إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ابو سفيان بقلم االعاملى

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ابو سفيان بقلم االعاملى

    علاقة أبي سفيان الوطيدة باليهود

    كان أبو سفيان على صلة قوية باليهود حتى تحالف معهم للقضاء على الإسلام فعملوا معاً ضد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ونشطوا على مدى سنتين يستنفرون قبائل العرب ويعقدون معهم التحالفات ، حتى حشدوا جيشاً كبيراً بلغ أكثر من أربعة آلاف مقاتل ( الصحيح من السيرة : 9 / 184 ) وغزوا به المدينة ليستأصلوا النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابه بزعمهم ، فكانت معركة الخندق التي تلقوا فيها هزيمة قوية غير منتظرة ! وقد تحدثت مصادر التاريخ والسيرة عن الزيارات المتبادلة بين أبي سفيان واليهود ، ونشاطهم المشترك في تحريك قبائل العرب ! فقد جاء قادة اليهود في وفد رسمي إلى مكة في أربعين راكباً أو أكثر برئاسة كعب بن الأشرف ، وعقدوا جلساتهم مع عدد من رؤساء بطون قريش ، وكان صاحب عقدهم وعهدهم الحاخام كعب بن أسد الذي كان وقع عهداً مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) على قومه ! وكان حيي بن أخطب سيد بني النضير يقول لقريش : إن قومي بني قريظة معكم وهم أهل حلقة وافرة ، وهم سبع مئة مقاتل وخمسون مقاتلاً ) . ( الصحيح من السيرة : 8 / 41 ) . ( فطافوا على وجوه قريش ودعوهم إلى حرب النبي . . . فقالوا لقريش : نحن معكم حتى نستأصل محمداً . . . قال أبو سفيان : هذا الذي أقدمكم ونزعكم ؟ قالوا : نعم جئنا لنحالفكم على عداوة محمد وقتاله . قال أبو سفيان : مرحباً وأهلاً ، أحبُّ الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد . زاد في نص آخر قوله : ولكن لا نأمنكم إلا إن سجدتم لآلهتنا ، حتى نطمئن إليكم ! ففعلوا ! قال النفر : فأخْرِجْ خمسين رجلاً من بطون قريش كلها أنت فيهم ، وندخل نحن وأنت بين أستار الكعبة حتى نلصق أكبادنا بها ، ثم نحلف بالله جميعاً : لا يخذل بعضنا بعضاً ، ولتكونن - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 20 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - كلمتنا واحدة على هذا الرجل ما بقي منا رجل ففعلوا فتحالفوا على ذلك ، وتعاقدوا ، فاتَّعدوا لوقت وقَّتُوه . . . فقال أبو سفيان : يا معشر اليهود أنتم أهل الكتاب الأول والعلم ، أخبرونا عما أصبحنا فيه نحن ومحمد ، ديننا خير أم دين محمد ؟ فنحن عمار البيت ، وننحر الكُوم ( الناقة السمينة ) ونسقي الحجيج ، ونعبد الأصنام ؟ قالوا : اللهم أنتم أولى بالحق ، إنكم لتعظمون هذا البيت وتقومون على السقاية وتنحرون البُدْن ، وتعبدون ما كان عليه آباؤكم ، فأنتم أولى بالحق منه . فأنزل الله في ذلك : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نصيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ) . ( النساء : 50 ) فلما قالوا ذلك لقريش نشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . . . . فخرجت اليهود حتى أتت غطفان ، وقيس عيلان ، وأخذت قريش في الجهاز ، وسيرت في العرب تدعوهم إلى نصرها ، وألبوا أحابيشهم ومن تبعهم ، ثم خرجت اليهود حتى جاؤوا بني سليم ، فوعدوهم يخرجون معهم إذا سارت قريش ، ثم ساروا في غطفان فجعلوا لهم تمر خيبر سنة وينصرونهم ويسيرون مع قريش إلى محمد إذا ساروا ، فأنعمت بذلك غطفان ، ولم يكن أحد أسرع إلى ذلك من عيينة بن حصن ! قال ابن خلدون : وخرج بهم عيينة بن حصن على أشجع ( قبيلة ) ، وذكر البعض أن كنانة بن أبي الحقيق جعل نصف تمر خيبر لغطفان في كل عام ! ( الصحيح من السيرة : 9 / 25 ) وفي أسباب النزول للواحدي : 103 : ( خرج كعب بن الأشرف ( رئيس بني النضير وحاخامهم ) في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ، ليحالفوا قريشاً على غدر رسول الله ( ص ) وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ( ص ) ، فنزل كعب على أبي سفيان ونزلت اليهود في دور قريش . . . . ثم قال كعب لأهل - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 21 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - مكة : ليجئ منكم ثلاثون ومنا ثلاثون ، فنلزق أكبادنا بالكعبة ، فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد ففعلوا ذلك ) ! انتهى . وعندما زحف أبو سفيان بجيش الأحزاب إلى المدينة وحاصرها ، تحرك معهم اليهود وكانت حصونهم قرب المدينة ، فقام كعب بنقض عهده مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ومزق الصحيفة التي كان فيها العقد ، وجمع رؤساء قومه وهم : الزبير بن باطا ، وشاس بن قيس ، وعزال بن ميمون ، وعقبة بن زيد ، وأعلمهم بما صنع من نقض العهد ! ( الصحيح من السيرة : 8 / 41 ) لكن اليهود جبنوا عن الخروج إلى ساحة المعركة فتصور أبو سفيان أنهم غدروا به ، وبرز بطلهم عمرو بن ودّ ورفقاؤه فعبر الخندق وطلب المبارزة فبرز له علي ( عليه السلام ) فقتله ثم برز له ابنه فقتله ! ففتَّ ذلك في عضد أبي سفيان والأحزاب فارتبك معسكرهم وسارعوا بالإنسحاب والهزيمة ! وبعد هزيمة الأحزاب غزا النبي ( صلى الله عليه وآله ) بني قريظة ، وأراح العاصمة من جوارهم ! دور الحاخامات في التخطيط لأبي سفيان !

