إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

شريعتى و التشيع الصفوى

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • شريعتى و التشيع الصفوى



    25 ننشر دراسة "علي شريعتي والتشيع الصفوي"للدكتور أحمد راسم النفيس

    تم النشر فى دراسات مع 1 تعليق منذ 9 أشهر

    قبل فترة وبعد صدور كتابي (الشيعة والتشيع لأهل البيت) التقيت بأحد الشباب الذين قرأوا ما ورد في الكتاب عن فرق الشيعة فسألني: لماذا لم تكتب عن التشيع الصفوي؟!.

    قلت له يا بني ليس هناك شيء اسمه التشيع الصفوي..
    إنه مجرد مصطلح سياسي أطلقه المفكر الراحل الدكتور علي شريعتي.
    ترى, لو كان الدكتور علي شريعتي عليه رحمة الله ما زال على قيد الحياة ورأى بأم عينيه كيف استخدم هذا المصطلح بعيدا عن الظروف والملابسات التي ذكر فيها, هل كانت إطلاقاته التي أطلقها إزاء ما سماه بالتشيع الصفوي ستكون هي هي؟!.
    لا أظن.
    ترى, لو كان المفكر الكبير يعلم أن هذا المصطلح سيستخدم على النحو الذي يستخدم به الآن في تشويه الشيعة في العالم بأسره ووصم كل من تربطه بإيران الإسلامية علاقة صداقة بأنه (صفوي عميل يقبض الرشاوى من جهات أجنبية فارسية)؟!.
    أغلب الظن أنه لم يكن ليطلق هذا المصطلح ويبحث عن بديل ملائم يؤدي نفس المهمة ولا يمكن توظيفه بطريقة عنصرية (فرس أشرار مقابل عرب أخيار)!!.
    الثابت أن الرجل انطلق في مهمته الرامية لتغيير الواقع من إيران التي كانت في حقبة ستينات وسبعينات القرن الماضي شيعية بالفعل وقد ارتبط تشيعها بالدولة الصفوية المظلومة لا لأنها كانت دولة الملائكة بل لأنها التزمت بمبدأ التشيع والولاء لأهل البيت عليهم السلام.
    لا نعتقد بوجود دول للملائكة في هذا العالم, لا الدولة الصفوية ولا الدولة الفاطمية, ولا نقول بأن كل الدول التي لم تكن شيعية كانت دولا للشياطين.
    شهد العالم الإسلامي وما زال يشهد حتى هذه اللحظة دولا تقوم على الغلبة لا على الانتخابات والديموقراطية التي ما تزال حتى الآن مجرد أمنية لا أكثر ولا أقل.
    لم تكن الدولة الفاطمية ولا الصفوية استثناء من هذه القاعدة وعلى كل من يدرس التاريخ أن لا يزن الأمور بميزانين فيحاسب الدولة الصفوية أو الفاطمية لعدم التزامها بالمعايير الديموقراطية المعاصرة ويثني على الدولة الأموية والعباسية والعثمانية لأنها دولة فتوحات مبررا لها كل ما قامت به من جرائم في حق الشعوب المسلمة لأن هذا كان ضرورة لتأمين الجبهة الداخلية ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة!!.
    النقد الذي وجهه الدكتور علي شريعتي لبعض علماء المذهب الشيعي لا يخلو من الصحة وهو نقد يرتبط بحالة الركود التي عاشها هؤلاء وجنوحهم للقبول بالأمر الواقع والتعايش معه بل وأن يكونوا جزءا منه وهو حال قديم جديد كان ولم يزل!!.
    لذا سنقتصر هنا على مناقشة مصطلح التشيع الصفوي والأسس التي بني عليها ومدى مطابقته للواقع التاريخي والعقائدي.
    لنبدأ من مربط الفرس والنقطة التي انطلق منها الدكتور علي شريعتي لإدانة ما أسماه بالتشيع الصفوي.
