إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

واقعة الفيل بين حكم الدين والروايات التاريخية.

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • واقعة الفيل بين حكم الدين والروايات التاريخية.

    للنشر فقط
    🎈 واقعة الفيل بين حكم الدين والروايات التاريخية.
    مصطفى الهادي.
    🔹 لم تتعرض هذه الواقعة وحدها إلى التشكيك والتشويه المتعمد، بل سبق ذلك هو الطعن بشخصيته صلوات الله عليه واتهامه بشتى لاتهامات لكي يُسقطوا ما أتى به للعالمين. فقيل عنه شاعر، ومجنون ، وساحر. ولما اعياهم ذلك واعجزهم قالوا عن كتابه بأنه نسخة من التوراة والانجيل، وأن بعض الكهّان كان يُلقنه آياته، وأنه كان يُصاب بالصرع ويهذي بهذا الكلام، ولما أعياهم ذلك أيضا عمدوا إلى اشهار سيوفهم ورماحهم وتحالفوا مع الشياطين من اجل اسقاط دعوته والقضاء على رسالته .
    🔹 ولما لم يفلحوا دسوا المنافقين في دعوته ليكونوا اقرب صحابته لهدم الدين من الداخل وليكونوا مثلا سيئا لشكل المسلم المؤمن بالدين الجديد لتنفير الناس ومنعهم من اعتناق هذا الدين.
    🔹 ولما أعياهم ذلك واصبح الاسلام عزيزا منيعا وتحقق كل ما تنبأ به من الفتوحات والقوة والغلبة والعلو. بدأوا يعملون في السر مشكلين جيشا من اليهود والنصارى والفلاسفة وما تبقى من مشركي قريش ممن ابطن كفرا واظهر اسلاما فعمدوا إلى كل ما قاموا به وما طرحوه من شبهات منذ بداية دعوته وحتى يوم وفاته (ص) فجعلوه دستورا لهم ومنهاجا يسيرون عليه من اجل القضاء على الرسالة أو تشويهها او طمس معالمها وخلق دين جديد بمواصفاتهم الخاصة اضافة إلى شخصياتهم (المنافقين) الذين بدأوا يدفعونهم إلى الواجهة أملا بالاستحواذ على الدين كله بعد رحيل نبيه (ص). وهذا ما حصل فعلا في (السقيفة). وبدعمٍ قوي جدا من الخط الأموي الذي لا يزال يُبطن كفرا ويُظهر إسلاما كاذبا.
    🔹 تعامل القرشيون مع الدين على أنه تجارة، وهم الذين اعتادوا طيلة قرون على ان يستفيدوا من الدين وينتفعوا من الاصنام وما تدره عليهم من أموال وجاه، يضاف إلى ذلك عقليتهم التجارية التي ذكرها القرآن (رحلة الشتاء والصيف) التي لم يكونوا يُحسنوا غيرها، فلا صناعة ولا زراعة عندهم . فقد كانت حياتهم التجارة وهي الشريان الذي يمدهم بالبقاء ، فكانوا من خلال ذلك يبخسون حق الناس ويسرقوهم حتى اصبحت هناك طبقات ثرية تشربت المعاملات التجارية في دمائهم فأبت ان تنصاع للدين الجديد الذي يحد من حرياتهم ويقطع عنهم سبل الغش التي كانت من أولويات رزقهم وثروتهم.
    🔹 ولما جاء الدين الجديد على يد فقير يتيم استعظموا ذلك وهم اهل الجاه والقوة والثروات. فحاولوا جاهدين ان يستثمروا ذلك لصالح تجارتهم ويتعاملوا مع الدين الجديد بالبيع والشراء والتعامل معه على أساس انه مصدر رزق آخر ينتفعون منه.ولذلك نرى قريش في بداية دعوة نبينا (ص) تعرض عليه امورأ اهمها أن يجمعوا له أموالا لكي يكون اكثرهم مالا ويترك الدين الجديد.
    فإذا كان هذا حال قريش، اهله وعشيرته، فما هو حال اليهود والنصارى الذين كانوا حول مكة والذين كانوا اكثر تحضرا حيث أن لهم زراعتهم وصناعتهم وفلسفتهم، ماذا كان موقفهم من الدين الجديد؟
    🔹 لقد مرّ في المقدمة أنهم تحالفوا مع قريش من اجل القضاء على هذا الدين مع معرفتهم التامة أنه دين حق ونبي حق واستسلامهم في المباهلة لشروط النبي (ص) اعتراف منهم بذلك ، ولكنهم عجزوا عن مقارعته حتى تم اجلائهم عن مكة وضواحيها بسبب سوء نواياهم وغدرهم المتكرر. ولكننا مع ذلك لم نشهد من اليهود والنصارى المعاصرين لولادة النبي محمد (ص) ورسالته اي تشكيك في آيات القرآن في بداية الأمر، فقد كانوا في البداية يُشككون في شخصية النبي (ص) ويُباهلوه على هذا الاساس ولم نسمع منهم في بداية الدعوة انهم شككوا بما جاء به وخصوصا فيما يتعلق بالآيات التي تنبأ فيها او ذكر فيها اشياء معجزة خارقة للطبيعة ، لأن ذلك وبكل بساطة قد تحقق واثبت صدق الراوي ووثاقة المصدر.
    🔹 ومن ذلك واقعة الفيل المشهورة كأغرب معركة حصلت في هذه البقعة القاحلة من الجزيرة فعند نزول هذه الاية لم يقل أحدٌ من مشركي قريش او من يهودها ونصرانييها ان ذلك لم يحصل.لأن نصارى الجزيرة انظمّ بعضهم إلى حملة إبرهة على الكعبة وبذلك فهم يعلمون صدق رواية القرآن. ولكن التشكيك حصل فيما بعد وبعد قرون وذلك بسبب عجزهم من العثور على هنّات في القرآن يتخذونها ذريعة للطعن فيه ، فبدأت الأقاويل تظهر من هنا وهناك خصوصا في العهد الاموي والعباسي الذي اشتدت به حركة الترجمة ودخول النصارى إلى القصور الملكية واصبحوا من كبار رجالات الدولة فبدأوا يتحركون من الداخل بكل قوة بسبب دعم الخليفة لهم.
    🎈 واقعة الفيل.
    🔹 استعمال الفيلة في الحروب قديماً لم يكن بأمر مُستغرب،ولكن المستغرب لدى البعض أن الكثير من الوقائع التي تم استخدام الفيلة فيها حصلت معاجز للقضاء على هذه القوة الفتاكة في ذلك الزمان. يقول مقال منشور في صفحة تاريخ الاسطورة : (قصة محمد و بداية دين الإسلام بدأت عام 571 م الذي سُـمّي عام الفيل، وبسبب الإحتقان الديني بين مكة و اليمن قرر الملك النصراني أبرهة إرسال جيش يضم عدداً من الفيلة الذين يُفترض أنهم قادرون على دكّ المدينة المقدسة.و لـقُرون كان الإثيوبيون يضعون الفيلة في مقدمة الجيوش). ثم كتب المقال عن حملة ابرهة على الكعبة بتفاصيل اكثر . فلم ينكر وقوع هذه المعركة واعتبرها من المسلمات التاريخية.(1)
