إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الخلافه المنتظره!

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الخلافه المنتظره!

    الخلافة المنتظرة..
    ما الذي يعد له حزب العدالة والتنمية التركي؟
    ادريس هاني

    سنختصر الطريق، الكل يعلم مركزية الانتظار في اللاّهوت الشّيعي، بشقيه: الانتظار السلبي والانتظار الإيجابي، وتظل المهدوية بحسب هذا اللاّهوت قضية مرتبطة بحدث كوني ليس له مثال في الماضي، موصول بفكرة العدالة واقتصاد الرّفاهية وتمام النعمة والعلم، وهي بديل عما مضى من مواجع البشر وانحطاطهم، هكذا تضع طهران مثال دولتها مجرد تجربة إيجابية على طريق تحقق هذا النموذج وليست بديلا عنه، المهدوية ليس لها تفاصيل سوى في التوصيف العام ولا أحد يملك أن يضع لها دستورا مسبقا، لكن ما معنى المهدوية في برنامج أوردوغان النيوليبرالي؟ لقد أجاد حقّا أبو يعرب المرزوقي حين وصفه ممجدا له بمعاوية الثاني، وهذا يضعنا أمام مفارقة الانتظار، فمعاوية لم يكن ينتظر سوى خراج البلدان وهو أوّل صنيعة بزنطية. ماذا ينتظر أوردوغان؟ عودة الخلافة، انتظار/استرجاع النموذج القديم، هذا البرنامج مرتبط بتجربة خلافة عنوانها خوزقة العقل والبشر وعنوانها الأبرز كما كتب الكواكبي: طبائع الإستبداد. ثمة قراءتان على الأقل للاهوت الانتظار، الأوّل يؤسس له بقوة الممانعة والثاني بالانخراط مع بزنطة الجديدة في لعبة الأمم. منذ فترة ذكرت بأنّ المهدوية في اللاهوت الشيعي قضية دقيقة ومسيطر عليها حتى أنّ من ادعاها حوصر بفقه كامل ولها "كود" به تعرف وتحدد كما تحدد الأهلّة وكما تثبت الأعلمية، وليست عقيدة سائبة كما في سائر البلدان يدّعيها الحمقى والنوكى وتختلط بأسوأ الخرائف. إنّ اللاّهوت السياسي في التجربة الإسلامية جعل الأمر يدور بين الخلافة الواقعة وبين الانتظار، لكن الأوردوغانية تسعى للجمع بينهما، انتظار الأسوأ، وهناك حديث عن الإستئناف لا الخلاص.
    بأي مناسبة يجري هذا الحديث؟
    حتمية عودة الأديان التي جرّت على ريجيس دوبريه انتقادات واسعة، فهو بدا بعد مسار طويل من تشريح اليومي أكثر نزوعا للواقعية، لكن الواقعية تبدو صادمة، وعلينا أن نقرأ الجيوستراتيجيا أيضا تحت طائلة اللاّهوت. هنا وجب الوقوف عند مشروع مهدوي أوردوغاني، مهدي عصملّلي ليس من سُلالة الهواشم الذين كانوا من قبل ومن بعد ضامنين لشرعية الموعود، فمنذ البداية أخطأ أودوغان "كود" المهدي، حين منحه هوية أناضولية. يسعى أوردوغان عبر عدد من السياسات والخطط إلى بسط نفوذه خارج ما تقرره حتمية الجوار الإقليمي، أي احتواء 61 دولة إسلامية في مشروع مهدوي كونفدرالي غريب الأطوار، حيث صرّح عدنان تانوردي وهو المستشار العسكري الأول للرئيس التركي عبر تلفزيون العقيدة (تلفزيون حكومي تركي)على هامش ترأّسه لمؤتمر الاتحاد الإسلامي الدولي بإسطنبول يوم 23 ديسمبر 2019، عن الخلافة العابرة للقارات وعن علاقتها بظهور المهدي المنتظر. ويذكر أنّ الاتحاد المذكور يشرف أيضا على ميليشيات " سادات" عسكرية تسعى لتدريب شباب من مختلف دول العالم الإسلامي وتخريج دعاة وجنود الخلافة الإسلامية،.
    تابع موقع نورديك مونيتور السويدي وثائق حول تنظيم دورات تدريبية ستستمر حتى عام 2023 بإشراف معهد البحوث الاستراتيجية لأنصار العدالة "أسّام" (assam)، وحسب المصدر نفسه سبق أن أنجز معهد سام صياغة دستور فيدرالية الدول الإسلامية يتناغم مع الدستور التركي، ولكنه اعتبر اللغة العربية هي اللغة الرسمية للكونفدرالية التي ستكون عاصمتها إسطنبول، بينما رئيس هذه الكونفدرالية سيكون هو الخليفة نفسه. وحسب الموقع:"وأشار التقرير الى أن تانوردي، المستشار العسكري الأول لأردوغان، أعلن في مقابلته التلفزيونية عن قناعته بأن كونفدرالية الدول الإسلامية ستتحقق، وأنهم من أجل ذلك يعملون لتسريع عودة المهدي المنتظر".
    أما الدول الـ61 التي ستشتمل عليها هذه الكونفدرالية فهي حسب التقرير تضم 12 دولة من الشرق الأوسط جاء ذكرها في متن الدستور: البحرين والإمارات وفلسطين والعراق وقطر والكويت ولبنان وسوريا والسعودية وعُمان والأردن واليمن، كما ستضمّ دول شمال إفريقيا: الجزائر وتشاد والمغرب وليبيا ومصر وتونس.
    والظاهر أنّ أودوغان له خريطته كما لتنظيم الدولة الذي استعجل الأمر خريطته كما لبرنار لويس خريطته. لقد سعى أوردوغان بعد أن استغل النظام البرلماني ليقوضه لصالح نظام رئاسي لتوسيع صلاحياته وامتلاك الفيتو اللازم للنهوض بالتحضير لبرنامج العثمانية الجديدة.
    جاءت خريطة أوردوغان على مقاس خريطة الدولة العثمانية، مع أنها ذكرت المغرب الذي لم يكن جزء من الخلافة العثمانية، ولكن أوردوغان يطمع أكثر من العثمانيين، وهو يشكّل ظهرا لحزب الإخوان الذي يقود الحكومة بالأساليب المراوغة ذاتها ويقوم بتكوين أبنائهم تكوينا ممنهجا لزرعهم في كل المؤسسات والمديريات والمعاهد، فهو لا يفتأ يتحدث عن أمانة العثمانيين، ويريد أن ينقذ ما كان حلما عند الإخوان الذين بايعوه في رحلة الشتاء والصيف متترسين بجمهور عريض والهيمنة على الجمهور بسياسة تلفزيونية تشدّه إلى النموذج بأساليب التشويق، وقد ساهمت حكومات الإخوان في هذا النوع من التغلغل الذي فاق المعقول.
    تتحدّث شبيبة الإخوان في كل البلاد العربية عن النموذج الأوردوغاني بشوق وتشوّف، بينما وبتدليس كبير تتحدّث حكومات "الخلافة" عن ذلك النموذج بأساليب التنمية والنموذج والديمقراطية والتحديث لكنهم في الحقيقة يخفون ولاء عميقا لمُعاوية الثاني الذي يصفه منظر العثمانية الجديدة - أبو يعرب المرزوقي - بالذّكاء أي استعمال أساليب الثعلبة والتدليس لتحقيق الخلافة العثمانية الثانية، فالتدليس هو أسلوب متّفق عليه لقيام خلافة لها ماضي سيّئ في تدبير الإقليم حيث تركت في كلّ إيالاتها عبيدا وحريما أينعت رؤوسهم من جديد فوق مراعي الربيع العربي. هناك أشياء تمرّ اليوم ببراءة مقنّعة لكنها تسعى لخوزقة الإقليم.
    ادريس هاني:29/12/2019

  • #2
    خطاب الإيّالة وانتعاش ذاكرة حريم السلطان في المنطقة
    حين تكتمل صورة الإستئنافية المرزوقية
    (كسر ناب السّلوقي بدحض مزاعم العصملّلي المرزوقي )
    ادريس هاني