    إنه مبدأ الحركة والنظام
    في كتابه (التشيع العلوي والتشيع الصفوي) يقول علي شريعتي:
    ثمة مبدأ هو: تحويل الحركة إلى نظام (movement to institution) وحاصله أنه تظهر أحيانا في المجتمع حركة تحمل أفكارا وعقائد وتطلعات تعبر عن مناخ أجتماعي متطلع للتغيير حيث يوظف أتباعها حركتهم لخدمة هذا الهدف ولكن هذه النهضة عندما تصل إلى حد معين أو تصطدم بعراقيل وموانع ذاتية أو خارجية تبدأ بالتوقف والجمود وتنسلخ من طابعها الحركي التغييري وهنا تبدأ أزمتها.
    عندما تحقق الحركة بعض أو كل أهدافها أو تصل إلى أوج قدرتها تنطفئ جذوة التغيير في نفوس أصحابها وتبدأ الحالة الثورية بالضمور وصولا إلى التلاشي النهائي.
    تتحول الحركة إلى نظام ذي طابع محافظ وينتقل أتباع الحركة من خندق المعارضة إلى فندق السلطة وتظهر لديهم نزعة الحفاظ على موقعهم السياسي والاجتماعي ضد الأخطار التي تحيق بهم.
    كما أنهم سينظرون إلى أي حركة تجديدية على أنها مؤامرة تهدف لتقويض أركان النظام وسيوصف أتباع الحركة الجديدة بالتمرد والغوغائية وتلصق بهم تهمة الخيانة العظمى .
    وما زال الكلام للدكتور شريعتي: للتشيع حقبتان تاريخيتان بينهما تمام الاختلاف, الأولى تبدأ منذ القرن الأول الهجري حيث كان التشيع معبرا عن الإسلام الحركي في مقابل الإسلام الرسمي وتمتد هذه الحقبة إلى أوائل العهد الصفوي والثانية تبدأ مع العهد الصفوي حيث تحول فيه التشيع من حركة ونهضة إلى تشيع حكومة ونظام.
    الشيعة الأوائل كانوا أقلية محكومة ومضطهدة لا تستطيع ممارسة طقوسها بحرية وعلانية ولم يكن يحق للشيعي أن يزور الإمام الحسين في كربلاء أو أن يأتي باسمه على لسانه, وكان الشيعي دوما تحت المطاردة, ملازما للخوف والتقية.
    أما الآن بعد قيام الدولة الصفوية فقد تحول الوجود الشيعي إلى قوة كبرى تحكم البلاد وتقع تحت إمرتها أقوى الأجهزة, والحاكم الذي كان يقمع الشيعة بشدة ويعتقل ويعذب أو يقتل كل من يشك بولائه وحبه لعلي بات الآن من أكبر المدافعين عن الشيع ومن المتظاهرين بالولاء لأهل البيت.
    الحاكم الذي كان يطارد الشيعة ويعتبرهم أعدى أعدائه طيلة ألف عام نراه اليوم يضع نعليه على رقبته ويقصد من أصفهان إلى مشهد حيث ضريح الإمام الرضا سيرا على الأقدام.
    يا له من انتصار!!.
    أما العلماء ورجال الدين الذين كانوا على الدوام في مواجهة السلطة ويتعرضون لأبشع أنواع الظلم ها هم اليوم معززون مكرمون مرفهون يعيشون في ظروف جيدة للغاية ويجلسون إلى جنب السلطان وقد يستشيرهم في كثير من أمور البلاد بل إن السلطان لا يرى لنفسه سلطة إلا بمقدار ما يخوله رجل الدين بالنيابة عن الإمام صاحب الزمان.
    ياله من انتصار!!.
    من هذا الموقع العُلوي والحافل بالانتصارات بدأت هزيمة التشيع.
    ومن هذه اللحظة التي زالت فيها جميع الموانع العراقيل بوجه أداء الطقوس العبادية والمذهبية وتحول الأعداء إلى أصدقاء توقف المد الشيعي عن الحركة ليتحول إلى وجود اجتماعي غالب وحاكم وجامد وراكد.