    🔹 على الرغم من بعد المكان عن إفريقيا وغرابة النصوص المتعلقة بمعارك الفيلة إلا أننا نرى الكتاب المقدس يروي لنا الكثير من الوقائع والمعارك التي حصلت هنا وهناك وخصوصا على أرض فلسطين حيث استخدمت الجيوش الغازية الفيلة وباعداد كثيرة. لا بل ان السرد التفصيلي لهذه المعارك وما تحمله الفيلة من أثقال او تقوم به من أفعال ، لا يقبله العقل وذلك من حيث أعداد المقاتلين الذين يحملهم كل فيل ناهيك عن عدتهم وسلاحهم والهودج وما فيه من سلاسل واثقال ورماح ونبال ودروع حديدية يرتديها الرجال.(2) ومع ذلك فإن عالم اليهودية والمسيحية كلها يقف مدافعا عن هذه النصوص وتبرير الهنّات التي وردت فيها، ولم نر اي يهودي او مسيحي قام بالتشكيك بهذه التفصيلات المملة والغير منطقية التي تذكرها النصوص المقدسة التي يزعمون أنها إلهية.
    🔹 وكما هو معروف عند الأديان جميعا وخصوصا اليهود و النصارى من أنهم يؤمنون بمعتقد نصرة السماء للبشر وفي أشكال مختلفة وكتبهم المقدسة حافلة بذلك، والتركيز هنا على ما جاء في سفر المكابيين الذي يذكر قصة الحاكم الإغريقي أبولونيوس حاكم سوريا وفينيقيا وكيليكيا و اضطهاده لليهود فيها. فيُفسرون ما وقع في هذا السفر بقولهم : (وما أن وصل أبولونيوس حتى أعلن أنه جاء بأمر الملك سلوقس ليضع يده على المال الذي وُضع في كنز الهيكل. وتوجّه أبولونيوس إلى الهيكل مهدّداً فاجتمع الكهنة و النساء و الأولاد في الهيكل، و توسّلوا إلى الله ليحمي المكان المقدّس .و إذ كان أبولونيوس داخلاً مع جيشه المدجّج بالسلاح ليسلب المال، ظهر من السماء ملائكة يمتطون الجياد و يرتدون الأسلحة اللمّاعة. فامتلأوا خوفًا و رعدة و سقط أبولونيوس شبه ميت في رواق الأمم. فصلّى عظيم الكهنة من أجله فنجا أبولونيوس بمعجزة).(3)
    🔹 كما يذكر هذا السفر أيضاً قصة (بطليموس فيلوباتير) الذي توعد اليهود بالإنتقام منهم، فأمر بأن يُداس أولئك اليهود بأقدام خمسمائة من الفيلة الثملة. فلما حان وقت التنفيذ لقتل اليهود، صلى هؤلاء إلى الله بقيادة كاهن عجوز يُدعى أليعازار فنزل ملاكان من السماء أفزعا الفيلة فتحولت إلى جنود الملك و قتلت عدداً منهم، مما جعل الملك يندم و يتوب إلى الله و يُطلق سراح اليهود!. هذا كله وراد في كتب القوم المقدسة وتفاسيرهم وتراثهم ولم نر من اليهودية او المسيحية ولا من المتأسلمين من علمانيين والحاديين من ينتقد ذلك او يُشكك به. بل تنصب كل جهودهم على نقض ما جاء في الاسلام والقرآن.
    🔹 ما اريد أن اقوله هو أن هؤلاء اليهود والنصارى يُضاف إليهم مجموعة من المتأسلمين من العلمانيين والملحدين يستهدفون هذه الواقعة التي خلدها القرآن فيعمدون إلى توجيه سهام النقد والتشكيك من دون أن يُقدموا اي تفسير أو دليل علمي منطقي بديل.ومن ذلك على سبيل المثال ما يقوله الدكتور غالي المعروف بـ هولي بيبل في موقع مقالات الكتاب المقدس تحت عنوان : الفرق بين حجارة البَرد في زمن يشوع وحجارة طير الأبابيل فيقول : (موضوعي هو مقارنة سقوط حجارة من السماء في الكتاب المقدس والقران ، وهو مقارنة لتوضيح الفرق بين المعجزة والخرافة . يُعتبر سقوط الحجارة من السماء في الكتاب المقدس أمر إعجازي ، بينما سقوط الحجارة من السماء في واقعة الفيل خرافة. ان الرب اله الكون استخدم الطبيعة لمساندة يشوع وشعب اسرائيل فسمح بسقوط حجارة ثلجية من السماء والمعجزه حدثت بتوقيت مناسب لقتل اعداء يشوع وحماية يشوع وشعبه من البرد فقتل الاعداء فقط بارادة الرب).
    🔹 بينما يرى غالي بيبل أن حجارة طير الأبابيل التي كان ترجم الجيش برمته منفردة به من دون اختلاط مع جيش آخر، هذه الحجارة يراها مجرد خرافة. فحجارته حسب رأي الدكتور كانت تفرز جماعة يشوع فلا تُصيبهم،مع أنهم كانوا مشتبكين وملتحمين بالسلاح مع أعدائهم، فقط تختار أعداء يشوع فترضخ رؤوسهم.
    🔹 ولعل اغرب ما قرأته عن واقعة الفيل هو قيام بعض النصارى باقتباس هذه الواقعة باالشكل الذي ذكره القرآن وما قاله المفسرون ونسبوها إلى شخصيات وهمية وأماكن ووقائع. والأغرب من ذلك أن من يسرقون هذه الواقعة يضعون لها تاريخا يقترب من فترة ميلاد نبينا عليه الصلاة والسلام. فيزعمون أن هذه المعارك وقعت بتاريخ (451) ، تحت إسم معركة (أفاراير).ولكن فريقا آخر انتبه إلى هذه السقطة فزعم أن هناك معركة أخرى وقعت بتاريخ (591) ميلادي ، أطلقوا عليها معركة (بلاراثون). ولكن الغريب أن كلا التاريخين لا يتطابقان والواقعة التي حصلت في مكة والتي يُحدد وقوعها المؤرخون بين سنة (570-571 بعد الميلاد). وبعضهم يقول سنة (468 ــ 469). ومن خلال ذلك نعرف أن هذه التواريخ هي التي أحاطت بزمن ولادة نبينا محمد صلوات الله عليه .(4) وأن تقديم تاريخ المعركة او تأخيره إنما يخدم اهداف مستقبلية غايتها التعمية على الحديث الأهم ألا وهو ميلاد نبيا صلوات الله عليه ومحاولة اغتياله. فهل هذا التشويه عن طريق المصادفة أم ان هناك يد حاذق يعرف كيف يُتقن كذبته.