    وكما كان متوقّعا سينبري أحد حثالة خدم العثمانية الجديدة من تونس في عين مناضليها الذين لا زالوا ينظرون إلى خطابه شزرا لمّا كان خطابا ملتبسا يمنح ولاء تامّا للمشاريع الإمبريالية المقنّعة، وأقصد به أحد بقايا خدم حريم العصملّلي. الميزة الأساسية لهذا الخطاب أنّه يمارس شكلا من التجهيل والوقاحة إلى حدّ تقويض التّاريخ البديهي للمنطقة، يكتب أبو يعرب المرزوقي مقالا عن العثمانوفوبيا، وهو لا يفعل سوى أن ينحت مفهوما نقيضا لمّا كتبنا تقويضا لمزاعمه عن الإيرانوفوبيا، أتساءل: هل باؤك تجرّ وباء غيرك لا تجرّ؟ حاول أن يظهر بأنّ ما يفعل منذ سنوات هو التحقيق لا الكتابة تحت ضغط المرض، وها هو يقلب المجنّ، لكن القول المتين الذي لم يسمعه فيلسوف السّفهاء وسفيه الفلاسفة هو أنّ العثمانية بالفعل هي موضوع فوبيا، بخلاف ما عداها لسبب بسيط وهي أنّها مشروع خوازيق سياسية، لكن ما لم نفهمه حقّا هو ادعاء الدّجال بأنّه لم يفهم أولئك الذين يخافون أو يعادون تركيا، فالدجّال يختزل تركيا في مشروع أوردوغان، وهو بهذا يقصي قسما من الشعب التركي حيث ديمقراطية أبو صندوق لا تبرّر القول: الشعب أراد، بل قسما من الشعب الموصول بمصالح معينة أراد، وهو لا يريد على طول الخطّ، فكل شيء يدور مدار الفصول الأربعة، لكن ديمقراطية المتطرّف هي ديكتاتورية مقنّعة.
    سنلتقط الألعبان متلبّسا داخل هذا الحجاج، فهو يعلن أنه لا يتعجّب من كل هؤلاء الذين يخافون أو يعادون تركيا من اليونان والفرنسيس والألمان وغيرهم، ولكنه يتعجب من قلة وفاء إسرائيل ونكرانها الجميل، لا نحتاج إلى علم نفس التحليل السياسي لنلقط خطابا موغلا في التطبيع حدّ الحسرة على موقف إسرائيل بسبب قلة الوفاء، فإسرائيل وفق تراتبية هذا الحجاج لم تكن مشروعا خطيرا على الإقليم بل هي فقط تعاني من مشكلة أخلاقية هي قلة الوفاء لتركيا التي احتضنت اليهود وحمتهم، بل هو هنا يواصل اختزاله النّكد حيث يعزز بالمفهوم أنّ إسرائيل كيان لحماية اليهود وليس مشروع احتلال صهيوني ذي أبعاد إمبريالية.
    ولا بدّ أن أناقش هذا المتن الكاذب، حين يقول ناتور العثمانية الجديدة:
    "أن يخاف اليوناني من تقدم تركيا وطموحها لاستعادة ذاتها ودورها ومجدها قد أفهمها لأني أفهم أنه لم ينس أنه كان تحت سلطان الخلافة رغم نسيانه انها احترمت حريته الدينية بموجب عقيدتها الإسلامية نقيضة تعصب الأرثودوكسية. وأن يخاف الفرنسي من تركيا لنفس العلة قد أفهمها لأنه لم ينس أن عربدة أجداده توقفت بمجيء آل عثمان وإن نسى أن اجداده احتموا بالخلافة العثمانية. وأن يخاف البرتغالي من تركيا قد أفهمها لأن الخلافة طردتهم من بحر العرب ومن البحر الاحمر ومن الابيض المتوسط. وأن يخاف الالماني من تركيا قد أفهمها لأن الخلافة أخرجت مؤسس أوروبا الحديثة شارل الخامس من الأبيض المتوسط وأنهت حرب الاسترداد خاصة في المغرب الكبير وأنهت مشروع القيصرية المسيحية في الإقليم.
    وأن يخاف الفارسي من تركيا قد أفهمها لأنهم كانوا ولا يزالون في حرب على الإسلام السني ولم يلجمهم حقا إلا السلاجقة بداية والخلافة غاية. أما أن يخاف الإسرائيلي من تركيا فهو ما لم أستطع له فهما غير نكران الجميل والعدوان العنصري لأن من حمى يهود العالم في حرب التصفية العرقية والدينية في أوروبا الصليبية والاستردادية هي الخلافة الإسلامية".
    يحاول العثماني الجديد كما يحاول عبيده اليوم أن يسرقوا تاريخ المنطقة، تاريخ إنجازاتها وبطولاتها، تماما كما يسرق كل شيء، فالعثمانية الجديدة لا تكتفي بسرقة التراث المادّي للأمم بل تسعى لسرقة التراث اللاّمادي أيضا. بالنسبة لفرنسا، لم نفهم معنى ادعاء احتماء أجداده بالخلافة العثمانية؟ هل يجهل أو يتجاهل ناتور العثمانية الجديدة أنّ الفرنسي حوّل الأمبراطورية الإنكشارية مزقا وسطا بقهر الاستعمار على إيالاتها؟ هل صمد العثماني أمام الاحتلال الفرنسي لإحدى أكبر الإيالات التي باعها للفرنسي وحتى كما تؤكد الوثائق كتلك التي تتعلق فكاك الأسير كيف كان الباب العالي يرفض استبدال الأسرى الجزائريين بالأسرى الأوربيين ولا يفاوض عليهم ويتركهم في السجون وهم من كان في طليعة المواجهة بعد أن فرّ باتجاه شرق المتوسط؟ هل منع العصملّلي احتلال تونس؟ هل منع الانتداب في سوريا؟ هل يتجاهل كيف أجرى صفقة مع الانتداب الفرنسي ليحظى باحتلال لواء اسكندرون؟ ما هذا الهراء؟
    أما عن البرتغال، لم نفهم ماذا يقصد ناتور العثمانية حينما يقول أن العثماني طردهم من البحر الأبيض المتوسّط، أي جهل بالتاريخ وأي إسفاف، فالبرتغال اندحروا في معركة وادي المخازن بشمال المغرب الذي كان هو الآخر يقارع العثمانيين في محاولاتهم المستديمة لإخضاعه للباب العالي، ما هذا الهراء؟ أي نهب هذا للتّاريخ السياسي للمنطقة؟
    كما لم أفهم عقدته الطائفية حين يتحدّث عن فارس وبأن السلاجقة هم من لجم حرب الفرس على ما سمّاه المرزوقي بالإسلام السني، وينسى الجاهل بالتّاريخ أنّ فارس هي من أسّس للإسلام السنّي، والغزّالي نفسه السلجوقي كان خرسانيا، نهايك عن كلّ من فسّر وحدّث وأصّل للإسلام السني(طبريا كان أو غزّاليا، أو بخاريا ومسلما وترميذيا ودارقطنيا...) كان فارسيا، لكن الأهبل ينسى أيضا بأنّ من ساهم في نشر التشيع في إيران هم الأتراك وبأنّ الصفويين نسبة إلى حكم صفي الدين هم أتراك، هكذا يجهل المرزوقي التاريخ العميق للإقليم.
    يعالج أبو يعرب المرزوقي هذه العثمانوفوبيا بترياق ملفّق مبنيّ على الجهل بالتّاريخ وتحريفه إلى أقصاه، لنسمع أيضا إلى زعيقه مرّة أخرى وهو يحصي أفضال العثماني على العرب:
    "وأما أن يخاف أنذال العرب من تركيا ويعادون نهضتها فذلك هو اللغز الذي يحيرني حقا. فلا يمكن لعربي له ذرة من الرجولة وبعض الشهامة أن يتنكر لمن لولاه لما بقي عربي بعد سقوط الخلافتين الأموية الكبرى والأموية الصغرى، فلولا السلاجقة لذهبت ريح السنة والعرب، ولولا العثمانيين لما بقي مسلم في الاقليم. فحرب الاسترداد كانت أقوى حتى من الصليبيات لأن هذه حدثت لما كان الإسلام أكثر تقدما وقوة وتلك حدثت لما شرعت الأمة في الانحدار على كل المستويات الروحية والمادية، ولولا العثمانيين لصار الأبيض المتوسط كما كان يسمى “مارا نوسترا” تابعا لروما التي كان شارل الخامس ينوي استعادتها، ولكان نفس الشيء قد حصل في بحر العرب والبحر الأحمر والخليج، ولكان الحلف بين الصفويين والبرتغالين قد حقق ما تفاخر به إيران الآن من استعادة ما تعتقده حقها في كل ما كان قبل الإسلام من مستعمرات لها مثل المناذرة ومن مستعمرات بيزنطة مثل الغساسنة، وقد تكون إسرائيل بديلا من بيزنطة ولعل روسيا تحلم بذلك الآن. فقد يكون بوتين يخطط لاستئناف دورها، لكني أفهم أن يكون هذا موقف الحكام من أجلاف العرب الذين نصبهم الاستعمار الإنجليزي لخيانة الخلافة والحلف معه لأسقاطها".