    هنا يتجسد بوضوح قانون تبدل الحركة إلى نظام, أو تحول عقيدة نابضة قادرة على تحريك أمة بأسرها على شتى الأصعدة إلى مجرد نظام ونسق اجتماعي رسمي مرتبط مع سائر الأنساق الاجتماعية مثل الأسرة واللغة وأنظمة الحكم ارتباطا مصيريا حيث لا يمكن فك الارتباط بينها بأي نحو كان . انتهى.
    وقفة مع شريعتي
    نلاحظ أولا تلك الكلمة البسيطة التي قالها المفكر الشهيد وهي (الآن), أي أن الرجل كان يستخدم مصطلح التشيع الصفوي لوصف الواقع الذي يعيشه الشيعة في العصر الشاهنشاهي.
    لقد استخدم الدكتور علي شريعتي هذا المصطلح لوصف واقع راكد كان يسعى لتغييره ومن هنا جاءت محاولة تأصيل هذه الرؤية من خلال تقسيم التاريخ الإسلامي إلى مرحلتين تبدأ الثانية منهما مع بداية عهد الدولة الصفوية.
    الرفض الذي يبديه الكاتب أو المفكر للواقع الجامد والمتكلس ومن ضمنه المؤسسة الدينية شيعية كانت أم غير شيعية هو أمر منطقي خاصة وأن هذا الرفض كان عاملا رئيسا من عوامل تفجير الثورة الإسلامية التي كان الدكتور شريعتي أحد أهم رموزها.
    لا شك أن مناقشة أفكار (علي شريعتي) تختلف كليا عن مناقشة أفكار آخرين لم يقدموا للناس إلا أفكارا تكفيرية كانت عاملا رئيسيا في تغيير الواقع نحو الأسوأ وإشعال الحرائق في عديد الأنحاء وكلها حرائق أكلت من رصيد دعاة التغيير أكثر مما أكلت من لحوم الأباطرة والطغاة المستبدين.
    الملاحظة الثانية هي أن الرجل يقرأ التاريخ الإسلامي من منظور إيراني بحت.
    عندما يقول أن تاريخ التشيع ينقسم إلى مرحلتين, ما قبل الدولة الصفوية وما بعدها فهو بهذا يتجاهل الدور التاريخي الذي لعبته الدولة الفاطمية ووفقا لهذا المقياس يمكننا أن نقول أن هناك تاريخ إسلامي أو تاريخ للتشيع يرتبط بتاريخ قيام الدولة الفاطمية أو انهيارها!!.
    أيهما؟! الله وحده يعلم!!.
    الملاحظة الثالثة تتعلق بقانون الحركة والنظام حيث نعتقد نحن بأن القانون ذاته يحتاج إلى إعادة نظر لعدة أسباب ومن أهمها بكل تأكيد أن (النظام: الشيعي الصفوي) الذي انتقده علي شريعتي بقسوة قد أنتج بعد ذلك حركة انفجارية هائلة هي الثورة الإيرانية وأن أحد أهم عوامل تحريك هذا النظام وإخراجه من حالة الركود التي كان يعاني منها كانت أفكار الدكتور شريعتي الذي قدم حياته ثمنا من أجل تحريك هذا الموات ومن ثم فالقانون يتعين تعديله ليصبح (حركة – نظام – حركة مرة أخرى أو موات).
    يقول تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) .
    إنه أحد القوانين الأساس الحاكمة لمسار الكون ولو قلنا أن تحول الحركة إلى نظام هو نوع من الموت فليس من المستحيل أن تنبثق من بين موات النظام تلك الحركة الجبارة التي تفجرت بعد استشهاد علي شريعتي بعامين تقريبا لتقدم لنا الثورة الإسلامية التي يعجز العالم الغربي الآن عن ملاحقة خطواتها ويفشل في محاصرتها.
    من ناحية أخرى فإن قانون (الحركة – النظام) يحتاج إلى تعديل في ضوء الكلمات التي قالها الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:
    فَلا تَطْمَعُوا فِي غَيْرِ مُقْبِل، وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِر، فَإِنَّ الْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلَّ بِهِ إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ، وَتَثْبُتَ الاُْخْرى، فَتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِيعاً .
    والمعنى أن جمود الحركة أو حتى تراجعها لا يعني بالضرورة سقوطها بصورة نهائية لأن حالة التراجع قد تكون حالة لحظية أو متعلقة بظرف زماني أو مكاني محدد وليست حركة تراجع شاملة خاصة وأن الوجودات السياسية والفكرية لا تقوم على ساق واحدة بل تقوم على أكثر من ساق وحتى لو انهار أحدهما فلا يرتب هذا بالضرورة انهيارا شاملا.
    تجاهل الدكتور شريعتي الدولة الفاطمية وهي حركة تحولت إلى نظام وأصابها نفس الأمراض التي يمكن أن تصيب أي نظام مما سهل إسقاطها والتآمر عليها حيث ضربت هذه الدولة ومعها (الحركة الشيعية) في أغلب مناطق نفوذها ضربات مهلكة ومميتة ورغم هذا نسمع الآن الشكوى والأنين من (المد الشيعي) وهو ما يعني شيئا واحدا بالنسبة لنا وهو أن الذين ضربوا النظام وقاموا بمحو كل آثاره الفكرية والعقائدية والفقهية بل وحتى المعمارية لم يتمكنوا من القضاء بصورة نهائية على الحركة التي عادت بعد ثمانية قرون للظهور لتقلق القوم وتقض مضاجعهم.
    وأخيرا, فات الدكتور شريعتي ورغم الضيق الشديد الذي يبديه من الدولة الصفوية معتبرا أن ظهورها (كان هزيمة للتشيع) أنه كان مشتبكا مع خصومه في الرأي ممن وصفهم ب(علماء التشيع الصفوي) على أرضية واحدة هي أرضية التشيع والولاء لأهل البيت عليهم السلام.
    كان رأيه أن هؤلاء يقفون سدا وحائلا في مواجهة التشيع العلوي وكان رأيهم أن ما يطرحه من آراء وأفكار يعد تخريبا للتشيع.
    كان الدكتور شريعتي يفضل على ما يبدو أن تبقى الحركة بدلا من النظام وكان اعتقاده أن (علماء التشيع الصفوي) هم من شيعة الشاه عباس وليسوا من شيعة علي بن أبي طالب.
    لو قدر لنا أن نلتقيه بعد أن قرأنا ماقاله عندما (اعتبر أن قيام الدولة الصفوية شكل هزيمة للتشيع) كنا سنقترح عليه أن يأتي بحركته إلى مصر التي كانت قبل ثمانية قرون فاطمية شيعية ولكن هذه الدولة ضربت وضرب معها حركة التشيع وأن نذهب نحن إلى إيران لننطلق من تلك النقطة التي خلفتها لنا الدولة الصفوية.
    لماذا؟!.
    لأن الدولة الصفوية رغم أخطائها المفترضة قد تركت للإيرانيين حركة ووجودا فكريا كان يمكن لها أن تصحح الأخطاء وأن تعيد تشكلها ولأن (الْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلَّ بِهِ إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ وَتَثْبُتَ الاُْخْرى فَتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِيعاً) والمهم أن يجد المدبر أو المتجمد أرضا يمكنه الوقوف عليها حتى يستعيد توازنه ويبدأ الحركة من جديد.
    أما عندما تضرب الدولة وتمحى الحركة فلا يجد الشيعي أرضا يقف عليها ولا يرى أثرا لعالم دين شيعي, صفوي, أو فاطمي, ليشتبك معه ويقوم بنقده فتلك هي الكارثة العظمى التي يحكيها لنا التاريخ.
    ويا له من انتصار!!.
    الخطيئة الثانية للصفويين: موقفهم من العثمانيين!!
    ينتقد الدكتور شريعتي موقف (التشيع الصفوي) من العثمانيين حيث يرى أن: موقف (الشيعي المتعصب) من الكيان العثماني ينطلق من كونهم منكرين للإمامة ومخالفين لوصية النبي ولذا فهم مدانون (حتى في مقابل المسيحية)!!.