    وينبغي الإشارة إلى دور حاخامات اليهود في التخطيط لأبي سفيان وتوجيهه لسَوْق الأمر إلى بني أمية ، فقد كانت تربطه معهم في الجاهلية والإسلام علاقات صداقة وتحالف حميمة ، وعمل مخططوهم في المدينة وخيبر والجزيرة واليمن بفعالية ودهاء يهودي لكي يرث بنو أمية خلافة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! ودفعوا بالأحداث في هذا الاتجاه ، ومنها قتلُ أبي بكر بالسُّم ، ثم التخلي عن عثمان ، وبعضهم يرى أن قتل عمر من خططهم ! وكان عدد هؤلاء الحاخامات المخططين نحو خمسين شخصاً ، وهم جديرون بدراسة خاصة ! وقد تواصلت علاقتهم مع القرشيين عامة ومع بني عبد الدار وبني أمية خاصة . * * - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 22 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - وروى المؤرخون والمحدثون أن كعب الأحبار كان يبشر في خلافة عثمان بخلافة معاوية ، وهذا يدل على علاقة اليهود الخاصة بآل أبي سفيان ! فعندما تفاقمت شكوى الأمصار من ظلم الولاة دعا عثمان ولاته إلى اجتماع في موسم الحج لمعالجة ذلك ، فكان كعب الأحبار يقول مبشراً بخلافة معاوية : ( وهو يسير خلف عثمان : الأمير والله بعده صاحب البغلة ! وأشار إلى معاوية ! فبلغ ذلك معاوية فأتاه فقال يا أبا إسحاق تقول هذا وهاهنا عليٌّ والزبير وأصحاب محمد ( ص ) ؟ ! قال : أنت صاحبها ) ! ( الطبري في تاريخه : 3 / 379 ، وتاريخ دمشق : 39 / 123 و 176 و 305 ، وجواهر المطالب لابن الدمشقي : 2 / 183 ، وسنن الداني : 1 / 117 و 127 ، وابن أبي شيبة : 8 / 586 ، ونسخة وكيع / 91 ، وأنساب الأشراف للبلاذري / 1422 ، وسير أعلام النبلاء : 3 / 136 ، ونهاية ابن كثير : 8 / 136 ، والسنة للخلال : 1 / 281 و : 2 / 457 ، وصححه ، والتدوين في أخبار قزوين : 3 / 48 ، والخصائص للسيوطي : 1 / 55 ، وتاريخ الخلفاء 153 ، والنزاع والتخاصم للمقريزي / 82 ، وسبل الهدى للصالحي : 10 / 281 ، و : 11 / 283 ، والغدير : 9 / 222 ، وكامل ابن الأثير : 3 / 48 ، والصواعق لابن حجر : 2 / 629 ) . ونص عدد من هذه المصادر على صحته ، وذكر بعضها أن الحادي كان يقول : إن الأمير بعده عليُّ * وفي الزبير خلفٌ رضيُّ فقال له كعب : كذبت ! بل هو صاحب البغلة الشهباء ، يعني معاوية ) . وفي تاريخ دمشق : 50 / 169 عن روح بن زنباع قال : شهدت كعباً جاء إلى معاوية فقام على باب الفسطاط فناداه : يا معاوية يا معاوية يا معاوية ! فخرج إليه فأخذ بيده فانطلقا جميعاً ! فقلت لأمرٍ مّا جاء كعب يدعو معاوية ! فاتبعت آثارهما فلما كنت قريباً منهما حيث أسمع كلامهما ولا أحب أن يرياني ، سمعت كعباً يقول : يا معاوية والذي نفسي بيده إن في كتاب الله المنزل : محمد أحمد ، أبو بكر الصديق ، عمر الفاروق ، عثمان الأمين ! فالله الله يا معاوية في أمر هذه الأمة . ثم ناداه الثانية إن في كتاب الله المنزل ، ثم أعاد الثالثة ! ! ) . انتهى . - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 23 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - وقد عقد الشيخ الأزهري محمود أبو رية في كتابه أضواء على السنة المحمدية / 157 ، فصلاً بعنوان : ( من مكر وكيد كعب ) أورد فيه عدداً من فعالياته . وروى نُعَيْم ابن حماد المتوفى سنة 227 وهو من الأئمة عندهم في كتابه ( الفتن ) / 64 وبعدها ، عدة روايات عن كعب بأن الخلافة بعد عثمان ستكون لمعاوية ! منها ما تقدم من الطبري ، ومنها : ( عن كعب قال : سألت يشوع عن ملوك هذه الأمة بعد نبيها ، وذلك قبل أن يستخلف عمر ، فقال : بعد عمر الأمين ، يعني عثمان ، ثم رأس الملوك يعني معاوية . . . . وعن العقيلي مؤذن عمر عن عمر أنه سأل أسقفاً من الأساقفة وأنا حاضر : مَن بعدَه ؟ فقال : رجل ليس به بأس يؤثر أقرباءه ! فقال عمر : رحم الله عثمان رحم الله عثمان ) ! ! انتهى . * * كما رووا أن معاوية طلب من عثمان أن ينقل عاصمة الخلافة إلى الشام ! ومعناه أن يكون ضيفاً لمعاوية ويرتب له الأمر بعده ، كما فعل أبو بكر لعمر ! وقد أشاع كعب أن عاصمة هذا النبي ( صلى الله عليه وآله ) في الشام لا في المدينة أو العراق ! ففي سنن الدارمي : 1 / 4 : ( عن أبي صالح قال قال كعب : نجده مكتوباً : محمد رسول الله ، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر . . . . ومولده بمكة ، ومهاجره بطيبة ، وملكه بالشام ) . انتهى . وقوله : ( وملكه بالشام ) زيادة منه ، لم تروها مصادر الشيعة ، ولا بعض مصادر السنة كالبخاري ( 3 / 21 ) . قال في فتح الباري : 8 / 450 : ( زاد في رواية كعب : مولده بمكة ومهاجره طيبة وملكه بالشام ) . انتهى . فهي زيادة يهودية غرضها أن تكون الخلافة لأحبائهم بني أمية ! ويكون مركزها في منطقة يكثر فيه اليهود ! بعيداً عن الحجاز والعراق ، لأن أهلها لا يحبونهم كأهل الشام ! وذكر ابن قيم سبب هذه الزيادة متبجحاً بالشام فقال في هداية الحيارى / 94 : - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 24 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - ( وهذه بشارة بنبوة ابنه محمد ، الذي نصب فسطاطه وملك أمته في وسط بلاد بني إسرائيل وهي الشام ) ! وروت مصادرهم التي تثق بكعب هذه الزيادة وصححتها مع الأسف ! كما في : طبقات ابن سعد : 1 / 360 ، وحلية الأولياء : 5 / 387 ، وتفسير البغوي : 2 / 205 ، وخصائص السيوطي : 1 / 19 ، وفيض القدير : 3 / 768 ، ودلائل النبوة للأصبهاني : 4 / 1332 ، ونظم درر السمطين / 54 وتفسير الرازي : 3 / 38 ، وتفسير ابن كثير : 4 / 383 ، والدر المنثور : 3 / 132 ، وتاريخ دمشق : 1 / 186 ، و : 47 / 390 ، وتاريخ المدينة : 2 / 634 ، والنهاية : 2 / 96 ، و : 6 / 61 ، وهداية الحيارى / 90 ، والسيرة الحلبية : 1 / 351 ، وسبل الهدى : 1 / 101 ، وغيرها وغيرها ) . كما وجد رواة الخلافة يهودياً آخر اسمه جريجرة ! رووا عنه تأكيده لقول كعب بأن عاصمة ملك نبينا ( صلى الله عليه وآله ) في الشام ! ( المستدرك : 2 / 622 ، وتاريخ دمشق : 1 / 184 ، وخصائص السيوطي : 1 / 23 ، وكنز العمال : 12 / 407 ) . وبذلك يتضح أن اليهود كانوا هم المخططين لحرب الأحزاب ، ولخلافة ابن أبي سفيان ، ونقل عاصمة الإسلام إلى الشام بدل الحجاز أو العراق ! أبو سفيان ينقض العهد مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ويأتي إلى المدينة لتجديده !