    في هذه البكائية "المخنّنة" على الخلافة لا يرعوي ناتور العثمانية الجديدة وهو يسيئ لحقائق التّاريخ، فهو ينسب الشر لإيران والعرب ويعبّر عن الرغبة الكبيرة في ما يسميه الاستئناف، أي العثمانية كمنقذ من الضلال وكمخلّص، فالمرزوقي الذي طالما سخر من فكرة المنتظر يعود ويزفّ العثمانية الجديدة كمخلّص منتظر، غير أن المرزوقي لا يكفّ عن استعمال عبارة عبيد توصيفا لمن خالفه الرّعونة، بينما هو لا يفعل سوى أن يفي وفاء العبيد لأسياده العثمانيين الذين تركوا خلفهم في كل هذه الإيالات عبيدا وغلمانا يتامى فرخوا أحفاذا يحتفظون بذاكرة العبيد، يقول بوقاحة:
    "لكن أجلاف الحكام العرب – حاشا الشعوب التي ليس لها من طموح يضاهي هذا الحلم الذي هو في المتناول – يفضلون انقسامهم إلى نوعين من العبيد والمحميات، فهم انقسموا بدلا من ذلك إلى عبيد الصفوية وعبيد الصهيونية يدفعون الجزية ضعفين لروسيا وأمريكا ولذراعيهما إيران وإسرائيل حتى يتمتعوا بالعودة إلى تناحر القبائل العربية وحروب داحس والغبراء".
    وكم من منسوب الحماقة وجب أن تتوفر فيمن يصبر على نصّ موتور كهذا، فهو يعتبر أن إيران وإسرائيل ذراعان لروسيا: سلخا ملخا أرخا أروخا..بأيّ عبارات سحرية أو رطانة وجب أن نكتب هذا الهُراء الذي يشبه نزيف التحليل الإستراتيجي لبراقش المنطقة. يتجاهل المرزوقي أنّ قائد العثمانية الجديدة يحتفظ باتفاقية أمنية مع إسرائيل ومع الناتو، لكن العبد يُعاند ويجعل من الحليف للإستعمار بطلا مخلّصا وينسب له ميزات في الحاضر والماضي والمستقبل كاذبة.
    في هذا المقال عبّر المرزوقي عن أنّه عميل للعثمانية الجديدة، ويمنحها تفسيرا يوفر لها البيئة الحاضنة بثقافة جرباء لا تستقيم على أي توثيق تاريخي لقوة ملأت المنطقة بالتّآمر والخوازيق، أمّا الحديث عن الوضع العربي فهو كئيب، وهذا الخطاب هو جزء من هذه الكآبة، لكن الحلّ ليس بمزيد من الإستعباد، فالمرزوقي ينسى ثورات العرب في بلاد الشام التي قاومت العثمانيين، وينسى تمردات شعوب جنوب المتوسط ضد هذا الإسفاف، ويتجاهل تاريخنا في المغرب الجوانّي كيف حاربنا العثمانية المتسلّلة وكيف خضنا معارك مع الإسبان والبرتغال والفرنسيين في آخر معارك كان فيها العثماني ينكمش شرقا.
    يزايد المرزوقي على من يرفض المشروع الأوردوغاني المنطوي على مشروع استئناف حكومات الإخوان في المنطقة بأن هؤلاء يرفضون النهضة التركية، بينما الحقيقة هي أنّ هناك رفض لمشروع أخونة الجغرافيا السياسية عن طريق الأوردوغانية، وهذه المعارضة هي من داخل تركيا أيضا، وأما الشعوب التي يتحدث عنها المرزوقي فهي موصولة بالمسلسلات التركية وليس بالمشروع الأوردوغاني، علما أنّ الكثير من نجوم تلك المسلسلات هم مناهضون لأوردوغان، هذا الأخير لن يأتي عبر حكومة النهضة إلى المنطقة لينقذ المسلمين كما يزعم المرزوقي وإنما هو يأتي ليتوسّع برسم الخلافة العثمانية الجديدة. سيكون الوضع غريبا وبدايات الانقسام بدت في شمال أفريقيا قبل التصويت على مذكرة التعاون الأمني بين أوردوغان والسراج في البرلمان التركي، ففي المنطقة يوجد شخص يشبه "مالك الحزين" لا زال ينظّر للعثمنة الجديدة وهو من يفضح ما تحبل به هذه العثمنة من أدواء وسموم تجزيئية، فالدّجال الذي كان يعتبر روسيا وإيران والصين وغيرها يتدخلون تدخلا غير شرعيّ في سوريا ها هو يعتبر التوسع العثماني الجديد حلما للمنطقة وتحريرا وحقّا يناهض به كل حقائق السياسة والجغرافيا والتّاريخ.
    لا أحد ضدّ تركيا ولا يمكن أن يكون ذلك، لكن المرزوقي الحاقد يعتبر كل دفاع عن النفس وكل مقاومة هي ضرب من الكراهية، نريد لتركيا أن تنهض بمناضليها وأحرارها الذين يقارعون العثمانية في الداخل، نريدها أن تنهض بعلاقات كما زعم أوغلو يوما صفرية المشاكل، بالتعاون المثمر والتكامل وليس بالهيمنة والتآمر والتمكين لقوى خاصة في الإقليم، إن المرزوقي لا يحبّ تركيا ولكنه يعشق الإيالة العثمانية، يحلم بالباب العالي وليس بتركيا قوية وحديثة وحرة. إن أبا يعرب المرزوقي هو عنصر من عناصر التمكين لهذا المشروع الإخوانو-عثماني المثقل بكل السّلبيات النفسية والأحقاد والثأر، وككل العبيد فهو ينسب لسيده كل الحسنات ويسلب عن مخالفيه كل فضل، لكن لنطمئن المرزوقي بأنّ ما يعتبره عثمانوفوبيا هي مقاربة تنتمي للمنخوليا السياسية، لن يستطيع أودوغان تحقيق أحلامه في جنوب-غرب المتوسّط، وبأنّ مشروعه ظهرت ملامحه في سوريا عن طريق فروع العثمانية الجديدة من الدواعش.
    يبحث المرزوقي عن "مخترة" في العثمانية الجديدة بعد أن أفلس فلسفيا وسياسيا، غير أنّ مختار المخاتير كذّب قراءته للمشهد التونسي، فحتى قبيل انتخابات قيس سعيد حمل مختار حارة العصملّلي على هذا الأخير معتبرا إيّاه مجنّدا في مشروع صفوي، "تشقلب" المختار، ولم يترك لنا سوى أن نذكّره بمأثورة الرحابنة، وتغريدة فيروز:
    يا مختار المخاتير بحكيلك الحكاية
    أنا ما بحب الشرح كتير و لا في عندي غاية
    ........
    صار في خناق و صار في ناس كلن شهدوني
    و كراكون و هيصة و حراس لعندك جابوني
    تاري في محاكم في محكوم و حاكم
    شو كان بدي بهالتعتير
    أجل، شو بدنا بها التعتير يا سفيه الفلاسفة وفيلسوف السفهاء، أي بيئة تراهن عليها بهذه المنخوليا السياسية، وأي خازوق تعدّونه للمنطقة، وأي حلم تعيس هذا الذي تسمّيه الإستئناف على شرط التّيمية والعثمانية الجديدة وأحلام اليقظة، يبدو لي أنّ الإخوان سيتتبعون أسلوب هرتزل في اقتطاع دويلات، والعمل على مقتضى اللّوبي الصهيوني، إنّ هذا العام هو عام الهروب الكبير، وهو عام الفتنة الأوردوغانية، فالتحدّي الدّاخلي لا يمكن تجاوزه بافتعال تحديات خارجية، لقد سبق وقلنا لمختار المخاتير أنّ أوّل من سيدفع ثمن هذا الهلع هو مختار مخاتير العصملّلية الجديدة وبأنّ ارتدادات الوضع السوري ستصيب شمال أفريقيا، نحن أمام خطاب يؤسس لفوضى قادمة لم يشهدها الإقليم من قبل، أمّا عن العثمانوفوبيا فهي منحوتة مضلّلة، لأنّ لا شيء يخيف ولكن لا بدّ من الإشارة: ولقد أشرنا إليكم فلم تفهموا كما قال السهروردي...
    ادريس هاني:2/1/2019