    🔹 وكذلك يقولون بأن بعض المعارك التي حدثت بين الفرس والروم بالقرب من مناطق مكة ــ طبعا لا يحددون المكان ـــ والتي استخدمت فيها الفيلة هذه المعارك سرقها المسلمون ونسبوها لهم وحاكوا منها اسطورة ابرهة الحبشي وفيلته، ثم يذكرون تواريخ واماكن لهذه المعارك . ولكننا نقول لهم بأن ما تقولوه هو شهادة من طرف واحد لا دليل تاريخي عليها عند الطرف الآخر (الفرس) ، فالفرس لم يذكروا في مدوناتهم هذه المعارك المزعومة . فلم يؤرخوا لمعركة حصلت بالقرب من مكة بينهم وبين الرومان سنة 451 أو سنة 591.
    🔹 من ذلك نفهم أن كل ما يجري من تشويه لهذه الواقعة يزرع الشك في العقول ويدفعها للاعتقاد ان حدثا هاما حاول النصارى اسكاته والتعتيم عليه منذ زمن مبكر وبدعم من اليهود الذين كانوا يتواجدون حول مكة وفي المدينة يُراقبون الأوضاع عن كثب لعلمهم ان هذه المنطقة سوف تتمخض عن ولادة نبي جديد سوف يُدين المسكونة وهذا يجدونه مكتوبا عندهم في الكتاب المقدس كما يقول يوحنا اللاهوتي : (لأنه أقام يوما هو فيه مزمع أن يدين المسكونة بالعدل، برجل قد عينه مقدما للجميع). (5)
    🔹 وهذا النص كتبهُ اللاهوتي بعد رحيل السيد المسيح وموت يوحنا المعمدان، فلا مجال للزعم فيه بأنه يتعلق بهما.لأن السيد المسيح لم يبق سوى ثلاث سنوات في تبليغ رسالته ثم رحل ، ويوحنا تم قطع رأسه على عهد السيد المسيح فمات شهيدا قبل رحيل المسيح.وبعدهما بسنوات طويلة كتب يوحنا اللاهوتي رؤياه التي اخبر فيها بأن الله مزمع ان يرسل رسولا قد عيّنهُ للجميع، أي لجميع البشر ومصداق ذلك في القرآن في قوله تعالى : (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا).(6)
    🔹 يضاف إلى ذلك نفي يوحنا المعمدان أن يكون هو هذا الرجل الذي عينه الله لهداية الجميع فقد نفى ذلك وقال : (من تظنون أني أنا؟ لست أنا إياه، لكن هوذا يأتي بعدي. هو أقوى مني).(7) وفعلا مات يوحنا شهيدا ، ورحل السيد المسيح وحيدا، وبقى النصارى ينتظرون (الآتي) وقد عرفوا من كتبهم بأن المنطقة التي سوف يخرج منها هي تيمان (مكة) فعمدوا أولا إلى تشويه نصوص البشارة بنبوة نبينا (ص) في كتابهم المقدس، وانتقالهم ثانيا للسكن حول مكان الولادة.
    🔹 ومن هنا فإن اهل الكتاب كانوا (يعرفونه كما يعرفون ابنائهم.. الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل).(8) ويعرفون علاماته وحتى تاريخه الذي ازف على ولادته الميمونة. ولكنهم كانوا يكتمون ذلك ويتحينون الفرص للإنقضاض عليه وقتله خصوصا وأن لهم تاريخ طويل في ملاحقة الأنبياء ومحاولة قتلهم في المهد ، مثل محاولتهم قتل نبي الله موسى (ع) يوم ولادته لولا ان الله انقذه ، وكذلك محاولتهم قتل السيد المسيح أيضا يوم ولادته فهربت به أمه إلى مصر، وتاريخ الأديان حافل بمحاولات قتل الأنبياء التي نجح بعضها وفشل البعض الاخر، فلا نستغرب أن يقوم اليهود والنصارى بتجهيز جيش لقتل هذا الوليد.
    🔹 وعندما فشلت محاولتهم ودحر الله جيوش الباطل واهلكهم وجعلهم كعصفٍ مأكول استمرت محاولاتهم للنيل منه (ص) إلى آخر يوم من أيام حياته فشنوا عليه الحروب وحرضوا القبائل ، ودسوا له من يغتاله ووضعوا له السم في الطعام وحاولوا القائه من الجبل بالتعاون مع المنافقين فيما يُعرف بـ (ليلة الدباب).فكل ما جرى من محاولات لتصفية النبي هي امتداد لمحاولة ابرهة الفاشلة.
    🔹 اما قوله تعالى (الم يجعل كيدهم) ففي رأيي فان معنى المكيدة المراد في هذه الآية، هي التخطيط وحياكة المؤامرة باحكام فإذا فشلت أستمرت تلاحق كل ما يتعلق بالمكيد له في رسالته وفي كتابه وفي شخصيته لا بل بكل ما يتعلق به. ومن الطبيعي ان المكيدة لا تكون في الجماد من الاحجار والبنايات ولا الحيوانات ، لأن المكيدة غايتها هي ايقاف الشيء عند حده وهي موجهة للعاقل من المخلوقات ، واما قول إبراهيم (ع) : (لأكيدن اصنامكم). اي لأبطل عبادتكم لها. ولذلك نرى القرآن استخدم (الكيد) في اكثر من آية مشيرا به للإنسان مثل قوله تعالى : (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا).(9) وكذلك قوله تعالى : (لا تقصص رؤياك على إخوتك فيَكيدوا لك كيدا).(10) وكذلك قوله : (وإلا تصرف عني كيدهن اصبُ إليهن).(11)
    🔹 ومن ذلك نفهم أن قوله تعالى : (إلم يجعل كيدهم). معناه كيدهم الذي أرادوا به ان يقتلوا النبي الجديد، كعادتهم في قتل أنبياءالله ، فجعل تعالى كيدهم في ضياع وخسارة وابطلهُ.(أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون).(12)
    🔹 إن الذي أرسل طير الأبابيل لحمايته صغيرا ودفع عنه الكيد، حفظه من المشركين أيضا فأنزل عليه جيوش من الملائكة لنصرته وحفظه أيضا في بدر كما يقول في سورة التوبة : ( وأنزل جنودا لم تروها .. يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين). (13)
    🔹 وفي السيرة النبوية الكثير من هذه المحاولات الرامية إلى تصفية النبي (ص) ومنذ ان كان طفلا كما ذكروا أن النبي كان صبيا عندما ذهب مع عمه ابي طالب في رحلة الى الشام وفي منطقة الاستراحة (نصرة). رآه راهب مسيحي كان في صومعة هناك وعرفه من اوصافه،ونصح الراهب ابا طالب أن يرجع به إلى مكة خوفا عليه من اليهود وغيرهم ممن يتربص به فرجع به ابو طالب ولم يُكمل مسيره إلى الشام التي كانت تعج بالنصارى.(14)
    🔹 إذن هجوم إبرهة الحبشي لا يتعلق بهدم الكعبة بل هناك امرٌ آخر خفي تستروا عليه . فكما نعرف أن الكعبة تعرضت للحريق عدة مرات، وتعرضت للغرق حتى تهدمت جدرانها ، ووضع المشركون فيها اصنامهم وعبدوها من دون الله،وقام زنادقة بسرقة الحجر الأسود ونقله إلى اليمن ثم إلى الكوفة وهم يهزجون : (أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟). (15)
    🔹 فلم يرسل الله تعالى عليهم طيرا ابابيل على الرغم من الاشراك به والجرأة عليه بما كان يجري من محرمات في بيته. فلماذا يتكفل الله شخصيا بالدفاع عن بيته بسبب أن شخصا وثنيا مشركا طفر من مكة إلى اليمن ليقضي حاجته في كنيسة إبرهة فثارت بسبب ذلك ثائرة النصارى وأعلنوا الحرب على الله وعلى بيته وقرروا هدمه انتقاما لحادثة إحراق ستائر أو (التغوط) في كنيستهم ، إن صح ذلك. وأي عاقل يقبل ذلك.ثم كيف عرف إبرهة أن هذا المتغوّط كان من مكة؟ والروايات لا تقول بذلك، بل هو من
    احد قبائل الجزيرة.
    🔹 أما الجانب الآخر (المسيحي) الذي يقوم ليل نهار بتشويه الاسلام ومحاولة طمس معالمه وبعد البحث وجدنا أن كتابهم المقدس أشار إلى هذه المعركة إشارات واضحة . فهذه المعركة ليست من مختصات القرآن وحده ، فهذه الواقعة ذكرها الكتاب المقدس ولكنهم كعادتهم خلطوا بين الاحداث والاماكن فضاعت معالمها.
    🔹 المعاصرون لأجواء المعركة التي ذكرها الكتاب المقدس كانوا يترقبون نصرا من السماء يقضي على الجيوش الغازية كما نقرأ في نص سفر المكابيين: (وكان الباقون في المدينة في اضطراب شديد من قبل القتال الذي كانوا يتوقعونه في الفضاء.وبينما كان الجميع ينتظرون ما يأول إليه الأمر، وقد ازدلف العدو واصطف الجيش وأقيمت الفيلة في مواضعها ، تفرس المكابي في كثرة الجيوش وتوفر الأسلحة المختلفة وضراوة الفيلة؛ فرفع يديه إلى السماء ودعا الرب الرقيب صانع المعجزات، وصلى قائلا: يا رب، يا ملك السموات، أرسل ملاكا صالحا أمامنا يوقع الرعب والرعدة وبعظمة ذراعك).())
    🔹 وهذا ما فعله عبد المطلب أيضا حينما رأى كثرة جيوش ابرهة وفيلته قام برفع يده إلى السماء كما تذكر لنا المراجع ودعى الله لحماية بيته.ويؤيد ذلك ما يذهب إليه القس انطونيوس فكري في تفسيره لنص المكابيين حول معنى القتال الذي كانوا يتوقعونه في الفضاء: (تأتى رؤيا المكابى امتداد وتكليل لكافة الرؤى والمعونات الآتية رأسًا من السماء). فلم يقل القرآن باكثر من ذلك ، ايضا المدد نزل من السماء.على جيشٍ وفيلةٍ معتدية.
    🔹 واما الذين أثاروا شبهة أن مرض الجدري انتشر في اوساط جيش ابرهة فعلى ما يبدو أنهم بتروا ذلك من الرواية التي اوردها الرازي في تفسيره عن ابن عباس قال (لما أرسل الله الحجارة على أصحاب الفيل لم يقع حجرٌ على أحد منهم إلا نفط جلده وثار به الجدري فجعلت ترميهم بها حتى جدرت أجسادهم فقتلهم بها). ولكن أعداء الإسلام اخذوا كلمة الجدري وتركوا بقية الرواية التي تذكر طير الابابيل.(17). ولكن لو سلمنا جدلا بقولهم فإن ما يؤيد أن مرض الجدري إنما حصل بفعل طيور جاءت به كما يذكر المؤرخ (بروكوبيوس القيسراني) الذي كتب : تفشي هذا المرض في بيلوز سنة 554 م وكذلك في القسطنطينية سنة 569 م أن هذا الوباء قد جاء من منطقة مجاورة لبلاد العرب عن طريق بعض الطيور. وهذا التاريخ هو أحد التواريخ التي ذكرها المؤرخون لحملة إبرهة .(18)
    🔹 في الكتاب المقدس نرى حادثة اعجب من حادثة الفيل ولكنها من حيث الوصف تشبه ما حصل لجيش ابرهة تماما من انتشار مرض غريب فيه دمامل وبثور وذلك عندما ضرب الله فرعون بعدة امراض كما يقول : (ثم قال الرب لموسى وهرون خذا ملء أيديكما من رماد الأتون وليذره موسى نحو السماء أمام فرعون. ليصير غبارًا على كل أرض مصر فيصير على الناس وعلى البهائم دمامل طالعة ببثور في كل ارض مصر. فأخذا رماد الأتون ووقفا أمام فرعون وذراه موسى نحو السماء فصار دمامل بثور طالعة في الناس وفي البهائم).(19)
    🔹 الكتاب المقدس يقول بأنهُ في قبضة واحدة من رماد أصاب الله كل أرض مصر وكل شعبها وحيواناتها بالدمامل والبثور. وهذا نفسه ما حصل لجيش ابرهة حيث اصابه وحيواناته وفيلته بتلك الحجارة التي جعلت جلودهم تنفط كالجدري مليئة بالدمامل والبثور. فما هو الغريب في واقعة الفيل الذي تُنكرونه ويوجد عندكم مثله واكثر. ولكن الفرق بين الواقعتين أن الله ضرب فقط جيوش ابرهة المعتدية ، بينما في واقعة موسى فإن الله ضرب كل حي في أرض مصر من بشر وبهائم مع أن المعتدي فقط هو فرعون ومن يتبعهُ من جنود.
    🔹 أن ابن عباس لم يولد في يوم الواقعة ، بل اعتمد في قوله بأن الجدري اصابهم على الوصف الذي وصفه بعض من بقى حيا ممن كان حاضرا وشاهد الواقعة، والذين لم يجدوا تفسيرا لهذه الظاهرة وهم يرون تناثر لحوم الجنود بشكل جعلهم كانهم ورق الخريف على الأرض إلا أن يُشبهوها بمرض الجدري الذي يُقطّع لحم المصاب به على شكل بثور ودمامل وقيح وغيره.
    🔹 الذين يُنكرون واقعة الفيل ويُنكرون معها الطير الابابيل هؤلاء يذكرون معركة شبيهة بما يذكره القرآن حيث يزعمون بأن الفرس الموالين لخسرو الثاني الذي انقلب على بهرام الفارسي هؤلاء استعانوا بالأرمن المسيحيين ضد بهرام ويزعمون أن القائد الفارسي بهرام ارسل رسالة إلى الملك موريق الثاني يُهددهُ فيها بانهُ سيسحق جيشه بواسطة الفيلة. ولكن موريق الثاني رد عليه قائلا له : (بأن يترقب عذاب الله يسقط عليه من السماء).(20)
