث الإسرائيلي رونين برغمان". ويعتبر فولر بأنّه هذه المرة سيتم طرد القوات الأمريكية من العراق، وسيكون هذا الانسحاب في نظره بمثابة نهاية مخزيةلغزو وحشي وفاشل بعد ان اعتبرت واشنطن أنها استطاعت أن تجعل من العراق دولة موالية لأمريكا وحليف أساسي في الشرق الأوسط. هذا ويعتبر الخبير الأمريكي المذكور أن المصالح الأمريكية ليست متفقة مع المصالح العالمية لجميع الشعوب، ولهذا السبب باتت واشنطن مفزعة حتى لأصدقائها وحلفائها، هؤلاء لن يكونوا مستعدين لدعم سياسات واشنطن بشكل روتيني ضد روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية وغيرها من الدول. وهو هنا يؤكد على أن لا أحد من الأوربيين وبعض البلدان في العالم قبلوا بتمزيق واشنطن للمعاهدة النووية مع طهران ولا بفرض العقوبات الاقتصادية عليها، لم يعد حتى حلفاؤها في وضع مريح أمام الهوس الأمريكي بتحييد الأعداء، وحتما سيرفضون حرب الاغتيالات في السياسة الخارجية، فقط كما يقول فولر عدد قليل من قادة دول الخليج وإسرائيل من سيصفقون لواشنطن في هذه السياسة. الأساسي في مقاربة غراهام فولر هو أنّ عصر الهيمنة الأمريكية يقترب من نهايته وهي بذلك، أي الولايات المتحدة الأمريكية، ستحرم نفسها من معظم التأثير والاحترام.

    وإذن الحرب مستحيلة
    وسنجد أن هناك من داخل الولايات المتحدة الأمريكية من يعترف بأن كلاّ من الطرفين -طهران وواشنطن -يدركان خطورة الطرف الآخر في الاشتباك، وهذا في حدّ ذاته يعتبر انتصارا لطهران لأنّها استطاعت بقدراتها الصاروخية ومناوراتها السياسية تحقيق القدر الأساسي من الردع وجعل الحرب عليها في عداد المستحيل، فطهران دولة إقليمية كبيرة في المنطقة تخوض حرب مقاومة داخل منطقتها مع إمبراطورية تستهدفها وتطوقها بقواعد عسكرية مكثّفة، وهذا هو مصدر التّوتّر.
    وتبدو الحاجة إلى خفض التوتر حاجة عالمية لا بديل عنها، لأنّ قواعد الإشتاك هنا وفي هذا المستوى من الحروب غير قابل للوصف، من حقّ المحاور الضعيفة في الإقليم أن تعبّر عن مخاوفها ولو بأساليب غير عقلانية، فالحرب إن وقعت فإنّها ستمسح بلدانا كثيرة لا تتوفّر على إمكانيات البقاء فيما لو نشبت حرب بين دولة عظمى كبيرة مع دولة إقليمية راسخة في الإقليم وجاهزة لحرق الخاصرة الأمريكية في المنطقة، اليوم عين الأوربيين وخبراء كثر داخل واشنطن على مصير العالم في حال نشوب الحرب، مسالك التجارة الدولية، تدفق الطاقة، مصير الحلفاء، السلام الدّولي، النظام الدولي، الحرب هنا في نهاية المطاف ليست نزهة، وهنا وجب الإنصات إلى اللاعبين في الملعب لا إلى ضوضاء المشجعين في المدرج، وسيكون الجواب على كل هذه الهلاوس هو أنّ الحرب لن تكون لسبب بسيط وهي أنّها بلغت ذروتها الممكنة في قصف عين الأسد، أمّا نتائج هذه الحرب فهو انسحاب تدريجي من العراق على الأقلّ على المدى القريب والمتوسّط، وهذا لا يمنع من أن التّوتّر سيُدار بكيفية أخرى..
    ادريس هاني:11/1/2020

    تعليق

    يعمل...
    X