    تعليق


    • #3
      الخطاب العقور والنّباح على جنازة رجل
      أبو يعرب المرزوقي ينعى اللواء سليماني على طريقته
      ادريس هاني
      نواصل جلد هذا السّعار لمرضى السليمانوفوبيا، هذه المرة وكما هو متوّقع من باحث عقور ومُعثمن لا يحسن غير التهوين والتهويل مطلقا، كيف يقرأ فيلسوف السّفهاء عملية اغتيار اللواء سليماني الذي سبق أن وصفه في عصملّياته التّيمية بالإرهابي، طبعا كلّ هذا الحقد لأنّه أطاح بسُلالة داعش وخرّب أحلام التكفيريين. يكتب على منهجه في الوقاحة والشّماتة مقالا تحت عنوان: "مقتل سليماني، علام يجدر التعليق؟"، عنوان يحاول الاستهانة بالحدث، مع أنّ من نفّذ الاغتيال يعتبره حدثا كبيرا، بل ومع أنّه ينتقد موقف العرب من هذا الاغتيال واصفا إياه بالغباء يتجاهل أنّ مثاله الأبهى – أوردوغان – هو نفسه اعتبره حدثا كبيرا ومحزنا، نحن في واد والكاتب العقور في واد آخر حيث يرى أنّ مقتل سليماني لا يستحق التعليق، لكن العقور علّق، بل علّق مرتين كما سنرى.
      أحيانا أرى نفسي متورّطا في ملاحقة العقور، فهو يستنزف المعنى بغوغائيته، ولا علاج لأمراض هذا الخطاب ولا رادّ لوقاحته، وربما بدا لي أحيانا ولبعض المراقبين أيضا أنّني شديد القسوة في النقض عليه ولكنني أجد نفسي مسؤولا عن جلد هذا العبد الآبق، الذي يزفّ جبنه بلغة التّحدّي ويغالط الرأي العام بخطاب مسعور، فماذا عسى الإنسان أن يتصرف أمام أقل ما يقال عنه أنّه غير مسؤول ويقف دائما في صفّ الغزاة. لنستمع إلى الغراب الأعور وهو يقدم قراءة نشاز خارج منطق الأشياء، هو فيها شبيه بخردة الخطاب التكفيري نفسه، يقول: "هل يستحق قتل قاسم سليمان التعليق؟ طبعا لا لو لم يكن بعض العرب، بغباء لا نظير له، يعتبرونه، بل هم من اعتبروه، رمزا للبطولة. لكنه عندي مثله مثل إيران، كلها وما يسمى بمحور المقاومة مجرد دمى في استراتيجية إسرائيلية أمريكية لتمهيد الأرضية لسايكس بيكو 2".
      هو وفيّ لمقروئية سمجة، لأماني معلّقة، لمرض نفسي مزمن لا يقبل حتى بالبداهة، تقتل واشنطن سليماني وتكاد الحرب تنشب بين البلدين والكل يترقّب لكن معتوه القلم يقرأ الحدث بالتّمنّي، وبالفعل، متى كان الجبان يحدد من يكون الشجاع؟ سبق لتلميذ معتوه لهذا الباحث العقور أن عاكسني ذات مرة بأنّ أستاذه هذا أكبر من المقاومة، وهذا بالفعل ما يجعله ماضي في هذه الهلاوس المنكرة حيث يعتقد أنّه في كامل الوزن الجغرافي والتاريخي لتقديم وصف وتشخيص لحالة المقاومة ووزن اللواء سليماني، فالأسوأ حقّا حين يصف العبيد الأحرار، والمجاهيل الأبطال، حتى من قتلوه اعتبروه بطلا، لكن ماذا عن التّفاهة؟ لسنا أمام أحمق رسمي لأنّه يعاكس منطق الأشياء فحسب بل نحن أمام أحمق لا زال يعتبر كلّ من خالفه مسبقا أحمقا، يقول:
      " جعل بعض النخب العربية -التي ليس لغبائها مثيل-يتصورون أن إيران ستحرر القدس بديلا منهم وأنها ستحميهم من إسرائيل. وهذا هو ما يسمى بمحور المقاومة بنوعي مليشياته:
      • مليشيات السيف
      • ومليشيات القلم مع الانظمة التي تدعي المقاومة في الهلال والقوميين".
      يستند الكاتب على تفخيخ الخطاب بجيل من الوقاحة ومفرداتها، لا شيء بات مهمّا في هذا التجريح المنخولي، فهو يمنح نفسه الحق لإنتاج خطاب متملّق للعصملّلي، لكنه ينعت مخالفيه بميليشيا القلم، فلتكن إذن كذلك، وهذا الوصف إنّما يُصار إليه لأنّه بات موجعا وكاشفا عن التلاعب بالحقيقة، لعلّ حثالة العثمنة ضاقت ذرعا.
      وثمة مرحلة في نظر الكاتب بدأت اليوم، يتذاكى فيها الغبيّ ويطلق العنان للتهوين الذي يؤسس لتهويل قادم، فلقد بدا لقارئ المشهد بأن عملية قتل سليماني دليل على استغناء أمريكا عنه وعدم حاجتها اليوم إلى إيران، يفعل ذلك طبعا ليبرّر نكسة كل قراءاته الحاقدة سابقا والتي كان يُعاند فيها بوسائل البروباغاندا على أنّ إيران أداة لواشنطن، لكنه اليوم يواجه حقيقة تدحض هذا العناد فحاول أن يحبك على المنوال السابق مستغفلا القارئ ومستغبيا ذكائه. والأغرب أنه يشكك في عروبة من يقف مع المقاومة، مع أنّه لا زال يطبّل ويزمّر – كما فعل قبل أيام فقط من كتابته لهذا المقال – للعثمنة والتتريك، ثم يجد الطريق الأسهل للإقناع عبر إثارة النعرات الطائفية المتأصّلة في قلب هذه الحُثالة التّيمية، فتراه ينبح:
      "المرحلة التي بدأت الآن بعد أن استسلم “اغنياء العرب” وتوابعهم من “فقراء” العرب لإسرائيل لم يعد لأمريكا حاجة لإيران ولا خاصة لقاسم سليماني الذي هو “زورو” إيران وعربها ممن عروبتهم اسمية، لأنهم أكثر طائفية من الصفوية: فبعضهم من أهل الشقاق والنفاق، وبعضهم الآخر من بقايا دولة الباطنية".
      يحلم " الصّالوبّار" بأنّ ثمة موجة جديدة من الربيع العربي، لا يكلف نفسه عناء قراءة المشهد في ضوء المعطيات الكبرى، هو يستند إلى الاستراتيجيا بالتمنّي فقط حين يتعلق الأمر بتهوين موقف محور المقاومة لكنه لا يستحضر لعبة الأمم في هذا التسلسل الربيعي الذي له موسم في النشرة الجويّة التي يقدّمها الناتو. ولأنّ العقور يعاني من المرحلة الأخيرة من الإيرانوفوبيا، فهو لا يراها إلاّ مهزومة، ومكسورة، لأنّه يحمل في جيبه كالكنغر وعدا بائسا بالعثمانية الجديدة التي بشّر بها المشرق والمغرب. وبينما المنطقة تراهن على الهدوء والابتعاد عن أساليب الشماتة لأسباب سياسية وأخلاقية، إلا أنّ الكاتب العقور مصمّم على خرق العوائد والتعبير عن منتهى الإرهاب بالإسفاف. وفي هذا السياق يعتبر أنّ ما يسميه الأمبراطورية الفارسية ستعود إلى موقف الدّفاع عما اعتبرته مكاسب ويعتبر بداية ذلك قد تحققت بعد صمود ما سماه الثورة السورية، فأبو يعرب المرزوقي يعتبر أنّ تسع سنوات من صمود الإرهاب الداعشي والقاعدي في سوريا هو صمود الثورة مما يؤكد أنّ أبا يعرب المرزوقي يخلط بين الثورة والإرهاب، وهو دائما كان ينظر لنشاط النصرة وداعش في سوريا باعتباره ثورة. لكن وفي هذا الضوء لم تكن القراءة المرزوقية موفّقة لأنّ ما يحدث في سوريا هو المرحلة الأخيرة في اختناق الإرهاب وهروبه باتجاه ليبيا في مشروع عثمنة جديدة للمنطقة ما فتئ " الصّالوبّار" المرزوقي يبشّر بها ويصيح ملئ لغاديده كالدّيك الرومي، يقول حاشاكم:
