إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

قراءة نقدية في كتاب (الموضوعات في الآثار والأخبار) للسيد هاشم معروف الحسني

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • قراءة نقدية في كتاب (الموضوعات في الآثار والأخبار) للسيد هاشم معروف الحسني

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي وفقنا لمعرفته، وهدانا للإيمان بنبيِّه، والتمسك بأوليائه أئمة الهدى، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الآن إلى يوم الدين.

    إنَّ العناية بالحديث الشريف كانت قائمة من قبل أن يبدأ علماؤنا بجمع الأصول الروائيَّة في مصنفاتهم الجامعة، وقد استمرَّت جهود أصحابنا الإماميَّة في التصحيح والتنقيح حتَّى جعلوا بين تراثنا وغزو ثقافة الإسرائيليات والموضوعات سدَّاً منيعاً ونجحوا في حماية التراث من الإسرائيليات والموضوعاتِ بشكلٍ كبير جداً، إلا أنَّ هذا جهدٌ بشري يعتريه النقص، ولذلك لا ندَّعي خلو التراث الشيعي من الأحاديث الباطلة أو الموضوعة، ولكن ليس بذلك المقدار الذي يدَّعيه بعض من كتبَ في تنقية التراث الشيعي.
    وقد كتب بعض العلماء والباحثين في هذا الباب مصنفاتٍ عديدة، وكانت المناهج مختلفة إلا أنَّها تشترك في خصالٍ عديدة، منها: أن منشأ العجلة برمي جملة من الروايات بالوضع أو باليهوديّة أو العجز عن إدراك معاني الرِّوايات والتسرع في الجزم بمعانٍ فاسدة في تحليل معانيها، مضافاً إلى عدم ضبط بعض المفاهيم والمناهج كما هو الحال في الخلل في معرفة الحديث الموضوع، والخلل في منهج اكتشاف الحديث الموضوع أو الإسرائيليّ، وكلُّ ذلك مما ينبغي تحرير مبانيه قبل الولوج إلى التطبيق.
    ومن أبرز النماذج في هذا الباب ما كتبه السيِّدُ هاشم معروف الحسنيّ في كتابه (الموضوعات في الآثار والأخبار) حيثُ قدَّمه مصنفه كمساهمة في تنقية التراث الشيعي من الأحاديث الموضوعة ومع ذلك لم يُوفَّق في عمله حيث انطوى على أخطاء منهجيَّة وتطبيقيّة وتناقضات لا تخفى، وقد رأيت تحرير رسالة تتضمن الملاحظات العلميّة على ما حرره السيد لأبين مواطن الخلل والاشتباه على مستوى النظريَّة والتطبيق، والله الموفق.


    ابن بابويه القمي
    التعديل الأخير تم بواسطة ابن بابويه القمي; الساعة 03-14-2017, 02:50 PM.

  • #2
    فصل في لزوم الاحتياط باجتناب تكذيب المروي عنهم (عليهم السلام).

    قد ورد في الروايات الشريفة ما يدعو إلى الاحتياط في تكذيب الأحاديث المروية عن أئمة الهدى والتقى (عليهم السلام)، فقد روى ثقة الإسلام الشيخ الكليني في كتابه (الكافي) بسندٍ صحيح[1]: (والله إن أحب أصحابي إلي أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا، وإن أسوأهم عندي حالاً وأمقتهم للذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنا فلم يقبله اشمأز منه وجحده، وكفَّرَ من دان به، وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج وإلينا أسند، فيكون بذلك خارجاً عن ولايتنا).
    وروى الشيخُ البرقي في كتابه (المحاسن) بسندٍ صحيح[2]: (عنه، عن محمد بن إسماعيل، عن جعفر بن بشير، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام أو عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا تكذبوا الحديث إذا أتاكم به مرجئ ولا قدري ولا حروري ينسبه إلينا فإنكم لا تدرون لعله شيءٌ من الحق، فيُكَذَّبُ الله فوق عرشه).

    ودلالة الحديث: إنَّه ينبغي للمؤمن الحذر من تكذيب الأخبار المرويَّة عنهم ونعت ما نقله الرواة عنهم بالكذب والخرافة والأسطورة، حيثُ إنَّ هذا لا يخلو من احتمال خطر تكذيب الله تبارك وتعالى عن جهل وتسرُّع. نعم، ليس في الحديثين دلالة على لزوم قبول كل ما يُروى عنهم كما قد يتوهَّمه البعض، إذ غاية ما يرشد إليه الحديث هو عدم نعت ما يُروى عنهم بالكذب، فلو كان ما روي عنهم فاقداً لشرائط الحُجيَّة – على اختلاف المباني – جاز ترك العمل به وعدم الاعتقاد بصدوره، ولكن لا ينبغي تكذيبه للمحذور المتقدّم.