    بعد معركة الأحزاب أو الخندق أخذ ميزان القوة يتغير لمصلحة المسلمين ، الأمر الذي مكن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يباغت قريشاً في الحديبية قرب مكة قاصداً العمرة بألف وأربع مئة مسلم ، فهرعت قريش مستنفرة لتمنعه من دخول المسجد الحرام فرضي النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يوقع معهم صلحاً وهدنة عُرف بصلح الحديبية ، وكان النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيه ليناً فقبل كل شروط قريش ! لكن أبا سفيان سرعان ما نقض العهد ! فقد استعان بنو بكر حلفاء قريش المشركة على بني خزاعة وهم حلفاء بني هاشم والنبي ( صلى الله عليه وآله ) فأمدهم أبو سفيان بالسلاح والرجال الملثمين فأغاروا على خزاعة ليلاً وقتلوا منهم عشرين شخصاً ! فشكت خزاعة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وعندها أحسَّت قريش بخطر ما ارتكبته فجاء أبو سفيان إلى المدينة وكلم النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يعفو عن نقضهم لعهد الصلح ويمدد مدته - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 25 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - فلم يرد عليه جواباً ، فذهب إلى بيت علي وفاطمة ( عليهما السلام ) وكلمهما أن يجيرا بين المسلمين وقريش فلم يقبلا ، فرجع خائباً وقد احتفظ النبي ( صلى الله عليه وآله ) بحقه في الرد على قريش ، وأخذ يتجهز لفتح مكة . قال ابن هشام السيرة النبوية : 4 / 855 : ( ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ، وعنده فاطمة بنت رسول الله ( ص ) ورضي عنها ، وعندها حسن بن علي غلام يدب بين يديها ، فقال : يا عليُّ إنك أمَسُّ القوم بي رحماً ، وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائباً ، فاشفع لي إلى رسول الله ، فقال : ويحك يا أبا سفيان ! والله لقد عزم رسول الله على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه . فالتفت إلى فاطمة فقال : يا بنت محمد ، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس ، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟ قالت : والله ما بلغ ابني ذاك أن يجير بين الناس ، وما يجير أحد على رسول الله ! قال : يا أبا الحسن ، إني أرى الأمور قد اشتدت عليَّ فانصحني ! قال : والله ما أعلم لك شيئاً يغني عنك شيئاً ، ولكنك سيد بني كنانة ، فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك ، قال : أو ترى ذلك مغنياً عني شيئاً ؟ قال : لا والله ما أظنه ولكني لا أجد لك غير ذلك . فقام أبو سفيان في المسجد ، فقال : أيها الناس ، إني قد أجرت بين الناس ، ثم ركب بعيره فانطلق ) . وفي الإرشاد للمفيد ( رحمه الله ) : 1 / 132 : ( قال لها : يا بنت محمد هل لك أن تأمري ابنيك أن يجيرا بين الناس فيكونا سيدي العرب إلى آخر الدهر . فقالت : ما بلغ ابناي أن يجيرا بين الناس ، وما يجير أحد على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ) . انتهى . ويفهم من مصنف ابن أبي شيبة : 7 / 694 ، أن أبا سفيان كلم الحسن والحسين ( عليهما السلام ) ليأخذ من أحدهما مجرد كلمة : ( أجَرْنا بين العرب ) ! وفي شرح النهج : 17 / 263 : ( قال : أجيري بين الناس ، فقالت : إنما أنا امرأة ، قال : - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 26 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - إن جوارك جائز ، وقد أجارت أختك أبا العاص بن الربيع ، فأجاز محمد ذلك . فقالت فاطمة : ذلك إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأبت عليه ، فقال : مري أحد هذين ابنيك يجير بين الناس ، قالت : إنهما صبيان ، وليس يجير الصبي . فلما أبت عليه أتى علياً فقال : يا أبا حسن ، أجر بين الناس وكلم محمداً ليزيد في المدة ، فقال علي : ويحك يا أبا سفيان ! إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد عزم ألا يفعل ، وليس أحد يستطيع أن يكلمه في شئ يكرهه ) ! ( وسيرة ابن هشام : في طبعة أخرى : 5 / 50 ، وأخبار مكة للفاكهي : 5 / 208 وعيون الأثر : 2 / 184 ، وسيرة ابن كثير : 3 / 531 ، وسبل الهدى : 5 / 207 ، والروض الأنف : 4 / 148 ، ونهاية الإرب / 3685 ، وغيرها ) . قال ابن عبد البر في الدرر / 213 : ( ثم ركب وانطلق راجعاً إلى مكة ، فلما قدمها أخبر قريشاً بما لقي وبما فعل ، فقالوا له : ما جئت بشئ ! وما زاد عليُّ بن أبي طالب على أن لعب بك ! ثم أعلن رسول الله ( ص ) المسير إلى مكة ، وأمر الناس بالجهاز لذلك ، ودعا الله تعالى في أن يأخذ عن قريش الأخبار ، ويستر عنهم خروجه ) . انتهى . أبو سفيان أسير حرب ، غلاماً للنبي ( صلى الله عليه وآله ) !

