إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

البركة ومنشؤها الغيبي ، نصيحة لطلاب العلم - العلامة الشيخ نزار آل سنبل

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • البركة ومنشؤها الغيبي ، نصيحة لطلاب العلم - العلامة الشيخ نزار آل سنبل


    البركة ومنشؤها الغيبي ، نصيحة لطلاب العلم
    سماحة العلامة الشيخ نزار آل سنبل القطيفي (حفظه الله تعالى)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وصلى الله على محمد خاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين ،،
    الكلام عن بركة الوقت ، نلاحظ أن بعض العلماء تكون عنده بركة في الوقت ، فيدرس ويُدَرِّس وينجز وينهي المشاريع ، فعلى سبيل المثال نلاحظ أن السيّد الخوئي (رضوان الله عليه) من جهة كان أستاذ الفقهاء والمجتهدين بحق ، والذي تخرج من تحت منبره مئات المجتهدين ، وجميع مراجع العصر أو أغلبهم درس عنده ، والذي لم يحضر عنده مباشرة استفاد من كتبه ، وتقريرات تلامذته ، ومن جهة أخرى كان مرجع الأمة ، ومشاريعه ملأت الشرق والغرب ، فتشعر بالبركة في وقته .
    وفي المقابل تلاحظ كثيرا من الطلاب يقول : ليس عندي وقت ! ، والسبب يعود لأمر غيبي ، فالبركة أمر غيبي وليس أمرا يُحصَّل بالأمور المادية ، كما أن البركة تكون على جميع الأصعدة فهي في العمر ، والوقت ، والرزق ، فقد تجد شخصاً راتبه الشهري آلاف أو ملايين الدنانير ، ولكن آخر الشهر يقول ليس عندي مال ، لأنه صُرف على علاج مرض أو على أمور مترفة ، بينما تجد شخصاً آخر له مال أقل من ذلك الشخص الأول بكثير ، لكن أموره ليست متعسرة بل هي سهلة يسيرة .
    هذا معنى أن الأول لا بركة له في رزقه بخلاف الثاني فإن الله سبحانه قد جعل البركة في رزقه ، وهنا نلاحظ أنه الصدقة توجب البركة ، ونلاحظ في بعض الروايات : كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) – نهج البلاغة ج4 ص57 - : >إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة<، فإن الإنسان لو تصدق كثر خيره ، وتنفتح له الأبواب .
    وبالمناسبة ينقل المرجع الديني الكبير السيد هادي الميلاني -وهو زميل السيد الخوئي (ضوان الله عليهما)- عن السيد هبة الدين الشهرستاني (رحمه الله) ، عن تاجر إيراني كان مسافرا إلى فرنسا في ذاك الوقت -أي قبل مئة سنة تقريباً-
    وكان قد صرف أمواله في السفر فلم يتبقى عنده إلا ليرة واحدة ذهبية ، وكانت لديه عدة مصاريف منها : إجار الفندق ، وما يمكنه من الرجوع إلى إيران ، فخرج من الفندق يتمشى إلى أن وصل إلى محطة القطار ، فرأى امرأة بمظهر مذهول غير مرتب ، فأخذه الفضول وسألها عن قصتها ، فقالت له : أشتغل عند جماعة ، وصاحبة البيت غضبت مني وطردتني ، ولا أتمكن من الرجوع إلى بلدي -وكانت تريد أن تنتحر لهذا السبب عن طريق رمي نفسها أمام القطار- فسألها : كم تحتاجين ؟ فأخبرته بأنها تحتاج إلى ليرة ذهب واحدة حتى ترجع إلى بلدها ، بل كانت الليرة تكفيها وزيادة ، فأعطاها ما يملك .
    وأثناء الحديث عرفت أنه ليس عنده شيء ، ويحتاج إلى الأجار والحجز ، فقال لها : إن الليرة الواحدة لا تفيدني ، وكأنه مع السؤال والجواب عرفت مكان سكنه ، وعرفت أنه مسلم .
    فذهبت ، وهو رجع إلى محل سكنه ، ثم رأى شخصاً يعرفه ، فقال له : فلان ابن الأمير -والظاهر أنه من نفس المنطقة- يسأل عنك ، فقال له : أين يسكن ؟ ، فقال : بالفندق الفلاني ، فذهب إليه وجلس معه ، وقبل أن يودعه أعطاه كيس من الليرات ، وقال له ابن الأمير : أنا مسافر ، وأنت موجود وقد تحتاج هذا المال ، فرجع إلى محل سكنه وعدّ ما في الكيس فإذا هي 700 ليرة بحيث تكفي نفقة السكن، وتكفيه للرجوع إلى إيران أيضا ، فمباشرة تذكر قوله تعالى في سورة البقرة : {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ} ، فهي ليرة واحدة ، ولكنها أصبحت سبع سنابل .