      " ستنتقل إيران رغم العنتريات التي سمح لها بها إلى محاولة الدفاع للحفاظ على ما تصورت أنها استعادته مما تسميه امبراطورية فارس. والأمر بدأ بعد أن صمدت الثورة في سوريا. أبطال المرحلة يمكن اعتبارهم من فجر الموجة الثانية من الربيع العربي بفضل صمود تونس وليبيا وسوريا، شرارة خافتة في السودان، وأكثر إنارة في الجزائر، لكن البداية الفعلية هي ما يحدث في العراق".
      ومن كأس البلادة يسقينا حثالة الإيالة العثمانية وبقايا عبيدها، فهو يتحدّث عن ربيع قادم، ويتحدث عن العراق ولبنان وإيران، ما هذا الوعد لشعب لا زال العقور يستهين بملّته، فكيف تستقيم الإدانة الطائفية والتمجيد بشعب هو في المقروئية التيمية المرزوقية يعدّ باطنيا صفويّا، ما هذا الشقاق والنفاق؟ لكن المرزوقي غير معنيّ بالمفارقة فهو يصيغ خطابا للتشويش وقلب الحقائق، خطاب الحرملك وعبيد المنزل، وأمّا التحليل هنا فهو أشبه بنوطة من القوادة "الفكرانية"، استسهالا للثورة وإسهالا في أحلام اليقظة ولكن كل شيء هالك في هذا الإسهال التكفيري إلاّ ما يسمّيه النهضة التركية، والتي يقصد بها "نواعير" أوردوغان وليس عموم الشعب التركي الذي يعد بثورة شعبية حقيقية سننتظر ماذا سيقول في حقّها أبو يعرب العصملّلي، فأحلام الكاتب غير محدودة والتحليل هو تمنّي ينطح تمنّيا، ولكن كلّ شيء يمرّ بالإيحاء، لا فكر ولا سياسة ولا منطق، هناك فقط أحجيات طائفية وجدت طريقها في جوف مطليّ بمفاهيم مضلّلة، يقول:
      " لكن لشباب سوريا ولبنان دور مهم في الموجة الثانية الواعدة بحق. فهي لا محالة ستمتد إلى الخليج، وإلى إيران، وستعود إلى مصر قريبا وقريبا جدا، خاصة إذا اضطرت إيران في عملية الدفاع عما تتصور أنها قد التهمته من أرض العرب إلى حماقات قد تكون نهايتها على أيدي من يتصور أن فرصته حانت للاستحواذ عن الفريسة العربية وضرب النهضة التركية لتحقيق سايكس بيكو 2".
      يكشف أبو يعرب المرزوقي عن أوراقه، خطاب إخواني صرف لكنه انتهازي أيضا ومتطرف حدّ التكفير بأساليب التصنيف والتمييز، فالثورة عنده ستؤول إلى الخلافة، وكأنّ شباب العراق ولبنان اليوم يسعون لتحقيق هذه الخلافة، فهذا أمر في نظر فيلسوف السّفهاء بات محسوما، فقط لا بدّ من وضع مخطط لحماية العواصم الأربعة للخلافة، التي يعتبرها مراكز روحية مستهدفة بمشروع سيكس بيكو2: "وهنا لا بد من تنبيه دقيق لحماية عواصم الخلافة الأربعة في تاريخ الأمة: المدينة ودمشق وبغداد وإسطنبول، فهذه المراكز الروحية هي المستهدفة لأن سايكس بيكو الأولى تعلقت بها، وفلسطين كان سنجقا تابعا لولاية سوريا. وسايكس بيكو الأولى كان من عناصرها، بل ومن عللها، وعد بلفور ويراد تكرارها. فما يسمى الصفقة الكبرى هو تتمة لوعد بلفور، ويراد له أن يكون ضمن سايكس بيكو الثانية التي يريدون استعمال أحفاد الأولى ومعهم علمانيو الأكراد لتفتيت العراق وسرويا وتركيا، مع استعمال عملاء إيران من العرب في الخليج وفي اليمن وفي بعض بلاد العرب في عملية الدفاع الإيرانية، حربا علينا بنا. لذلك فلا بد من الحذر الشديد لأن أمريكا وإسرائيل وروسيا، ومعهم إيران وعملاؤها، سيستهدفون تركيا خاصة وما يصل عواصم الخلافة الاربعة من مصير مشترك".
      تنتهي الرحلة إلى حافّة القرار التركي بالتدخل في ليبيا، فيهدأ سُعار وصيف العصملّلي، يطمئننا العقور بأنّ في كلّ هذه المعادلة لا يصحّ إلاّ مشروع أودوغان، وفي قراءة تخرجه من هذه الملّة صنّف مصر ضمن محور إسرائيل واليونان، وهكذا أظهر المرزوقي بأنه يقرأ حركة الإقليم من منظور سلجوقي يحنّ إلى عصر البايات، يقول مغالطا:
      "وإذا كانت تركيا حاليا تحاول التدخل في ليبيا فليس لطمع في استعمارها، لأنها تعلم أن ما كان ممكنا في القرون الوسطى يستحيل الآن، بل لأنها تدرك أن حصرها يسهل على أعدائها وهم ثلاثة في الأبيض المتوسط-إسرائيل مصر اليونان-إلا بمنفذ منه يتوسط ببين مشرقه ومغربه وبين شماله وجنوبه: استراتيجيا".
      ما يجهله الباي "زعطوط" هو أنّ العصملّلي ليس في وارد مواجهة تحديات المستقبل، بل هو هارب بتركته من الإرهاب الذي فتح له حدوده الواسعة في محاولة لعثمنة شرق الفرات، وبأنّ القادم هو صبّ بقايا الإرهاب في ليبيا، حينئذ ستنتهي أحلام الزّنديق، إن العرب بالفعل في نوم عميق لكن ليس كما يصفهم المرزوقي بل لأنهم غير منتبهين للعثمنة الهاربة بين الضفاف، عثمنة يعيد صياغتها النظرية سفيه الفلاسفة وفيلسوف السفهاء الغاطّ في مغالطاته، ودائما يعود الوجع الطائفي وهو يعتقد في كل خطابه بأنّ انتصار مشروع العصملّلي هو انتصار لمشروع عابر للطوائف والأعراق، مثل هذا العته لا زال يسكن جيوبنا ويشكّل بيئة حاضنة للإرهاب المقنّع، هكذا يعبّر العقور عن بؤس الخطاب بالقول:
      "لكن العرب لسوء الحظ ما زالوا يغطون في نوم عميق، ومن أكبر علامات ذلك، وهم الثورة المضادة العربية أن عميل إسرائيل السيسي يمثل قوة ويمكن أن يؤدي دورا في حمايتهم من الحرب الإقليمية التي قد تندلع في أي لحظة إذا لم يحصل انقلاب في إيران ليسقط نظام الملالي قبل لعبة “شمشون” الأحمق. وكلي ثقة بأن قيادة تركيا حذرة وتستعد ليوم النزال، لأنها تعلم أن أعداءها لا يريدون الوصول إلى 2023 دون أن يفعلوا شيئا ما يوقف تقدمها نحو شروط المناعة...وإذا لي أن أنصح بشيء، فهو الحذر والحذر كله من بوتين الذي قد يغدر بتركيا في أي لحظة، لأن إسرائيل لن تغامر من دونه، ولا تكفيها أمريكا".
      ويزداد شماتة ومغالطة في مقال آخر تحت عنوان:" تحليل استراتيجي؟
      أم حرب نفسية على الذات؟"، وهو بمثابة تعليق على من اعتبرهم محللين عرب في منتهى الحمق، نلاحظ هنا أنّ المرزوقي يقفز كالسعدان من طور إلى آخر، فحين ينتقد إيران يرفع شعار العروبة ولما ينتقد من لا يوافقه من العرب ينعتهم بالعملاء والغباء ويسخر من العرب والعروبة، وحين يحلل مشروع العثماني يهلل ويصفق وتصبح العروبة نفسها غباء، فهو يعتبر ما يفعله بعض العرب تهويلا عجيبا لكأنّ " إيران صارت أقوى من نظام ألمانيا في عهد الحرب العالمية الثانية ومن نظام اليابان فيها ومن نظام السوفيات بعدها".