    ويقول أيضا: رغم أن النظام العثماني نظام فاسد من الناحية الأخلاقية لكنه كان نظاما إسلاميا يقف بوجه المد المسيحي وكان سدا منيعا بوجه الغزو الاستعماري الغربي الذي يهدد وجودنا كشرقيين ولذا فمن هذه الزاوية سوف يتمنى الشيعي أن يظهر صلاح الدين المناوئ للشيعة مرة أخرى في فلسطين ويجرد خالد بن الوليد سيفه للهجوم على عساكر الروم وأن ينهض العثمانيون لطرد الأجانب الغربيين من أراضي المسلمين في آسيا وأفريقيا.
    لقد دأبت شخصياتنا المستنيرة للأسف على محاكاة علماء الغرب وكتابه ومثقفيه في إصدار الأحكام غير المنصفة سياسيا واجتماعيا بديننا وحضارتنا ورموزنا التاريخية وبالتالي رددوا نفس التهم التي ألصقها أولئك بالدولة العثمانية بدوافع مغرضة في الغالب أو ناجمة عن تعصب وحقد .
    ويمضي الدكتور شريعتي أبعد من ذلك واصفا الدولة الصفوية بالغدر حيث يقول: وبينما كان العثمانيون منهمكين في دحر القوات الغربية وتحقيق الانتصارات المتوالية إذا بقوة جديدة تظهر على حدودهم الغربية وتباغتهم من الخلف ثورةٌ في إيران يقودها رجل من سلالة الشيخ صفي الدين الأردبيلي أحد أقطاب التصوف .
    مرة أخرى نرى أنفسنا مضطرين للتحفظ على رؤية المفكر الشهيد علي شريعتي.
    لا شك أن ثمة أزمة يعاني منها الشيعة الذين يفتشون عن خطاب توحيدي يضمن لهم مكانا لائقا بهم بعد كل هذه القرون من القمع والتهميش الذي جوبهوا به من قبل القوى الحاكمة في العالم الإسلامي.
    حتى إيران في طورها الثوري وبعد أن صار لها دولة يحسب العالم لها ألف حساب تبحث وتفتش عن هذا الخطاب التوحيدي في مقابل الخطاب الإقصائي الذي يعتمد مقولة (هؤلاء شيعة, إنهم حقا شيئا مختلف!!).
    ومن أجل تمرير هذا الخطاب الإقصائي يلجأ القوم إلى أمرين.
    الأول: هو الاستفادة من كل الأحداث التاريخية التي يمكن الاستفادة منها من أجل تخوين الشيعة ووصفهم بالكفر والزندقة والعمالة للأجنبي.
    الثاني: التركيز على النقاط الخلافية الفقهية وتقديمها في صورة شذوذ عقلي ناجم عن خلل نفسي اعترى أناسا لا يمكن الجلوس أو التعاون معهم.
    خدمة للهدف الأول يخرجون لنا (خيانة ابن العلقمي المزعومة) و(الدور التاريخي لصلاح الدين الأيوبي في تحرير القدس التي سقطت في يد الفرنج بسبب الانحراف العقائدي للفاطميين أو بسبب عمالتهم للفرنج)!!.
    إنهم يقدمون انتصار الأيوبيين على الصليبيين في معركة حطين في السياق التالي... (وهكذا ظهر صلاح الدين)!!.
    للأسف الشديد إنه نفس الفخ الذي وقع فيه مفكرنا الكبير الذي تمنى أيضا أن يظهر صلاح الدين جديد ليحرر فلسطين!!.
    ظهر من بين الركام؟! أو ظهر من بين دياجير الكفر والضلال؟!.
    عفوا أستاذنا الشهيد.. لا يمكننا أن نقبل هذا المنطق.
    أولا لأن الفاطميين لم يقفوا مكتوفي الأيدي في مواجهة الغزو الصليبي بل قاتلوا وقدموا التضحيات وكان حرصهم على مواصلة التصدي للغزو الصليبي سببا لاستدعائهم الأيوبيين إلى مصر وتسليمهم السلطة ليوسف بن أيوب.