    فأحس هذا التاجر براحة نفسية ، وفي اليوم ثاني وهو جالس بالغرفة ، وإذا بالباب يُطرَق ، فإذا برجل وامرأتين ، إحداهن تلك المرأة التي ساعدها .
    فقالت له : أخبرتهم بالقصة أمس فأرادوا أن يشكروك ، لأن العمل إنساني وكبير ، وأن يهبوا لك هذه الهدايا .
    فتذكر التاجر تتمة الآية الكريمة : {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .
    فنلاحظ أنها ليرة واحدة ، لكن الله سبحانه فتح له الأبواب وكفي مؤنة الإجار والسفر ، مع الهدايا الأخرى التي وصلت له .
    فالشاهد أنه هذه البركة في الوقت والرزق والعمر أمر غيبي ، فبما أنه أمر غيبي فلابد أن نطرق الأبواب التي توصلنا إليه .
    والسؤال : كيف تحصل عندنا بركة في الوقت ؟
    من باب المثال ، ورد في الحديث الشريف عن الرضا ( عليه السلام ) -وسائل الشيعة ج6 ص497 : >في قول الله عز وجل {فالمقسمات أمرا} قال: الملائكة تقسم أرزاق بني آدم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، فمن نام فيما بينهما نام عن رزقه< ، فلو أن الإنسان قضى هذا الوقت بالعبادة أو التحصيل لحصّل البركة الواقعة في مثل هذا الوقت .
    ولا ينبغي أن تغفل عن أن التحصيل رزق ، وبعض الروايات تشير إلى ذلك فعن الإمام الباقر (عليه السلام) – الكافي ج1 ص50 - : >في قول الله عز وجل : {فلينظر الإنسان إلى طعامه} قال : قلت ما طعامه ؟ قال : علمه الذي يأخذه ، عمن يأخذه< ، فلابد أن لا يأخذه من أي أحد ، بل يأخذه من عالم متدين ليست عنده انحرافات ، وإلا فإنه إذا أخذ العلم من منحرف فمن الطبيعي أن يتأثر شيئا فشيئا فينحرف .
    فالرزق سواء المادي أو المعنوي يحتاج إلى البركة ، والبركة لها مناشئ فلابد للإنسان أن يهيء أسباب البركة ، ومن أسبابها مثلا صلاة الليل ، قال سبحانه : { إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا } .
    ومن أسباب البركة : تنظيم الوقت ، فإن هذا التنظيم يوجد له البركة ويتسع له الوقت ، ويستطيع بذلك القيام بوظائف المحصلين من المراجعة والكتابة وغيرهما .
    وبالنسبة إلى طلب العلم الحوزوي ، فإن طالب العلم يحتاج إلى ثلاثة أمور :
    الأمر الأول : الإخلاص في النية والعمل ، وأن يدرس قربة لله سبحانه ، لا لأجل رياء أو سمعة أو السعي نحو منصب أو مقام أو شأن ، بل المهم أن يسعى لأن يكون عالما عاملا ، وأما المناصب فإنها تأتيه تباعا من غير سعي إليها ، وعلى طالب العلم أن يسعى لأن يكون في المستويات العلمية العالية ، بأن يضع نصب عينيه المستوى العالي ويسعى لأن يكون مثله أو أفضل منه ، وعلى طالب العلم أن يضع نصب عينيه خدمة العلم ، فيسعى لأن يكون أستاذا في الحوزة العلمية لينشر العلم في هذا الوسط المبارك .
    الأمر الثاني : التوسل ، وكان مما استفدناه من سماحة الأستاذ المرجع الشيخ الوحيد الخراساني (دام ظله الوارف) أنه ينبغي لطالب العلم أن يتوسل بصاحب الزمان (عجل الله فرجه الشريف) حتى يحفظه من الانحرافات ، فإنَّ طريق طلب العلم طريق ذات الشوكة ، وطالب العلم بحاجة إلى من يدله على الطريق ، وإذا كان طالب العلم متوسلا ومتمسكا بإمام زمانه فإن الإمام يرفعه بطرقه الخاصة ويقيه من الوقوع في الانحرافات .
    وبما أننا في جوار أمير المؤمنين (عليه السلام) فإننا نطلب ذلك منه ، فأمير المؤمنين (عليه السلام) مع شيعته -وخصوصاً مع الطلبة- الأب الرحيم .
    الأمر الثالث : الاهتمام بالدرس -وهو الشغل الحقيقي لطالب العلم- ، فالدرس يحتاج إلى عدة أمور حتى تتركز المطالب في ذهن الطالب :