      لكن الجاهل المتأستذ على مخالفيه يجهل انقلاب الجغرافيا السياسية وثأرها، ويجهل أنّ روسيا التي كانت محور الاتحاد السوفياتي لا زالت تحتفظ بكل قدراتها العسكرية وبأنّ الصين اليوم ليست الصين بالأمس، هناك جهل بكل هذه الاستدراكات والتحولات العالمية. ولكن خطابه يعكس الجبن وكذلك مرض التهوين، ودائما التمنّي يصل به حدّ الوقاحة حين يقول وهو يعوي:
      "الثابت أن إيران إذا تجرأت وضربت إسرائيل أو اي سفينة أمريكية فإن القتيل التالي سيكون ربما خامنئي نفسه".
      أما قراءته لتوازن الرعب فهي كمّية حدّ الغباء، هو لا زال يجهل الفارق الاستراتيجي بين الحروب الكلاسيكية والمقاومة، ويقدم لبلد عارف بحسابات الحرب درسا بليدا: "ذلك أن المناوشات مع دولة ميزانية جيشها ضعف دخل إيران القومي الخام ليس مغامرة فحسب، بل هو عين الجنون: فالحروب علم ومال. وكلاهما معدومان عند إيران".
      لكن الكاتب الجبان لا يشكك في قوة أوردوغان التي يرتقي بها إلى سحر الأساطير، وهكذا يصرح بقيّة أقنان العصملّلي في المنطقة بأن أحقر إنسان لديه هم أولئك الذين يخوضون الحرب النفسية ضد شعوبهم عندما يهولون من قوة إيران التي لولا خيانة العرب للعراق في حرب الثمانينات لكان العراق قد جدد فتوحات الاجداد ولخلص الإقليم من الملالي ومن ثم أمراض الفرس الذين يرفضون عبادة رب العباد".
      وعلى الإنسان حتى لا يكون حقيرا أن يلحس حذاء العصمللّي كما يفعل القنّ، ويسمح لمرض الإيرانوفوبيا أن يصيب جهازه النّفسي، ثم يصبح تلويح العقور بهذا التوصيف التمييزي والعنصري الذي يمسّ العرق نفسه أمرا عاديّا، ولا أدري هل الثورة المجيدة التي يحلم بها المرزوقي في إيران سيقوم بها غير الفرس الذين يعيّرهم بقوميتهم، مع أنّ سُلالة فارس هي أعرق الأمم والأقوام مع أنني أحسبه سقطا من سلالة خدم البايات كما يدلّ نزيف خطابه المُعثمن، لكن القنّ لا يحسن المضي بمغالطاته دون أن يفضح نزعته العنصرية وتناقضاته المنخولية. إنّ آخر من يملك أن يتحدّث عن الوطنية والشهامة هو هذا الملط الأفّاك الذي يوزع صكوك الغفران، وقد وصف من خالفه الرأي بالطابور الخامس حيث يرى أنّ "منهم الكثير يعلم الجميع أنهم مرتزقة والمؤسف أن أغلبهم فلسطينيون ولبنانيون يخونون أوطانهم بحجة الدفاع عن المقاومة التي لا تقاوم إلا الأمة لصالح أعدائها-فيهم من يدفعهم المال وفيهم خاصة من يدفعهم الانتساب إلى بقايا الباطنية أو بقايا الصليبية".
      وهذا تحديدا ما يسمّيه القنّ بالتحليل السياسي، بينما لم يترك بابا إلاّ طرقه طلبا للحظوة، ولا نريد التذكير بهذا، فالقنّ ترنّح في كلّ اتجاه وأخير استقرّ به النوى في معسكر الدفاع عن العثمنة بمغالطات لا توقّر منطقا ولا قيما. يستحقّ المرزوقي لقب قواد العثمنة الجديدة في المنطقة، وبلسانه هذا الذي يلهث ككلب عقور سيجعلنا نواصل المشيء بحذاء من حديد فوق لسانه الطويل، وسنواصل ركل هذه العنترية التي يفتعلها ويستغبي بها الأجيال ويبكي بها حظّه العاثر، فشخصيا سأتولّى تربية هذا القنّ وفرك أوذانه وقطع لسانه، ذلك لأنّ المشهد ليس متروكا لرعونته ولا لحيص بيص مما يجود به قلمه المسموم، لم يترك عرقا ولا دينا ولا طائفة ولا قوما إلاّ وأساء لهم بحقد طائفي جبان، ولم يفتح "بوز" هذا الجبان يوم كان بنعلي يتحرك فوق الرؤوس، لم يكن الجبان يجرأ ويتحف الناس بهذه القراءة اللقيطة، وها قد فاض كأس وقاحته اليوم، ولم أر أحقر منه وهو يقول:
      "وقد سمعت أحدهم يدعي -وهو حتما من بقايا الصليبية وهو من عرب لبنان واسمه يدل على أنه ليس من أشراف المسيحية بل من أنذالها، يزعم أن أوان استعادة اسطنبول للمسيحية قد حان وأن العرب المسلمين ينبغي أن يخرجوا من الشام وأن يعودوا إلى الجزيرة العربية: وجل المطبلين لحزب الله من هذا الجنس".
      إنّ الفرصتان التي يبشر بهما المرزوقي الأمة هي ثورة شباب الأمة وعودة الأتراك: "ولما جاءتهم فرصتان: ثورة شباب الامة وعودة الاتراك إلى استئناف مجد أجدادهم تحالفوا حتى مع الشيطان للحيلولة دون تحويل سنة الإقليم إلى القوة الأولى فيه التي كانت ستحرره من الاستعمار الروسي الأمريكي وذيليه الصفوي والصهيوني فانقسموا إلى ذيلي الذيلين: هل هؤلاء عرب ومسلمون؟".
      وكما قلت مرارا وأنا بصدد سحق لسان القنّ بأنّ العثماني الجديد لا زال مرتبطا باتفاقية أمنية مع الصهيونية فلم العنترية والتدليس؟
      يمضي خطاب المرزوقي في تجبين الأمة من كل خيار غير خيار العصملّلي، حتى أنّه يستكثر خروج أمريكا من العراق، ويعتبر تحرر العراق مسألة موصولة بما يسميه بروح الفلّوجة:" أمريكا لن يخرجها من العراق ومن الإقليم لا هؤلاء ولا إيران ولا المقاومة المزعومة بل الثورة لما تواصل الانتشار الذي وصل إلى العراق ولبنان بعد أقطار الربيع التي صمدت وتنتظر المدد من بقية الاقطار ضد عملاء إيران وعملاء إسرائيل وحينها لن تجد أمريكا من يحمي بقاءها فتعود روح الفلوجة. أمريكا لن تخرجها الانظمة التي تحتمي بها ولا خاصة الحشد الشعبي الذي ليس هدفه ضرب أمريكا بل مساعدتها على ضرب المقاومة السنية حتى قبل أن يخترقوها فيجعلونها بحماقة داعش التي كادت تقضي على ثورة الشعبين العراقي والسوري، وهي تحاول الآن في ليبيا مع العميل حفتر والسيسي ومن يمولهما، فهم أحوج الناس لبقائها".
      لقد قرفت من هذا الخطاب، وهو يتصبب صديدا، فالكراهية هنا لا حدود لها، والقنّ كيس من قذارة، يحسب السفيه أنّه قد أقنعنا بهرطقته، بعد أن وزّع الإساءة على كل قوم وملّة وكأنّه ورث العجرفة من بقايا حرملك الإيّالة، تكمن روح الأقنان في هذا الخطاب المؤسس للقابلية للاستعمار، ويبلغ به لسانه "المُعكرت" أن يستهين بحدث إقليمي هزّ أركان العالم، وهو لا يتوقّف على رأيه، لكن هذا السّفيه ينطق بما لا يجرأ على النطق به آخرون، لكن ماذا يا ترى؟
      فالقنّ يتظاهر بعدم الاكتراث، ويتقاسم معنا حقارته، علما بأنّ العصملّلي الكبير قدّم العزاء، لكن المرزوقي يشعر بأنّ استشرافاته السياسية الألعبانية سالت بها مجاري المياه، وهي لم تعد تصلح للمرحلة القادمة، فالذين اعتبر الحديث عنهم غير مهمّ قد تدفق خلفهم ملايين البشر، ما هو وزن المرزوقي في سياق الحدث؟ ولئن منحنا تفاهته هذا الاهتمام فلكي نكسر ناب الصّلوقي وندحض بهتان القنّ ونضع القوادة الفكرانية في دائرة الضوء ونكسر "بوز" الدّجال: ما أحقرك!
      ادريس هاني:6/1/2020