    في هذا الوقت لم يكن هناك سلاح للطيران ولا للمدرعات ولا قنابل ذكية أو غيرها بل كانت الحروب تعتمد أولا على الحشد البشري والأهم من هذا أن الفاطميين لأنهم شيعة كانوا يتعرضون لهجمات يشنها الموالون للدولة العباسية التي بذلت كل جهدها للقضاء على الفاطميين.
    لو بقي الحديث عن معركة حطين في إطاره الطبيعي (حرب دارت بين فريقين أحدهما مسلم والآخر صليبي) فسيبقى الأمر مقبولا, أما حينما يصر البعض على أن السيد صلاح جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان وهذا هو سر انتصاره فهذا ما لا نقبل به خاصة وأن تطبيق هذا المعيار يعني أن كل من هزم في معركة حربية لا بد أن يكون خائنا وعميلا ومنحرفا من الناحية العقائدية وهذا يعني أن أغلب قادة العرب والمسلمين قديما وحديثا هم من هذا النوع.
    لو طبق هذا المعيار على الصراع العربي الإسرائيلي الآن سيصبح الأمر كارثة تطال السواد الأعظم من المسلمين وأولهم من يقول أين أنت يا صلاح الدين!!.
    المطلوب إذا هو التروي والموضوعية في إصدار الأحكام وتقييم كل حدث على حدة ووصف الصواب بالصواب والخطأ بالخطأ.

    خيانة الصفويين!!
    وإذا كان الدكتور شريعتي يرى أن الحرب التي اشتعلت بين الدولتين الصفوية والعثمانية هي خيانة صفوية فبماذا نسمي ما فعله أحد أعوان الدولة العباسية المسمى (أطسز) صاحب دمشق الذي جمع العساكر وسار سنة 469هـ يريد تملك الديار المصرية وإزالة الدولة الفاطمية منها وإقامة الدعوة العباسية كما فعل في بلاد الشام‏.‏ وكان أكثر الأسباب الحاملة له على ذلك أن ابن يلدكوش لما فر من أمير الجيوش وصار إلى بلاد الشام اتصل بأطسز وقدم إليه ستين حبة لؤلؤ مدحرج زنة كل حبة منها ينيف على مثقال وحجر ياقوت زنته سبعة عشر مثقالا وتحفاً كثيرة مما كان قد وصل إلى أبيه من خزائن المستنصر في سني الشدة وأغراه بأهل مصر وحثه على قصد البلاد وهونها عنده‏ فقوي طمعه وسار وقد حصل في قوة بمن صار إليه من عساكر مصر ومن انضاف إليه من أهل الشام‏.‏
    وكان أمير الجيوش ببلاد الصعيد قد انتهى إلى بلاد أسوان فوصل الخبر بمسير أطسز إلى مصر فكتب بذلك إلى أمير الجيوش وكان عند موافاة الخبر إليه في شغل عن ذلك فقدم أطسز إلى أطراف مصر في جمادى الأولى‏ فأقام بالريف جمادى الأولى وجمادى الآخرة وبعض رجب وأمير الجيوش في إصلاح الصعيد وتدبير أموره وقد حضر إليه أكثر أهل أسوان وبدر بن حازم بجمائع طي‏.‏ فلما استوثق أمره عاد إلى القاهرة لمحاربة أطسز في جمع عدته ثلاثين ألفاً ما بين فارس وراجل وذلك يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من رجب.‏ فجمع أطسز إليه أصحابه واستشارهم فقال بعضهم أن ترجع فإنك قد دست بلاد مصر وليس معك غير خمسة آلاف والقوم في كثرة وعواقب الأمور غير معلومة‏.‏ وقال له أخوه وابن يلدكوش لا يهولنك ما تسمع به من كثرتهم فإنما هم سوقة وأخلاط لو سمعوا صيحة لفروا عن آخرهم فإياك والرجوع عن هذا الملك قد أشرفت على أخذه ولم يبق إلا تملكه‏.‏ وأشار أمير طبرية بالدخول إلى مصر‏.‏ فتقرر الرأي على ملاقاة العساكر المصرية‏.‏ فلما كان يوم الثلاثاء لثمان بقين منه تلاقى الفريقان وتحاربا فكانت بينهما عدة وقائع كانت الغلبة فيها للمصريين فانهزم أطسز وقتل أخوه وعدة من أصحابه ‏ثم رحل إلى القدس ففتحها وقتل من فيها من المسلمين ولم يترك من استجار بالأقصى‏.‏ (اتعاظ الحنفا للمقريزي ج2).