    [1] الكافي، ج3، ص565.
    [2] المحاسن، ج1، ص360 – 361.

    تعليق


    • #3
      فصل في ضوابط رمي الحديث بالوضع.

      إنَّ التراث الشيعي حافل بآلاف الأحاديث المروية عن أهل البيت (عليهم السلام)، ومن المُسلَّم أنه يحتوي على عددٍ من الأحاديث ذات المضامين الباطلة، إلا أنَّ هذا لا يلزم منه أن تكون هذه الأحاديث موضوعة مكذوبة فشتَّان ما بين الحديث الضعيف والحديث الموضوع، إذ يكفي في الحديث الضعيف فقدانه لشرائط الحجيَّة، أما الحديث الموضوع ففضلاً عن فقدانه لشرائط الحجية لا بد من مؤونة زائدة لإثبات حصول دسّه في الكتب وجعله واختلاقه.
      وبهذا يتبيّن أنَّ مجرد ضعف سند الحديث أو بطلان مضمونه لا يعني أنَّه موضوع، بل غاية ما في الأمر أنَّ الحديث ذا المضمون الفاسد فاقد للحجية وينبغي ترك العمل به، وإذا أُريد ادّعاءُ وضعه فلا بد من أدلَّةٍ خاصَّةٍ في المقام تشيرُ إلى حصول وضعه ودسِّه.
      ومما يصلح للتمثيل للحديث الموضوع الحديث الإسرائيليّ الذي قاله كعب الأحبار: (إن الكعبة تسجد لبيت المقدس في كل غداة) حيثُ كذَّبه الإمام الباقر عليه السلام [1]، وكذلك الأحاديث التي تنصُّ على الاعتقاد في مقامات الأئمة (عليهم السلام) بالمقدار الذي رفضوه وكذَّبوه، نحو: الاستقلال عن الله بالرزق وعلم الغيب والقدرة على الإحياء والإماتة، وغير ذلك مما هو غلوٌّ مرفوض بإجماع الإماميَّة قاطبة. وبهذا لا يكفي فساد المضمون في إثبات وضع الحديث، إذ قد يكون صادراً على نحو التقيَّة أو جاء على وجهٍ لا نعلمه أو كان من المتشابهات التي ينبغي ردُّ علمها إلى أهلها، فكل هذا يدعو إلى التمهّل في رمي الأحاديث بالوضع وهذا ما لم يُراعه السيِّدُ المصنف رحمه الله.



      [1] روى ثقة الإسلام الكليني بسندٍ صحيح: (علي بن إبراهيم، عن أبيه. ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعاً عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة قال : كنت قاعداً إلى جنب أبي جعفر (عليه السلام) وهو محتبٍ مستقبل الكعبة، فقال: أما إن النظر إليها عبادة. فجاءه رجل من بجيلة يقال له : عاصم بن عمر، فقال لأبي جعفر (عليه السلام) : إن كعب الأحبار كان يقول: إن الكعبة تسجد لبيت المقدس في كل غداة. فقال أبو جعفر (عليه السلام): فما تقول فيما قال كعب؟ فقال : صدق، القول ما قال كعب. فقال أبو جعفر (عليه السلام) : كذبت وكذب كعب الأحبار معك. وغضب ..إلخ) [الكافي، ج8، ص146 -147].

      تعليق


      • #4
        تسجيل متابعة ..
        كتاب السيد هاشم ضعيف علميا لكنه مهم
        و الواقع ان كل نص لفظى يمكن تاويله فلا داعى للتسرع فى الحكم بالوضع

        تعليق


        • #5
          أحسنت وفّقك الله أخي الكريم.
          من المتابعين..

          هل تقبلون الأسئلة والملاحظات؟

          تعليق


          • #6
            أحسنتم، تسجيل متابعة...

            تعليق


            • #7
              المشاركة الأصلية بواسطة باقر مشاهدة المشاركة
              أحسنت وفّقك الله أخي الكريم.
              من المتابعين..