    🔹 والغريب أن الرهبان الذين ارخوا لهذه لهذه المعركة يذكرون انها وقعت سنة (451). وهذا التاريخ قريب جدا إلى تاريخ وقوع معركة الفيل. فهل هذا عن طريق المصادفة أم ان هناك سعيا حثيثا تآزر فيه الجميع على تشويه معالم التاريخ وتزويره. وهذه المعركة معروفة تاريخيا بإسم (معركة أفاراير) وقعت بين جيش الفرس الساسانيين أصحاب الفيلة وجيش الأرمن المسيحي.وقد انتصر الأرمن حسب زعمهم بواسطة (مدد من السماء) لأن عدد قواتهم كان قليلا مقابل جيوش الساسانيين الهائلة. ولازالوا يحتلفون بهذا اليوم إلى يومنا هذا وهو عيد بإسم القديس (فارطان ماميكونيان).الذي استشهد في المعركة.
    🔹 ولكن هناك مراجع تذكر معركة أخرى استخدم فيها بهرام الفيلة في معاركه ضد البيزنطينيين وليس ضد الأرمن وهي معركة (بلاراثون) التي وقعت سنة (591) ميلادي فانتصر فيها الملك الفارسي خسرو الثاني على تحالف البيزنطينيين مع بهرام وحصل الملك الفارسي على مقاطعة كبيرة من البيزنطيين هي مدينة (يريفان) عاصمة ارمينيا الحالية. معظم المعلومات حول هذه المعركة يأتي من تاريخ المؤرخ اليوناني هيرودوت. أما المصادر الفارسية، فلا توجد أي إشارة إلى هاتين المعركتين مع علمنا على مقدار حرص الفرس على تدوين انتصاراتهم.
    🔹 انفراد المسيحيين بذكر هاتين المعركتين وإهمال الفرس لهما يدلنا على أن المسيحيين يرمون من وراء ذلك اخفاء حقيقة مهمة جدا دارت بسببها معركة الفيل والتدخل الإلهي فيها.وسبب اخفائهم وتشويشهم للرواية هو أنهم لا يرغبون أن يُطلق عليهم (قتلة الأنبياء). كما عُرف عن اليهود. فتم اختراع قصة القلّيس والتغوط فيه وتوجه ابرهة لهدم الكعبة ، امعانا في التستر منهم على هدف حملتهم الرئيسية ألا وهو تصفية النبي محمد (ص) قبل أن يستفحل أمره ويقضي على دينهم.
    🔹 ثم نأت على الجانب الأهم في الرواية وهي (طير الابابيل). فقد شكك النصارى ويتبعهم في ذلك جيش من المستشرقين ممن يحملون حقدا غريبا على الاسلام . فقد زعم هؤلاء بأن الذي اصاب الجيوش الغازية هو إما مرض الجدري او الطاعون، لأن وصف سورة الفيل يوحي بذلك وان لا دخل للطيور بحسم المعركة.
    🔹 ونقول لهم : في قولكم هذا اعتراف ضمني بقدوم ابرهة وحصول المعركة ، والاختلاف فقط عندكم في هل جاءت طيور وقضت على الجيش ، ام انه مرض الجدري او الطاعون. والجواب هو من كتابكم المقدس الذي يؤكد على أن الله يُسخر الطيور وغيرها لتنفيذ بعض أوامره في معاقبة الظالمين او خدمة الصالحين، لأن الطيور ايضا خلق من خلقه وجند من جنوده تُطيع امره (وما يعلم جنود ربك إلا هو). فإن الله استخدم الرمال والمياه والحرائق والبراكين والزلازل والملائكة وغيرها لتأديب بعض الشعوب التي تفرعنت وجلبت الشر للأرض ومن عليها . وهناك نصوص كثيرة تذكر ذلك ومنها ما ذكر في المزامير من أن الله تعالى فتح السماء بطيور ذوات اجنحة : (فأمر السحاب من فوق، وفتح مصاريع السماوات. وأمطر عليهم لحما مثل التراب، وكرمل البحر طيورا ذوات أجنحة. وأسقطها في وسط محلتهم حوالي مساكنهم. فأكلوا وشبعوا جدا).(21) وهذا ما ذكره القرآن في وصفه لذلك بـ (المن والسلوى). والمن شيء يشبه الخبز ، والسلوى طائر، يُقال انه من طيور الجنة.
    🔹 وكذلك ما جاء في سفر الملوك أن الله أخبر إيليا أن يختبئ عند نهر كريث قائلًا له: (اختبئ عند نهر كريث وقد أمرت الغربان أن تعولك هناك. وكانت الغربان تأتي إليه بخبز ولحم صباحا، وبخبز ولحم مساء).(22) وهذا بلا شك فعل معجزي عجيب،لم تقم به الطيور لحالها بل هي مأمورة كما يتضح من سياق النص. ولا بأس بذكر تعليق للاستاذ علاء أبو بكر الذي يقول : (كيف كانت تأتي الغربان بالخبز الطازج لإيليا؟ هل كانت تسرقه؟ أم كانت تتقن العجن والخبز وشوي اللحم؟).(23)
    🔹 مع غرابة هذا النص إلا أننا نرى دفاعا مستميتا من قبل النصارى عن هذا النص فجميع مفسري المسيحية يُدافعون عن نص الغربان ــ مع علمهم بأن الغربان نجسة وقذرة لأنها تأكل الجيف ــ ويُبررون كيفية إيصال اللحم والخبز صباحا ومساءا ويعتبرون ذلك معجزة كما يقولون : (إنه مشهد عجيب،أن نرى غراباً يهرب بطعام قد خطفه، هذا أمر طبيعي، لكن أن يُحضر غراب طعاماً دون أن يهرب به ويأكله، فهذا أمر يدعو للدهشة والتعجب!).(24)
    🔹 يضاف إلى ذلك أن العقوبة بحجارة السجيل لم تكن فقط في واقعة الفيل ، فقد عذب الله الأمم الماضية بهذه الحجارة كما نقرأ : (وأمطرنا عليها حجارةً من سجيلٍ منضود).(25) وكذلك قوله تعالى : (فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارةٌ من سجيل).(26) والدليل واضح على أن هذه الحجارة من السماء وذلك لقوله تعالى : (إنا منزلوا على اهل هذه القرية رجزا من السماء).
    🔹 والسجيل كما هومعروف هو طين مفخور مثل الذي يتكون في كور الحداد أو معامل الطابوق ولطول الفترة التي تقضيها في النار وشدتها تصبح حوافها صلبة قوية حادة الاطراف جارحة وهذا ما يحصل في البراكين أيضا وقد ضرب الله تعالى بهذه الحجارة مثلا في كتابه العزيز ودل على انها من الطين المفخور بالنار : (لنرسل عليهم حجارة من طين). ولكن تبقى فقط طريقة رجمها على الأمم العاصية هل بواسطة طيور او ملائكة او انها تمطر كحبات البَرد.(27) كما يقول الكتاب المقدس.