    تحارب المسلمون فيما بينهم من أجل السلطة وكان الصراع المذهبي واحدا من تلك العوامل التي تؤجج الصراع ولو سلمنا بأن الصفويين هم من بدأ القتال ضد العثمانيين (وهذا ليس بصحيح) فدول االشيعة على قلتها في التاريخ لم تكن استثناء ولا خروجا على القاعدة السارية في العلاقات الإسلامية – الإسلامية.
    الحروب الصفوية العثمانية
    كانت فاتحة حروب العثمانيين ضد الدولة الصفوية هي تلك الغزوة التي شنها السلطان سليم خان بعد انقلابه على أبيه السلطان بايزيد حيث كان الشاه إسماعيل في صف الأمير أحمد شقيق سليم خان وقام بإيواء أخيه الأمير أحمد.
    ولإيجاد مبرر للحرب أمر سليم بحصر الشيعة الأتراك ثم قام بإبادة أكثر من أربعين ألفا منهم وهي مذبحة شبهها (محمد فريد بك) في كتابه عن الدولة العثمانية بالمذبحة التي تعرض لها البروتستانت في باريس يوم 24 أغسطس سنة 1572 المشهورة بمذبحة سانت برتليمي .
    أما الدكتور محمد عبد اللطيف عوض فيقول: لقد وصل خطر الزحف الشيعي في شرق الأناضول حدا لا يمكن السكوت عليه حيث وصلت تقارير إلى سليم خان تقول (إن المبتدعين من الصوفية والشيعة قد استفحل أمرهم وزاد عددهم وباتوا يمعنون في القرى سلبا ونهبا ولم يتورعوا عن قتل الرجال وسبي النساء وأتوا على الأخضر واليابس).
    وما إن تولى السلطان سليم الحكم حتى بدأ تعبئة قواته للحرب ضد الشاه إسماعيل الصفوي وكان للتعبئة المعنوية أهمية كبرى إذ أن إعلان هذه الحرب لم يكن مقبولا لدى كثير من الأتراك حيث عارضها الكثير منهم.
    انبرى علماء الدولة العثمانية للدفاع عن السنة وتوضيح منهجها وكشف أباطيل غلاة الشيعة ومروقهم عن الإسلام فكتب ابن كمال باشا رسالة صغيرة أورد فيها رأيه مدعما بأدلة من الكتاب والسنة وقرر أن التشيع مخالفة صريحة لجماعة المسلمين وأن قتال الشيعة جهاد وحربهم غزوة.
    لقد كانت الدولة الصفوية شوكة في ظهر العثمانيين لذا كان من الضروري أن يقوم السلطان بحملة تطهير واسعة قبل أن يمضي للقتال حتى لا يطعن في الظهر واستصدر فتوى بوجوب قتال الشاه إسماعيل كدأب العثمانيين قبل الخروج إلى أي حرب.
    وفي أثناء الحرب تمرد بعض الجنود الأتراك فخطب فيهم سليم خان مذكرا إياهم أنهم إنما جاءوا لقتال المرتدين عن الدين حتى يفيئوا إلى أمر الله فمن تخاذل أو ارتد فهو في حكم المرتد أيضا.
    ثم التقى الجمعان في وادي جالديران شمال شرقي آذربيجان في رجب سنة 920 هـ / 1514 مـ وهزم الجيش الصفوي هزيمة قاسية .
    ظلال صفوية!!