    الأول : تحضير الدرس ، فإذا لم يحضر لم يتوجه كثيراً ولم يفهم كثيراً ، وإذا كنت محضراً للدرس فإنك سوف تتوجه ، وطريقة التحضير للدريس : بأن يقرأ الكتاب المراد دراسته مع محاولة فهمه بأن يقرأه مرة ومرتين وثلاث ، فيحاول أن يفهم قدر الإمكان .
    الثاني : ثم تأتي مرحلة حضور الدرس ، فلابد أن يحضر ، ولا ينبغي أن يضع الأعذار والمبررات لأجل التغيب عن الدرس ، فعلماؤنا كانوا يلتزمون بالحضور ، فتجد المحقق الأصفهاني (رضوان الله عليه) كما ذكر الشيخ المظفر (رحمه الله) في مقدمة حاشية المكاسب عند ترجمة المحقق الاصفهاني (رحمه الله) ، بأنه حضر عند الشيخ الآخوند (رضوان الله عليه) 13 سنة ، ولم يغب إلا يومين ، أحدهما بسبب المرض والآخر بسبب المطر الشديد حيث لم يتوقع حضور الشيخ الآخوند (رضوان الله عليه) للدرس ولكن تبين بعد ذلك أنَّ الشيخ الآخوند قد حضر مع بعض الطلاب .
    ومثال آخر هو ما ذكره أستاذ الفقهاء السيد الخوئي (رضوان الله عليه) في تقريضه لتقريرات تلميذه السيد علي الشاهرودي (رحمه الله) - وهو أحد تلامذة السيد الخوئي صاحب تقريرات دراسات في أصول الفقه ، ودراسات في الفقه الجعفري ، وهو أول من قرر للسيد الخوئي ، وقرر له في البيع ، وتوفي وهو شاب - حيث قال : وكان يشكر الله سبحانه وتعالى على أن وفقه لحضور درسنا عشرين سنة ، لم يغب يوماً واحداً .
    فمن يريد التحصيل ، عليه أن يبتعد عن الاعتبارات والانشغالات ، إلا أن يمرض مرضا يقعده عن الدرس .
    ومن المنقولات اللطيفة المرتبطة بهذا الشأن ، ما ينقل عن الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (رحمه الله) أنه كان يقول للطلبة الذين يعتذرون عن حضور الدرس بسبب الشغل ، كان يقول :قولوا للشغل عندي درس .
    فالشيء الأساسي هو الدرس ، والأشغال الأخرى تقضى في وقت آخر .
    الثالث : وبعد حضور الدرس ، إذا رجع الطالب إلى البيت يحاول أن يقرأ الدرس مرة ثانية ، فإذا قرأه فإنه سيجد تفاوتا بين القراءة الأولى -قبل الحضور- والقراءة الحالية ، فيسجل اشكالاته ويسجل ما لم يتضح له من الدرس .
    الرابع : ثم يكتب خلاصة الدرس على نقاط من دون أن يرجع للكتاب ، فإن تمكن من الكتابة والتلخيص فقد فهم الدرس ، وإلا فعليه أن يراجع مرة أخرى .
    الأمر الخامس : وبعد ذلك كله يأتي دور المباحثة ، والأفضل أن يكون المتباحثون ثلاثة أشخاص ، حتى يفصل الثالث النزاع بين الإثنين إذا اختلفا .
    والمتعارف من طريقة المباحثة في هذه الأيام هو : أن يلقي الدرس في هذا اليوم الطالب (أ) والبقية يستمعون ، ثم في اليوم الثاني يكون دور الطالب (ب) والبقية يستمعون وهكذا ، وهذه طريقة جيدة ، ولكنها ليست جيدة بالنحو الأكمل ، والأكمل أن تكون المباحثة بين الطلاب بالقرعة ، فبعد أن يحضّر الجميع للمباحثة ، تكون القرعة على واحد منهم ، وهذه الطريقة لها فوائد متعددة منها أنها تجبر جميع الطلاب على التحضير في كل يوم إذ من المحتمل أن تكون القرعة عليه فيكون دوره في الإلقاء والبيان .
    فإذا قام الطالب بهذه الأمور الخمسة ، ارتكزت المطالب في ذهنه -حتى على المدى البعيد- لأنه مر على المطالب خمس مرات مع تركيز ومباحثة .
    فلابد أن تحاولوا قدر الإمكان بهذه الطريقة حتى تستفيدوا من عمركم ، ووقتكم ، ودراستكم .
    وصلى الله على سيدنا محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين ..


    ✒️تقريراً لمحاضرة ألقاها سماحة العلامة الشيخ نزار آل سنبل (دامت بركاته) على طلبة العلم في النجف الأشرف ليلة الثلاثاء ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ

يعمل...
X