    لم تطل المدة حتى فاجأ النبي ( صلى الله عليه وآله ) في السنة الثامنة للهجرة أبا سفيان وقريشاً في عقر دارهم في مكة ! فما شعروا إلا وهم محاصرون بعشرة آلاف من جنود الإسلام ، والنبي ( صلى الله عليه وآله ) يطلب منهم خلع سلاحهم والتسليم ، أو الحرب ! فانخلعت أفئدة زعماء قريش وانهارت مقاومتهم ! وهرع أبو سفيان يسأل : أين العباس بن عبد المطلب ، ليأخذ له الأمان من النبي ( صلى الله عليه وآله ) قبل أن يدخل مكة ! وجاء العباس إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهو في مركز قيادته يجرُّ وراءه أبا سفيان كبير أئمة الكفر ! قال ابن هشام : 4 / 862 ، وصححه مجمع الزوائد : 6 / 166 : ( فقال رسول الله ( ص ) : إذهب به يا عباس إلى رحلك ، فإذا أصبحت فأتني به ! قال : فذهبت - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 27 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - به إلى رحلي فبات عندي ، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله ( ص ) فلما رآه رسول الله ( ص ) قال : ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ؟ قال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئاً بعد ! قال : ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ قال : بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئاً ! فقال له العباس : ويحك ! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، قبل أن تضرب عنقك . قال : فشهد شهادة الحق فأسلم ! قال العباس : قلت يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر ، فاجعل له شيئاً ، قال : نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ! فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ( ص ) : يا عباس إحبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل ، حتى تمرَّ به جنود الله فيراها . قال : فخرجت حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله ( ص ) أن أحبسه ، قال : ومرت القبائل على راياتها ، كلما مرت قبيلة قال : يا عباس ، من هذه ؟ فأقول : سليم ، فيقول : مالي ولسليم ، ثم تمر القبيلة فيقول : يا عباس من هؤلاء ؟ فأقول : مزينة ، فيقول : مالي ولمزينة ، حتى نفدت القبائل ، ما تمر به قبيلة إلا يسألني عنها ، فإذا أخبرته بهم ، قال : مالي ولبني فلان ، حتى مر رسول الله ( ص ) في كتيبته الخضراء . . . فيها المهاجرون والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ، فقال : سبحان الله ! يا عباس من هؤلاء ؟ قال : قلت : هذا رسول الله ( ص ) في المهاجرين والأنصار ، قال : ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة ، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً ! قال قلت : يا أبا سفيان إنها النبوة . قال : فنعم إذن ( أي صحيح صحيح ) ! قال قلت : النجاء إلى قومك ، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته : - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 28 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبَلَ لكم به ، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن ، فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت : أقتلوا الحميت الدسم الأحمس ، قبَّحه من طليعة قوم ! ( أي الزق الأسود - الدسم ! وفي رواية : الأحمش أي الهزيل . لسان العرب : 2 / 26 ) قال : ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم ، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن . قالوا : قاتلك الله وما تغني عنا دارك ! قال : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد ) . انتهى . هنا تلمس انبهار أبي سفيان بالقوة المادية ! وعماه عن المعجزات النبوية ، كما ترى أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد أثَّر فيه بخلقه العظيم فجعله يفكر في نفسه : إن ملك محمد عظيم وهو من بني عمنا بني عبد مناف وقد عفا عني ، فإن أعطاني لي ولأولادي وبني أمية حصة جيدة فأنا حاضر لأن أجامله ، وأظهر إيماني بنبوته ! لكن زعماء قريش كان لهم تفكير آخر ، فقرروا بسبب ليونة أبي سفيان مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يستبدلوه برجل صلب ، هو سهيل بن عمرو السهمي . النبي ( صلى الله عليه وآله ) يعفو عن أبي سفيان ويأخذه معه إلى حرب حنين !

    ودخل النبي ( صلى الله عليه وآله ) مكة فاتحاً خاشعاً لربه ، ساجداً على قربوس فرسه ، وجمع أئمة الكفر وجنودهم في المسجد ، وأعلنهم أسرى حرب عبيداً له ، ومنَّ عليهم بالإطلاق لا بالعتق ! وعيَّن حاكماً على مكة من بني أمية ، مع مساعد أنصاري ! أعلن لهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنهم ما داموا شهروا إسلامهم فقد صاروا جزء ملحقاً بأمته إلحاقاً ، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ، ودعاهم إلى التوجه معه إلى محاربة هوازن التي جمعت لحربه في وادي حنين عند الطائف ، فاضطر زعماء قريش وهم سكارى مما حصل ، أن يسيروا معه في ألفي مقاتل ، والنبي ( صلى الله عليه وآله ) في عشرة - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 29 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - آلاف ! وفي هذه الغزوة ظهرت نوايا فراعنة قريش كما يسميهم القرآن ، فرتبوا عدة محاولات لاغتيال النبي ( صلى الله عليه وآله ) أفشلها الله تعالى ! وكان أول غدرهم أن تآمروا مع هوازن أن ينهزموا من أول مناوشة ليوقعوا الهزيمة بجيش النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! وفعلوا