    يقول الكاتب محمد عبد اللطيف هريدي: أطلت الفتن الباطنية برأسها والجيوش العثمانية في خنادقها في وادي موهاج بالمجر في شهر ذي القعدة من عام 933هـ وقد بدأت الفتنة بواقعة عادية إذ تقدم شخصان بشكوى إلى قاضي السنجق فلم يحسن القاضي استقبالهما وأساء إلى أحدهما فاكفهر الجو وخرج رجل شيعي يعرف بذي النون فرفع يده وإذا بحشود ضخمة تتحلق حوله وخرجت جماعات العلويين من كل مكان لتعلن تمردها على الوالي ومن الواضح أن النية كانت مبيتة لإثارة الفتنة لأن الشاكيين وكما يبدو من اسميهما كانا من الشيعة كما كانت هناك فتن أخرى في أماكن متفرقة غطت جنوب شرق ألأناضول ولم تتمكن الحكومة من إخماد هذه الفتن إلا بشق الأنفس.
    كما كانت هناك الفتنة التي أشعلها الشيخ البكتاشي العلوي اسكندر قلندر جلبي والتف حوله ما يربو على ثلاثين ألف علوي.
    وكأي من الفتن كان لها عوامل داخلية إلا أن التوقيت واتفاق كل هذه الزعامات العلوية في وقت واحد يلقي بظلال صفوية على هذه الأحداث .
    أما الدليل الأكبر على التآمر الصفوي الإيراني على العثمانيين الأبرياء فهو أن الشاكيين وكما يبدو من اسميهما كانا من الشيعة وكفى بذلك دليلا وبرهانا على وجود هذه المؤامرة!!.
    لذا لا نرى مبررا على الإطلاق للمشاركة في مشروع إعادة إستنساخ صلاح الدين الأيوبي وعصره الذي لا يزال يتبناه البعض كما نعتقد أن الشيعة لا يعانون من عقدة ذنب تدفعهم لاسترضاء من قام بذبحهم والثناء عليه وكأن هذا يعد معبرا إجباريا للوحدة الإسلامية.
    لهذا السبب فنحن نعجب أشد العجب من إدانة الصفويين ووصفهم بالخيانة بسبب تصديهم للغزو التركي لإيران وتحميلهم مسئولية سقوط الدولة العثمانية في حين يغفل مفكرنا الكبير الدور الحاسم الذي قام به رفاق المذهب من الوهابيين في إسقاط هذه الدولة بالتعاون مع البريطانيين ويغفل أيضا أن الجيش المصري حارب الأتراك في الشام والأناضول بدءا من أكتوبر 1831 حيث حاول محمد علي ضم الشام وتركيا لسلطته حيث خاض الجيش المصري هذه الحروب بقيادة إبراهيم باشا ونجح في تحقيق سلسلة من الانتصارات العسكرية على الجيش التركي وتمكن من احتلال مناطق واسعة من تركيا وأصبح قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى الأستانة عاصمة الخلافة العثمانية قبل أن يضطر محمد علي للتخلي عن الشام عام 1840 بعد أن أجبرته الدول الغربية مصر على هذا .
    هل حقا هناك شيء يسمى بالتشيع الصفوي؟!.
    الجواب هو لا وألف لا.
    الذي نخلص إليه أن المفكر والثائر الشهيد الدكتور علي شريعتي قد بالغ في توصيف الواقع الذي عاشته إيران قبل الثورة الإسلامية فاختار هذا المصطلح الذي نعتقد أنه شكل مبالغة كبرى تحولت بعد ذلك لتصبح تهمة تلاحق كل الشيعة في ولائهم وانتمائهم لأوطانهم وتجعل من تشيعهم حالة صفوية خزعبلاتية وهو وصف أبعد ما يكون عن الحقيقة.
    لا يعني هذا أننا نختلف مع المفكر الشهيد في أصل دعوته التصحيحية ولا في نقده لأداء بعض المؤسسات الشيعية المتكلسة فالصراع بين قوى التجديد وقوى الجمود هو من خصائص الكائنات الحية.
    دكتور أحمد راسم النفيس
    ‏20‏/02‏/2009
    ‏الجمعة‏، 25‏ صفر‏، 1430.
    Arasem99@yahoo.com

يعمل...
X