      تعليق


      • #4
        أحلام العصملّلي ومستنقع إدلب
        ادريس هاني

        لازال تقدم القوات السورية في إدلب يزعج أوردوغان، وهو لهذا حذّر الجيش العربي السوري من مغبّة أي تقدّم في إدلب ودعاه للانسحاب من المناطق التي حررها من قبضة الإرهابيين، فمن يحدد السيادة يا ترى؟ لقد أمهل أوردوغان سوريا شهرا من الزمن لكي تنسحب، فمن يدعوه بالمقابل إلى الانسحاب من الأراضي السورية؟ وسنسمع في المقابل رطانة سياسية مفادها أنّ بقاء قواته في سوريا لن يبقى إلى الأبد، لكن من قال له أنّ الكرة الأرضية ستبقى إلى الأبد؟ كما يقول أيضا أنّ انسحابه مؤقّت بنهاية تواجد الإرهابيين في المنطقة؟ لكن من أتى بهم إلى سوريا؟
        ولا شكّ أن للمغالطة تفسير، هو نفسه التفسير الذي تحمله في ثناياها، أي إنّ سوريا في تطهير إدلب من الإرهابيين تفسد تدبير أوردوغان لهذه الورقة، بينما ليست سوريا معنية بمشكلة أوردوغان الذي لا زال حائرا بخصوص تصريف بقايا الإرهاب والمكان الذي يمكن أن ينقلوا إليه، فحتى ليبيا لا يمكنها أن تستوعب كل هذا العدد من المقاتلين، لا أحد يريد تفهّم أوردوغان الذي يسعى لأن لا يكون الحل في سوريا مقدّمة لمأزق بالنسبة لأنقرة. وليس السوريون وحدهم من يدرك هذه الحقيقة ولا روسيا بل يدرك ذلك المعارضون لنهج أوردوغان من داخل تركيا نفسها.
        لا يملك أوردوغان أي مصداقية في الحديث عن الجماعات المسلحة وعن إدلب، فهو كلما تحدّث أضاف دليلا على أنّه معنيّ بعرقلة مساعي الحلّ، ولقد اتهمه الروس أنفسهم بعدم احترامه للاتفاقية وبأنّ الجماعات المسلحة هي من اعتدى على مواقع الجيش السوري. ولا يرى أودوغان في عدوانه على سوريا منذ سنوات ما يكفي بل يعتبر مجرد تقدم سوريا في أرضها هو عدوان على تركيا، وقد استعمل خطابا استعلائيا في مخاطبته للسوريين في محاولة للتهديد والحرب النّفسية، وقد تكون هذه المغامرة التي ستكلّف أوردوغان ثمنا باهضا، لأنّ سوريا ليست لقمة سائغة للعثماني الجديد، فلقد حارب أوردوغان سوريا من خلال المسلحين الموالين له وهو يراهم اليوم يندحرون أمام عينه ولو تركهم لانتهوا في بضعة أسابيع، لكن من قال يا ترى بأن أوردوغان معنيّ بالسلام وعودة الإستقرار إلى سوريا؟
        لقد صرح العثماني الجديد بأنّ الرّد سيكون مباشرا على الجنود السوريين كلما تعرض جنوده - يقصد جنود الاحتلال - للهجوم وكذلك استعمل عبارة جنودنا وحلفائنا، فهو من ناحية يسمّي المسلحين الإرهابيين حلفاء له كما يعتبر حرب سوريا على الإرهاب بمثابة اعتداء على حلفائه. فالعثماني يسمي الجيش العربي السوري وهو الجيش الوطني الوحيد الذي يحظى بشرعية الدفاع عن حوزة الوطن بقوات الأسد بينما يسعى ليجعل من جماعات النصرة والإرهابيين جيشا وطنيا سوريا، لقد وضع العثماني الجديد الرأي العام أمام معادلة صعبة حين قال: "من يسأل عن سبب تواجد الجيش التركي في سوريا إما جاهل أو يكنّ عداء متعمدًا للشعب والجمهورية التركية" (تصريح يوم الاربعاء 5/2/2020).
        إنّه يدرك أنّ تدخّله في سوريا ليس قضية شعبية في سوريا بل هو قرار حزب العدالة والتنمية وحلفاؤه داخل تركيا، وهو ما كلّفه مناورات سياسية معروفة خلال التسع سنوات الماضية، كما يجعل من رفض التدخل التركي في سوريا وكل هذه الفظاعات التي ارتكبتها الجماعات المسلحة من تخريب هو كراهية للشعب التركي. وهذا يعني وفق المفهوم بالمخالفة أنّ حبّ تركيا يقتضي الاعتراف بحقها في تدمير سوريا وحماية المسلحين وعرقلة التسوية واحتلال شرق الفرات وتغيير الديمغرافية في المنطقة، وسنجده يتحدث بالحساسية نفسها في شرق المتوسط وبخصوص ليبيا. ولقد عبر أيضا عن أن قواته عند اللزوم ستتحرك بكل حرية في كل مناطق العمليات لكنه في الوقت نفسه لم يسمح بأن يتحرك الجيش العربي السوري بحرية فوق ترابه الوطني، وهو لهذا ما فتئ يطلب من الروس أن يتفهّموا حساسيته في سوريا، أي أن يسمحوا له بتعزيز نفوذه في الأراضي السورية وعرقلة عمليات تطهير إدلب من أوكار المسلحين.
        لم يعد هناك منطق يحتكم إليه هذا الخطاب الإستكباري الذي يمارسه أوردوغان ضدّ سوريا، وهو يستغلّ وضعيتها ويسعى لاستدراجها إلى مرحلة أخرى من الاستنزاف وهو في كل ذلك لا يخرق فقط ميثاق الأمم المتحدة بل يؤسس لتقاليد في العدوان ستكلّفه الكثير لا سيما حين ندرك بأنّ الجيش العربي السوري لا يتلقّى أوامره من أوردوغان بل هو جيش مستعدّ للذهاب أبعد مما يتخيّل أوردوغان وقد تكون معارك إدلب بداية لتحطيم حلمه الأمبراطوري.
        ادريس هاني:5/2/2020

        تعليق


        • #5
          سوريا على طريق الحسم
          أوردوغان يلوح بتوسيع مجال الحرب
          ادريس هاني