ذلك أمام كمين لهوازن في منحدر وادي حنين ، فثبت النبي ( صلى الله عليه وآله ) وبنو هاشم ، وهرب زعماء قريش مع جنودهم من المعركة ، وجلسوا يسخرون من النبي ( صلى الله عليه وآله ) ويتباشرون بهزيمته ، أو قتله ! قال ابن هشام : 4 / 894 : ( فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهى هزيمتهم دون البحر ! وإن الأزلام لمعه في كنانته ! وصرخ جبلة بن الحنبل . . . ألا بطل السحر اليوم ! فقال له صفوان : أسكت فض الله فاك ، فوالله لأن يَرُبَّني رجلٌ من قريش أحب إلى من أن يربني رجل من هوازن ) . انتهى . ومعنى قوله : ( وإن الأزلام لمعه في كنانته ) أن أبا سفيان كان ما زال وثنياً يحمل أصنامه في جعبته التي ترافقه ! وأن سهيل بن عمرو زعيم قريش الجديد ، لم ينتقد وثنية أبي سفيان ، ولا جبلة الذي ردد مقولة قريش في أن محمداً ساحر ، وأن بني عبد المطلب بيت سحر ! لكنه مع ذلك يتمنى لهوازن انتصاراً محدوداً ، لا كاسحاً ، لأنه يفضل حكم قرشي ساحر ! على حكم بدوي نجدي من هوازن ! وبعد انتصار النبي ( صلى الله عليه وآله ) في حنين ، طبَّق مع زعماء قريش سياسة المؤلفة قلوبهم عسى أن يحسِّن المال تفكيرهم فيرون الحق ! فكانت حصة أبي سفيان وافرة : ( فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير ، - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 30 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - وأعطى ابنه معاوية مائة بعير ، وأعطى حكيم بن حزام مائة بعير ، وأعطى النضير بن الحارث بن كلدة بن علقمة أخا بني عبد الدار مائة بعير ، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي حليف بني زهرة مائة بعير ، وأعطى الحارث بن هشام مائة بعير ، وأعطى صفوان بن أمية مائة بعير ، وأعطى سهيل بن عمرو مائة بعير ، وأعطى حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس مائة بعير ) . ( تاريخ الطبري : 2 / 358 ، ونحوه ابن هشام : 4 / 929 ، وتاريخ اليعقوبي ) . ولعل تأثير ذلك على أبي سفيان أنه صار بعدها يخفي أزلامه وتماثيل أصنامه فلا يظهرها مراعاة للمسلمين ! وسيأتي ما يردُّ إضافة معاوية إلى أبيه في العطاء ! شخصية أبي سفيان مسكونة بالمادية !

    أبو سفيان كزملائه أئمة المشركين ، قرَّر أن لا يؤمن بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) مهما رأى من معجزاته ، لأن شخصيته مسكونة بالمادية والجاهلية القرشية ! فقد رأى دعاء النبي ( صلى الله عليه وآله ) على قريش : ( اللهم اشدد وطأتك على مضر ، وابعث عليهم سنين كسنيِّ يوسف ، فتتابعت عليهم الجدوبة والقحط سبع سنين حتى أكلوا القد والعظام والعلهز ) . ( تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة / 233 ) فجاء أبو سفيان إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وطلب منه أن يدعو الله أن يرفع عنهم الجدب ! قال : ( يا محمد ننشدك الله والرحم لقد أكلنا العلهز يعني الوبر بالدم ، فأنزل الله تعالى : وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ! ( أسباب النزول للواحدي / 211 ، والحاكم : 2 / 394 وابن حبان : 3 / 247 ) . ( جاء أبو سفيان إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال : يا محمد جئتَ بصلة الرحم وقومك قد هلكوا جوعاً فادع الله لهم ، فدعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لهم فكشف عنهم ! يقول الله عز وجل : إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ) . ( الصحيح من السيرة : 3 / 277 ) . ومع ذلك لم يؤمن أبو سفيان وواصل كفره وعدائه للإسلام ونبيه ( صلى الله عليه وآله ) ! * * ثم بعد أن أسلم تحت السيف في فتح مكة ، ودخل النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأمر بلالاً وقت الظهر أن يصعد على سطح الكعبة ويطلق الأذان ، فتنغص عيش أبي سفيان ورفقاؤه الذين ( أسلموا ) ! ( فقال خالد بن أسيد : الحمد لله الذي أكرم أبي فلم - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 31 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - يسمع بهذا اليوم ! وكان أسيد مات قبل الفتح بيوم ! وقال الحارث بن هشام : وا ثكلاه ليتني متُّ قبل أن أسمع بلالاً ينهق فوق الكعبة ! وقال الحكم بن أبي العاص : هذا والله الحدث الجلل أن يصبح عبد بني جمح ينهق على بُنَيَّة ( بناء الكعبة ) أبي طلحة ! وقال سهيل بن عمرو : إن كان هذا سخطاً لله فسيغيره الله ! وقال أبو سفيان بن حرب : أما أنا فلا أقول شيئاً ، لو قلت شيئاً لأخبرته هذه الحصاة ! فأتى جبريل ( عليه السلام ) رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأخبره خبرهم فأقبل حتى وقف عليهم فقال : أما أنت يا فلان فقلت كذا ، وأما أنت يا فلان فقلت كذا ، وأما أنت يا فلان فقلت كذا ، فقال أبو سفيان : أما أنا يا رسول الله فما قلت شيئاً فضحك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ) ! ( أخبار مكة للأزرقي : 1 / 142 ) . وفي تاريخ أبي الفداء : 1 / 181 : ( فقالت بنت أبي جهل : لقد أكرم الله أبي حين لم يشهد نهيق بلال فوق الكعبة ) ! وفي أسباب النزول للواحدي / 264 : ( وقال أبو سفيان : إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبر به رب السماء ) . انتهى . فأبو سفيان يشهد بأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) يأتيه خبر الغيب ومع ذلك لم يؤمن ! لأن ماديته وزملاءه متأصلة كمادية اليهود من أبناء يعقوب وقد قرروا أن لا يؤمنوا بنبوة ابن عبد الله الهاشمي مهما كانت المعجزات ! عَزْلُ قريش أبا سفيان من قيادتها !