    🔹 من المعروف أن سورة الفيل نزلت في مكة قبل هجرة الرسول (ص) وفي وسط مجتمع لا يزال على الشرك . فإذا كانت هذه السورة خرافة لا اصل لها فلماذا لم تعترض قريش عليها وتنكر حصول حادثة الطير الابابيل وقد كانت قريش تتربص بالرسول وتكيل له شتى الاتهامات مثل (ساحر، مجنون، شاعر). وقد بقى بعض الصحابة من قريش إلى بعد وفاة الرسول فترة طويلة فلم نر اي معترض على هذه السورة او منكر او مشكك ولم يزعم احدٌ منهم بأن الذي تسبب في هلاك ابرهة وجيشه هو الجراثيم أو الأمراض ، واستمر الحال هكذا حتى زمن ظهور التفسير بالاسرائيليات ومن هنا بدأت تتسلل الكثير من الشبهات حول سور وآيات القرآن، ثم اصبح هناك تفسير يتبع (مدرسة الخلفاء اهل السنة والجماعة) وهناك تفسير يتبع آل بيت رسول الله (ص) ثم تدخل الزنادقة وحُشرت الاساطير اليونانية فاقحموا انفسهم في تفسير القرآن وملأوا كتب التاريخ والسيرة والتفسير بما لم يقل به رسول الله (ص)، حتى أفرد المسلمون موضوعا خاصا بها اطلقوا عليه (الإسرائيليات).
    🔹 ثم اقحم الملاحدة والعلمانيين انفسهم في ما ليس لهم فيه خبرة إنما فعلوا ذلك عنادا وغرورا منهم فعمدوا إلى تضييق نطاق الخوارق والإعجاز في الأديان، وتفسير الحادثة على أساس السنن الكونية الطبيعية المألوفة، فشرّقوا وغربوا في عملية شق البحر لموسى وانقلاب العصي افاعي ، ومعاجز عيسى في إحياء الموتى وابراء العمي والصم والبرصان فوضعوا لها تفسيرات غريبة من دون اي دليل علمي وقالوا: إن طير الابابيل قد تكون هي الذباب والبعوض التي تحمل الميكروبات، فالطير هو كل ما يطير، وإن هلاك الجيش كان بسبب تفشي وباء كمرض الجدري أو غيره. لقد ابتعد هؤلاء عن الصواب ولم يدركوا أن سياق الحادثة في القرآن والاحاديث المفسرة لها يدل على أن ما حصل كان على شكل معجزة تدخل فيها الله مباشرة عن طريق جنوده لإيقاف جريمة على وشك الوقوع ، وهذا له سابقة ايضا في قضية لجوء النبي إلى الغار حيث حمى الله نبيه من كفار قريش فامر الحمامة والعنكبوت باخفاء معالم دخول النبي إلى الغار.
    🔹 ولو قرأت كتاب ابن كثير وغيره من كتب المؤرخين لعرفت أن معجزة طير الابابيل لم تكن وحدها بل جائت ضمن سلسلة معجزات رافقت ميلاد النبي الميمون فذكر المؤرخون الايات والمعجزات التي حصلت يوم ولادة النبي صلوات الله عليه فلم تقتصر على واقعة الفيل بل غوران بحيرة ساوة ، وتهدم ايوان كسرى ورؤيا نجاشي الحبشة بهلاك جيشه بقيادة ابرهة وانطفاء نار المجوس، وغيرها الكثير .(28)
    🔹 ومن ذلك نفهم أن ابرهة لم يأت لهدم الكعبة ، إنما علموا بموعد ولادة نبي جديد سوف يكون على يديه زوال اديانهم فجهزوا جيشا لقتل هذا المولود ، والكتب المقدسة كلها تؤيد ذلك حيث ان الفرعون حاول قتل موسى يوم ولادته فانقذه الله تعالى منهم (29) وقيصر الروم حاول قتل السيد المسيح يوم ولادته فهربوا به إلى مصر(30) وهكذا فإن الروم اوعزوا إلى ملك الحبشة الذي كان نصرانيا ان يرسل حملة لقتل مولود سوف يلد في مكة. ونزول الآية (ألم تر) هي خطاب موجه ومواساة لمحمد من الله عندما ضاقت به السبل وهو يرى قريش تحاصرهم فذكره الله بحادثة الفيل وان الذي قضى على تلك الجيوش وحماه من القتل قادر على نصره وحمايته.
    🔹 المشككون لحادثة الفيل لم يتحلوا بالامانة والدقة فيما نشروه ، فإما يكونوا متعمدين او جهلة فهؤلاء يقولون (سورة الفيل) اصلها يعود للشاعر رؤبة بن العجاج الذي كان شاهدا لحادثة الفيل فقال واصفاً هزيمة حملة أبرهة ببيتين شعر:
    ومسهم ما مس أصحاب الفيل ترميهم بحجارة من سجيل
    ولعبت بهم طـــير أبابـــــيل فصيروا مثل عصف مأكول
    ثم وبعد أعوام جاء القرآن مقتبسا هذه الأبيات فصاغها في سورة الفيل : (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ، أم يجعل كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول).
    🔹 وباختصار نقول لهؤلاء بأن رؤبة بن العجاج شخصيتان.
    الأول أبو الجحاف الراجز وهو رؤبة بن العجاج بن رؤبة بن لبيد بن صخر بن زيد مناة بن تميم شاعر مشهور وله حديث عن أبيه عن أبي هريرة رواه عنه أبو عبيدة معمر بن المثنى وعثمان بن الهيثم المؤذن. فرؤبة هذا كان مسلما.
    🔹 والثاني : هو ورؤبة بن العجاج بن شدقم الباهلي ويُكنى بأبي بيهس. (31)
    فتبين أن الاثنان كانا مسلمين وقد اقتبس رؤبة في ارجوزته من القرآن ولم يقتبس القرآن منه.ويقول المؤرخون عن رؤبة صاحب الابيات بأنه شاعر بدويّ نزل البصرة أدرك بنو أميّة وبنو العبّاس، ويعدّ من رُجّاز المسلمين المقدّمين وفصحائهم المشهورين، و مدح رؤبة في شعره بني أمية ثمّ مدح بني العباس، وتوفي أيّام المنصور.ونظرا للسنوات التي قضاها من عمره الممتد حتى فترة حكم ابو جعفر المنصور وبناءا على هذا فإن رؤبة قد ولد في الاسلام وليس في زمن الجاهلية. لأنه لو كان ولد في زمن الجاهلية لكان عمره يوم وفاته اكثر من مائة وثمانين سنة.وهذا محال.
    🎈 الفيل وطير الابابيل في روايات الشيعة.
    المشككون لواقعة الفيل يستغلون بعض الروايات الإسرائيلية التي تضفي على طير الابابيل اشكال عجيبة وكلها تفاسير غير منطقية وأغلب من روى هذه الغرائب لم يشهدوا الواقعة. ولكن بالرجوع إلى روايات اهل البيت عليهم السلام نجد التفسير المنطقي ومنها مثلا رواية عن الإمام الصادق (ع) قال: (أرسل الله على أهل الفيل طيراً مثل الخطاف أو نحوه، في منقاره حجر مثل العدسة، فكان يحاذي برأس الرجل فيرميه بالحجر، فيخرج من دبره، فلم تنزل بهم حتى أتت عليهم، قال: فأفلت رجل منهم فجعل يخبر الناس بالقصة، فبينما هو يخبرهم إذ أبصر طيراً منها فقال: مثل هذا هو منها، قال: فحاذى به فطرحه على رأسه فخرج من دبره).(32) فالإمام هنا يصف هذه الطيور بأنها مثل الخطاف. وهو طائر السنونو، وهو كلام منطقي بعيدا عن التأويلات العجيبة.