          تتجه الحرب على سوريا نحو مزيد من الوضوح، وسيؤدّي التصعيد في إدلب ليس فقط إلى توسيع الحرب بل سيخرج الوضع من حالة الحرب بالوكالة إلى الاشتباك المباشر، فمن استمع إلى كلمة أوردوغان أمام كتلة حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي سيكتشف أنّه كان أمام إعلان حرب، وذلك حين هدد بضرب الجيش العربي السوري إذا ما كرر هذا الأخير اعتداءاته على الجنود الأتراك، بينما كان الحديث عن الجنود الأتراك داخل التراب السوري وهم في منظور السوريين كما في منظور القانون الدّولي قوات احتلال، لكن الأمر يتجه أبعد من ذلك عبر تحميل أوردوغان لروسيا المسؤولية وبأنّ الضرب سيتجاوز إدلب وسيستهدف الجيش السوري في كل مكان حتى خارج المناطق التي تدخل ضمن اتفاق سوتشي.
          ودائما يمنح أوردوغان لمواقفه طابعا إنسانيا معلنا عن أنّه بصدد الدفاع عن المدنيين، وهو شيء ترفضه سوريا وروسيا بناء على سوتشي أيضا، حيث يعتبران أنّ أوردوغان لم يلتزم بالاتفاق وبأنه لا زالت الميليشيات الموالية له تقوم بهجمات ضد مواقع الجيش العربي السوري كما تستهدف ممرات النازحين المدنيين كما يتهمان أوردوغان بمحاولة تغيير الديمغرافيا في المنطقة عبر تدخّله الذي يسعى بخلاف اتفاق سوتشي إلى تعزيز مواقع المسلّحين.
          وقد تحدّث أوردوغان عن الانتقام للجنود الأتراك وهو كما لوّح في كلمته سيترصد الجيش السوري في كل مكان انتقاما لدم الجنود الأتراك في نوع من الغطرسة والعنصرية وكأنّ دم الجنود السوريين الذين يواصلون مهامهم الوطنية داخل ترابهم الوطني لا أهمية له في سياق ما تقوم به الجماعات المسلحة المدعومة من تركيا، بل يظل السؤال مفتوحا: وماذا عن مئات الجنود السوريين الذين قُتلوا بسبب التدخل التركي ومساندة أوردوغان للمسلحين؟
          وفي تلك الأثناء كان أوردوغان وبوتن قد عقدا اتصالا هاتفيا لمناقشة التصعيد في إدلب واتفقا معا على تنفيذ الاتفاق الروسي-التركي.
          وعلى الرغم من الخلافات الظاهرة بين أنقرة وواشنطن إلاّ أنّ هناك تكاملا في الأدوار بين التواجد العسكري التركي والتواجد الأمريكي، وكانت أنقرة قبل أن يطلق أوردوغان كلمته أمام كتلة حزبه البرلمانية قد استقبلت المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا السفير جيمس جيفري من أجل مناقشة التطورات الأخيرة في سوريا، وحسب ما جاء في تغريدة أطلقتها السفارة الأمريكية بتركيا فإنّ واشنطن تتطلّع إلى نتائج مثمرة مع الحليف التركي فيما يخص عددا من الملفات.
          وتزامن التصعيد التركي في إدلب مع مناوشات أخرى بين الروس والأمريكيين حيث قامت دورية أمريكية باعتراض دورية روسية عند المدخل الشرقي لبلدة تل تمر شمال غرب الحسكة. وفي تطور آخر للمشهد قامت القوات الأمريكية بقصف الشاب فيصل خالد المحمد من الأهالي بقرية خربة عمو بريف القامشلي(الأربعاء12/2/2020)، حيث قام الأهالي المدنيين باعتراض رتل عسكري أمريكي على حاجز لقوات الجيش العربي السوري، وهو ما وضع التواجد الأمريكي في مواجهة مباشرة مع المدنيين، حيث قاموا باعتراض أرتال أخرى احتجاجا وثأرا لمقتل للشاب المذكور.
          ويخفي أوردوغان من خلال محاولة تصدير الأزمة السياسية والاقتصادية ومصيره السياسي إلى إدلب الدوافع الحقيقية التي تجعله يرى في الحلّ السوري خطرا على تركيا، وقد يكون مستعدّا لتوريط تركيا في حرب مباشرة لإنقاذ مصير العدالة والتنمية التركي. ويحاول هذا الأخير عن طريق التلويح بالحرب أن يمنع سوريا من التقدم لاستعادة أراضيها من سيطرة الإرهابيين وطرد المحتل، الشيء الذي تدركه سوريا وتواصل تحرير أراضيها بل ستصطاد أوردوغان في مواجهة ستكون نتائجها وبالا على مصيره السياسي. وتدرك المعارضة التركية بأنّ أوردوغان لا يفعل سوى أن يهرب في الملف السوري للنجاة من استحقاقات ما بعد الحرب على سوريا، كما يدركون رغبته في توريط تركيا في حرب مع سوريا وحرب نفوذ خارج الحدود التركية كتلك التي تتعلّق بليبيا أيضا. وسبق لكبير مراسلي الأندبندت في شؤون الشرق الأوسط روبرت فيسك أن قارن بين تركيا اليوم وباكستان في ثمانينيات القرن الماضي، كما اعتبر أن تركيا –طبعا في عهد أوردوغان –تحوّلت إلى سوق. لكن الأهم في قراءة روبرت فيسك هو الحديث عن بداية اختراق سوريا لتركيا وبأنّ الحرب السورية احتلّت تركيا. ويتساءل روبرت فيسك حول ما إذا كان هناك جواب من الخارجية التركية عن عدد من أعضاء داعش الذين يعدون بالآلاف الذين وصلوا إلى شمال سوريا عبر تركيا.
          ويعتبر فيسك أيضا أنّ المشكلة لا تكمن في المنطقة الآمنة بل في العلاقة غير الواضحة بين تركيا وداعش، فالحدود يمكن حمايتها كما تفعل دول أخرى كما هو الحال بالنسبة لسوريا نفسها ولكن يبقى السؤال حول السبب الذي يجعل تركيا على الرغم من امتلاكها جيشا ضخما تتحسس من قضية الحدود، فالقضية في نظر الكاتب في الأندبندت تكمن في الدور الذي تلعبه تركيا والذي يحيلنا إلى دور باكستان في الثمانينيات، فلقد تمّ استعمال باكستان في الحرب على أفغانستان واليوم يتم استعمال تركيا في الحرب على سوريا، وهذا في نظر فيسك هو التهديد الحقيقي لتركيا وليس داعش أو الأكراد، وهنا يخلص فيسك إلى جوهر المشكلة بل إلى قاعدة أساسية في العلاقات الدولية وهو أنّ الدولة أية دولة حين تسمح باستخدامها من قبل دول أخرى هناك يبدأ التهديد الحقيقي لتلك الدولة. ومع أن فيسك يعتبر أن تركيا بلدا قويّا لكنها انخرطت في قضايا يصعب السيطرة عليها في المستقبل، يسخر روبرت فيسك مما يسميه القصة الشهيرة حول المعارضة المعتدلة، محيلا على عبارة سمعها من أحد ممثلي الحكومة السورية: هل رأيت يوما معتدلا يحمل السلاح؟ يقول روبرت فيسك: أنا لست من مؤيدي الحكومة السورية، لكن المشكلة هي أنني لا أعتقد أن هناك معارضة مسلحة معتدلة أيضًا. ويوضح فيسك أيضا بأنّ مشكلة الإعلام تكمن في عدم التثبت والتصديق السريع بما يقوله المسؤولون، ويحيل إلى جون كيري حين قال بأنّ ما يفعله الصحفيون عادة هو أن يقولوا: إنّ وزير الخارجية قد صرح بذلك وقد أصدر داعش هذا الفيديو، وذلك في نظر فيسك يشبه الأوبرا حيث تُغنّى أكثر من قطعة في نغمات مختلفة وربما قد يعجب الجمهور بهذا أم لا، لكن على الصحافة الحقيقية في نظره القول: "انتظر لحظة، أنا لا أصدق هذا".
          بناء عليه، فإنّ مشكلة أوردوغان في سوريا هي نفسها تفسر سبب المفارقة في الخطاب، فهو يعتبر ما تفعله سوريا بموجب ما يمليه الدستور والقانون الدولي من تطهير البلاد من خطر الجماعات المتطرفة عدوانا، ولا يقدم أي حلّ في المقابل لسوريا، فالخوف من حسم المعارك في سوريا سيفتح ملف الحساب حول دور أوردوغان في هذه الحرب بل وأبعد من ذلك سيشكل خطرا على المستقبل السياسي لحزب العدالة والتنمية التركي، ويبقى السؤال: هل أوردوغان قادر على منع الجيش العربي السوري من التقدم في اتجاه كل النقاط التي تقع داخل التراب الوطني السوري؟ تدرك تركيا أنّ أوردوغان عالق بين روسيا وواشنطن، وهو يلعب على حبلين يصعب المضيّ فيهما إلى آخر المشوار، إنّ حاجة أوردوغان إلى روسيا تفوق حاجته لحلفائه الذين سعوا مرارا للإطاحة به، وتدرك روسيا تخوّفات أوردوغان وهي تحاول أن تطمئنه لتجاوز تبعات سياساته السابقة التي لم تتوقف عن نعتها بالخاطئة، ومع أن أوردوغان يتوعد سوريا بالانتقام لجنوده إلاّ أنّه لم ينس أن روسيا لم تنس أيضا إسقاط قوات أوردوغان لطائرة روسية داخل الأراضي السورية، نعم وكما قال روبرت فيسك بأن تركيا كبيرة وقويّة ولكنها لا تستطيع أن تسيطر على ما انخرطت فيه من قضايا، بل نزيد شيئا آخر وهو أنّ تركيا كبيرة ولكن أوردوغان أضعفها بسياسات نفوذ تقوم على أوهام متخيّل محبط وبأنّ ما يعتبره أوردوغان نفوذا لحزبه في المنطقة هو استعمال هشّ ووهم آخر ينضاف إلى جملة الأوهام المؤسسة لسياسة العثماني الجديد في المنطقة.
          ادريس هاني:12/2/2020

          تعليق

          يعمل...
          X