    طيلة حرب قريش مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان عِنَاجُ أمرها أي قيادتها العامة لأبي سفيان صخر بن حرب ، وكان عتبة بن ربيعة شريكه في القيادة حتى قتل في بدر فتفرد أبو سفيان بقيادتها ، لكن تصرفه في فتح مكة لم يعجب زعماء قريش ، لأنه برأيهم سارع إلى إعلان استسلام قريش وإلقائها السلاح ، ولم يفاوض محمداً بقوة ، ولم ينتزع لقريش منه امتيازات كما فعل سهيل بن عمرو في الحديبية ! وعندما عيَّن النبي ( صلى الله عليه وآله ) حاكماً أموياً لمكة مع مساعد أنصاري ، اعتبروا أن بني - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 32 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - أمية مالوا مع بني عمهم بني هاشم ، فالجميع أبناء عبد مناف ! لذلك اختاروا سهيل بن عمر السهمي الجمحي رجل المفاوضات الصلب مع محمد في الحديبية ، زعيماً عاماً بدل أبي سفيان ، وجعلوا عِنَاجَ أمر قريش إليه فتحوَّل أسيْد بن عتَّاب الأموي حاكم مكة من قبل النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى حاكم شكلي وصار الحاكم الفعلي سهيل بن عمرو ، الذي ذهب إلى المدينة ليفاوض محمداً ( صلى الله عليه وآله ) باسم قريش ! فهددهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! ( راجع آيات الغدير ) . * * وبعد أن خلعت قريش أبا سفيان لم تنسد الطرق أمامه ، فذهب إلى المدينة يلتمس من النبي ( صلى الله عليه وآله ) مناصب له ولبنيه ! فجعله النبي ( صلى الله عليه وآله ) والياً على جمع الزكوات ( ما بين رمع وزبيد إلى حد نجران ) . ( تاريخ الطبري : 2 / 532 ) . وفي أنساب الأشراف : 431 : ( وقوم يقولون : إن النبي ولى أبا سفيان صدقات خولان وبجيلة ، واستعمل يزيد بن أبي سفيان على نجران ) . انتهى . أبو سفيان يقف مع العترة النبوية ضد أبي بكر وعمر !

    كان أبو سفيان يتصور أن نظام الإسلام سيستمر بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) بقيادة عترته ( عليهم السلام ) وأنهم سيتبعون سياسة النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيحافظون على بني أمية لقرابتهم منهم ، فيبقون بيدهم حكم مكة ويعطونهم مناصب أخرى ! ولم يطلعه سهيل بن عمر وزعماء قريش على خطتهم في عزل عترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأخذ الحكم بعده ( صلى الله عليه وآله ) ! لذلك كانت ردة فعل أبي سفيان عنيفة عندما دخل المدينة يوم وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وتفاجأ بالسقيفة وخلافة أبي بكر ! ( جاء إلى باب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلي والعباس متوفران على النظر في أمره فنادى : بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم * ولا سيما تيم بن مرة أو عدي - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 33 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - فما الأمر إلا فيكم وإليكم * وليس لها إلا أبو حسن علي أبا حسن فاشدد بها كفَّ حازم * فإنك بالأمر الذي يرتجى ملي ثم نادى بأعلى صوته : يا بني هاشم ، يا بني عبد مناف ، أرضيتم أن يلي عليكم أبو فصيل الرذل بن الرذل ، أما والله لئن شئتم لأملأنها خيلاً ورجلاً ! فناداه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : إرجع يا أبا سفيان ، فوالله ما تريد الله بما تقول ، وما زلت تكيد الإسلام وأهله ، ونحن مشاغيل برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلى كل امرئ ما اكتسب ، وهو ولي ما احتقب ) ! ( الإرشاد : 1 / 190 ) . وقد يتعجب الإنسان من هذا الموقف ( الشيعي المتشدد ) لأبي سفيان ! لكنه في واقعه موقف أموي لا إسلام فيه ولا تشيع ، فالوحي والإسلام ، وأمته ، والنص النبوي ، والوصية بالخلافة لعلي ( عليه السلام ) ، كلها لا تعني شيئاً عند أبي سفيان ، الذي لا يؤمن بالله تعالى ولا بنبي ولا بمعاد ! القضية عنده أن قيادة قريش إنما هي لبني عبد مناف فقط ، أي الجد الأعلى لبني هاشم وأمية ، فهما أصحاب الحق القبلي في قيادة قريش والعرب ! وهذا ( المبدأ القرشي الثابت عنده ) الذي لم يمس طوال صراع قريش مع بني هاشم حدث الآن عليه تآمرٌ ، ودخل على الخط ( أرذل حي في قريش ) فاستولى على سلطان محمد ! والواجب على بني عبد مناف أن لا يسمحوا بالتعدي عليهم ! لذلك صاح في بني هاشم لأن أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) أمرهم ! وعندما زجره عليٌّ ( عليه السلام ) أخذ يصرخ في أزقة المدينة ! ويقول كما في الطبري : 2 / 449 : ( ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ؟ ! والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلاً ورجالاً . . . والله إني لأرى عجاجة لا يطفؤها إلا دم ! يا آل عبد مناف فيمَ أبو بكر من أموركم ؟ ! أين المستضعفان ، أين الأذلان عليٌّ والعباس ؟ ! وقال : يا أبا حسن ، أبسط يدك حتى - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 34 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - أبايعك ، فأبى عليٌّ عليه ، فجعل يتمثل بشعر المتلمس : ولن يقيم على خسف يراد به إلا الأذلان عير الحي والوتدُ هذا على الخسف معكوس برمته وذا يُشَجُّ فلا يبكى له أحدُ قال فزجره عليٌّ وقال : إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة ، وإنك والله طال ما بغيت الإسلام شراً ، لا حاجة لنا في نصيحتك ) . انتهى . ومعناه : أن الجمل ذليل لأنه يذبح و يعلق معكوساً ويقصب ، والوتد ذليل لأنه يدق فلا يبكي له أحد ! وقد روت ذلك مصادر عديدة ، مثل : ( أنساب الأشراف للبلاذري / 479 ، والسقيفة وفدك للجوهري / 40 ، وص 66 ، وشرح النهج : 2 / 45 ، , وكنز العمال : 5 / 653 ، و 657 ، و : 23 / 465 ، والاستيعاب : 3 / 974 وطبعة أخرى / 704 ، والرياض النضرة : 2 / 178 ، وطبعة أخرى / 151 ، والصواعق المحرقة : 1 / 181 ، ونهاية الإرب / 4031 ، وسمت النجوم العوالي / 635 ) . وقد خفَّفَ الطبري وغيره من الرواية ! ففي الإرشاد للمفيد ( رحمه الله ) : 1 / 190 : ( جاء إلى باب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلي والعباس متوفران على النظر في أمره ، فنادى : بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم * ولا سيما تيم بن مرة أو عدِي فما الأمر إلا فيكم وإليكم * وليس لها إلا أبو حسن علي أبا حسن فاشدد بها كفَّ حازم * فإنك بالأمر الذي يرتجى ملي ثم نادى بأعلى صوته : يا بني هاشم ، يا بني عبد مناف ، أرضيتم أن يلي عليكم أبو فصيل الرذل بن الرذل ، أما والله لئن شئتم لأملأنها خيلاً ورجلاً ! فناداه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : إرجع يا أبا سفيان ، فوالله ما تريد الله بما تقول ، وما زلت تكيد الإسلام وأهله ، ونحن مشاغيل برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلى كل امرئ ما اكتسب وهو ولي ما احتقب ) ! انتهى . وقد كذب رواة الخلافة على علي ( عليه السلام ) وأضافوا في جوابه قوله : لقد ارتضينا أبا بكر ! وفي مصنف عبد الرزاق : 5 / 451 : ( إنا رأينا أبا بكر لها أهلاً ) وهو افتراء على علي ( عليه السلام ) ! - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - [ 35 ] - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - وسرعان ما ظهر رأي علي ( عليه السلام ) وانكشفت نية أبي سفيان وأنه يريد دفع بني هاشم والأنصار إلى إعلان الحرب على قريش ويدفعوهم إلى إعلان الردة عن الإسلام ! ولا يقصد إلا دنياً ينالها هو وأولاده فقط ! ففي العقد الفريد : ص 1005 : ( فلما قدم المدينة جعل يطوف في أزقتها ويقول : بني هاشم . . إلى آخر الأبيات . . . فقال عمر لأبي بكر : إن هذا قد قدم وهو فاعل شراً ، وقد كان النبي ( ص ) يستألفه على الإسلام ، فدع له ما بيده من الصدقة ففعل ، فرضي أبو سفيان وبايعه ) . انتهى . لكن أبا سفيان لم يكن ليقنع بهذه الجبنة الصغيرة ثمناً لسكوته وبيعته ، بل يريد تولية أولاده مناصب كبيرة في دولة بني تيم وعدي ! فعينوا ابنه عتبة والياً على الطائف ، وابنه يزيداً على فتح الشام ، وهو منصب مهم جعل أبا سفيان يقضي أكثر وقته في الشام !
يعمل...
X