    🔹 والرواية الثانية : عن ابن عباس قال: (دعا الله الطير الأبابيل فأعطاها حجارة سوداً عليها الطين، فلما حاذت بهم رمتهم، فما بقي أحد منهم إلا أخذته الحكة، فكان لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه، قال: وكانت الطير نشأت من قبل البحر لها خراطيم الطيور ورؤوس السباع، لم تر قبل ذلك ولا بعده).(33) ففي هذه الرواية يقول ابن عباس بأن هذه الطيور لم تر من قبل، ولم يرها احد بعد الحادثة. فهي لربما طيور جائت عن طريق المعجزة مثل نزول الملائكة الذين جاؤوا لنصرة رسول الله (ص) في معركة بدر وأحد ، فحسب الرواية فإن المسلمين لم يروا الملائكة المسومين من قبل ولم يروها مرة أخرى بعد ذهابها ، كما في رواية صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: (رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد).(34) فلم يروهما مرة أخرى.وهذا ما قاله ابوسفيان في يوم حنين التي انكسر فيها المسلمون : (مالنا لا نرى الرجال البيض الطوال الذين قاتلوا معهُ في بدر).
    🎈 المصادر :
    1- انظر صفحة تاريخ الأسطورة والاديان مقالة بعنوان حقيقة سورة الفيل ، بحث لمجموعة من الكتاب وهم :محمد المسيّح و رفيق باباشي و د. سام مايكلز Dr. Sam Michaels. 2017.
    2- سفر المكابيين الأول 6: 36 : (وكان على كل فيل برج حصين من الخشب يحميه ،مطوق بالمجانيق، وعلى البرج اثنان وثلاثون رجلا من ذوي البأس يقاتلون منه(.
    3- سفر المكابيين الثاني 5: 18.
    4- المجلسي، بحار الأنوار، ج 65، ص 230؛ ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج 1، ص 64؛ الطبرسي، مجمع البيان، ج 9 و10، ص 820؛ السبحاني، فرازهايي از تاريخ پيامبر اسلام، ص 46؛ ابن عثمان، المبعث والمغازي، ص 36.
    5- سفر أعمال الرسل 17: 31.
    6- سورة الأعراف آية : 158.
    7- سفر أعمال الرسل 13: 25. وإنجيل مرقس 1: 7.
    8- سورة البقرة آية : 146.(الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون). وكذلك سورة الأعراف آية : 157.
    9- سورة آل عمران آية : 120.
    10- سورة يوسف آية : 5.
    11- سورة يوسف آية : 33.
    12- سورة البقرة آية : 87.
    13- سورة التوبة آية : 26. وسورة آل عمران آية : 125.
    14- السيرة النبوية؛ لابن كثير (1: 245)، الروض الأنف (1: 325)، زاد المعاد (1: 70(.
    15- محمد بن جرير الطبري تاريخ الملوك والرسل نقلا عن هشام بن محمد الكلبي فى جمهرة النسب.
    16- سفر المكابيين الثاني 15: 20.
    17- الرازي، تفسير مفاتيح الغيب، ج 32، ص 100.عن عكرمة عن ابن عباس وهو قول سعيد بن جبير أيضا. في قاموس المعاني قال : (جَدَرَ الجُدري في البدن: ظهر فيه). تعريف و معنى جدر في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي. وتفسير القرطبي ص : 601 تفسير سورة الفيل.
    18- أ. يوسف أحمد في كتابه ( المحمل والحج : ص 77) وكذلك يرى كتاب تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام ، المستشرق الروسي بندلى جوزى، صفحة 142وكتاب: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لجمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي.
    19- سفر الخروج 9: 11.
    20- قرأت في بعض المراجع أن رسالة موشق الثاني محفوظة في معهد ماتدنداران mدMatenadaran للمخطوطات القديمة في أرمينيا تحت رقم MS 2639
    21- سفر المزامير 78: 27.
    22- سفر الملوك الأول 17: 4.
    23- انظر كتاب البهريز في الكلام اللي يغيظ علاء أبو بكر، جـ 1 س 213 ص 142.
    24- خلف مكاري المنتدى المسيحي الكتابي العام : الغراب في الكتاب المقدس.
    25- سورة هود آية : 82.
    26- سورة الحجر آية : 74.
    27- في قاموس المعاني عربي عربي يقول : السِّجِّيلُ : الطين المتحجِّر.السِّجِّيلُ :وادٍ في جهنَّم.
    التوراة لم تغفل قضية رجم الحجارة من السماء فقد ذكرتها في سفر يشوع 10: 11(وبينما هم هاربون ، رماهم الرب بحجارة عظيمة من السماء فماتوا).انظر تفسيرها في التلمود البابلي ج13 القسم الرابع نزيقين،الباب الثامن عفودا زارا ص 305. يشير إلى يوم سقوط حجارة جهنم على الأرض.
    28- انظر البداية والنهاية لابن كثير تحقيق عبد الله التركي طبع السعودية ، الجزء الثالث ص 593 .
    29- سفر الخروج 2: 3 ــ 15 (وكلم ملك مصر قابلتي العبرانيات وقال: حينما تولّدان العبرانيات إن كان ابنا فاقتلاه، وإن كان بنتا فتحيا .فحبلت المرأة وولدت ابنا. ولما لم يمكنها أن تخبئه، أخذت له سفطا من البردي ووضعت الولد فيه،على حافة النهر. ووقفت أخته من بعيد لتعرف ماذا يفعل به.(
    30- إنجيل متى 2: 13(إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم قائلا قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه).
    31- كتاب : المتفق والمفترق للخطيب البغدادي ،نشر المكتب الشاملة .
    32- المجلسي، مرآة العقول، ج ‏5، ص 245.
    33- المجلسي، مرآة العقول، ج ‏5، ص 245.
    34- صحيح مسلم رقم الحديث: 2306 . وكذلك صحيح البخاري رقم الحديث: 4054.


  • #2
    احسنت شيخنا وفقك الله ونفع بك .

    تعليق


    • #3
      تحيه طيبه
      للعلامه المنار
      و ننتظر المزيد من كتابات الاستاذ الهادي باركه المولي

      تعليق


      • #4
        شكرا للاخ العزيز ابن قبة وشكرا لجهوده المتميزة وصبره ودأبه .

        واكرر الشكر لاخينا الاستاذ مصطفى الهادي واقول له :
        احسنتم شيخنا وبارككم الله .
        بحث قيم ومهم ويعالج نقاط حساسة تم ببعضها التشكيك بالقرآن وبالرسالة المحمدية . وقد بدد هذا البحث التشكيكات فباركك الله .

        اتمنى لو نرى بحثا عن اصحاب الاخدود . لان القصة ايضا واجهت تشكيكات من جهة تسمية الاشخاص وتاريخهم واعمالهم وما شابه ذلك .

        شاكرا لكم بحوثكم القيمة الدالة على الوعي والتمييز والدخول في غور الاديان ومغاراتها .

        تعليق


        • #5
          السلام عليكم
          كنت طالعت كتاب لاحد الآباء السريان..بعنوان الشهداء
          لكن لا بد من طرح القضية. في ضوء ضوابط المعتقد السليم و تحديد مواقف نصاري نجران الدينية و الصراع الفارسي البيزنطي وقتها ..
          نتمني عودة الأستاذ الهادي للمشاركة
          و نسألكم الدعاء شيخنا الجليل

          تعليق

          يعمل...
          X