              هل تقبلون الأسئلة والملاحظات؟
              أحسنَ اللهُ إليكم.
              نعم، البحثُ العلمي لا ينضج إلا بالحوار المُدعّم بالأدلة والبراهين.

              تعليق


              • #8
                فصل في الإشارة بإيجاز إلى الأخطاء المنهجيَّة عند السيد المصنف.

                بعد المطالعة المتكررة لمطالب الدراسة التي قدمها السيد رحمه الله، يمكن أن يُقال في مقام الحكم عليها: إنَّ منهج السيد المصنِّف لا يصلح أن يكون حاكماً على أحاديث التراث الشيعيّ أو السنيّ أيضاً، فأصل الخلل الذي نراه في أحكامه التي عرضها في دراسته التي بين أيدينا ناشئٌ عن عدم التقيد بالضوابط العلميَّة الصحيحة في محاكمة الأخبار، والاستناد إلى أدلة ومبانٍ يظهر ضعفها للوهلة الأولى لمخالفتها الأدلة الصحيحة، ويمكننا أن نلاحظ بعض الإشكالات على هذه المنهجيَّة المضطربة:

                الملاحظة الأولى: إنَّ هدفَ السيِّد المصنف كما عبر في كتابه، محاربة الغلوِّ والخرافات، ولكنَّه تطرَّفَ في ذلك حتى أنه يمكن استشعار مدى حساسيَّته في ملاحقة الأحاديث ذات الجانب الغيبي، وحيث إنَّ الأحاديث ذات البعد الغيبي مظنّة للغلو، فقد كان متحرِّزاً عن إثباتها بأي طريقةٍ، حتّى لو تجاوز المفاهيم القرآنية والثوابت الروائيَّة، والخروج عن المتسالم عليه بين علماء الطائفة، ولذلك أفرط في محاولة تسقيط هذه الأخبار حتَّى جاء بالعجائب، فقال[1]: (إنّ من الجائز الغريب أن تكون هذه الرواية من صنع الغلاة، وقد نسبت إلى سدير الصيرفي زوراً وبهتاناً، لأن النبي والأئمة الهداة ما كانوا في يوم من الأيام ليحدثوا الناس بما لا تدركه عقولهم ولا تحيط به حتى أوهامهم، وبعد أن أحسوا بذلك السيل الجارف من المرويات المكذوبة عليهم أمروا شيعتهم وأتباعهم بأن لا يأخذوا الرواية إلا بعد عرضها على كتاب الله وعدم مخالفتها لنصوصه وظواهره، ومن غير الجائز عليهم أن يحدثوا بمثل هذه الغيبيات ولو كانت صحيحة في الواقع، ثم يعلنوا على الملأ أن كل رواية تخالف كتاب الله فهي مكذوبة علينا).
                ولا أدري كيف جمع السيِّد بين كون الحديث الغيبي صحيحاً في الواقع ومخالفاً لكتاب الله عزوجل؟! وكأنَّه يرى تناقضاً بين تحديثهم - عليهم السلام - بالغيبيات وبين القرآن الكريم، فيكون الحديث الغيبي مخالفاً للكتاب. هنا نرى ابتكاراً شاذاً من السيِّد المصنف، وخلاصته أنَّ الإخبار بالغيبيات – حتى لو كانت من الغيبيات الواقعيَّة غير الأسطوريَّة – يلزم منه التحديث بما يخالف القرآن، وكأن القرآن خالٍ عن مثل هذه القصص التي تشير إلى الجوانب الغيبيّة والإعجازية! ثم إنَّ الأئمة عليهم السلام وإن نهوا عن تحديث الناس بما لا تحتمله عقولهم، إلا أن هذا لا يمنع من أن يحدثوا بالغيبيات والمعارف الخاصّة لخواص أصحابهم؛ لوجود من يحتملها، وهذه القاعدة التي ابتكرها السيِّد للتخلص من روايات الغيبيات تخالف القرآن الكريم، لبداهة أن التحديث بالغيبيات أمر ثابت في القرآن الكريم، وقد حدَّثَ المسلمين بذلك ربُّ العالمين، وقد التزم السيِّدُ أنَّ المعصومين عليهم السلام لا يحيدون عن المنهج القرآني، والقرآن الكريم احتوى على ذكر العديد الأحداث ذات البُعد الغيبي من معاجز وكرامات للأنبياء والصالحين، وأعتقد يقيناً أن لو بُسط كتاب الله للنقد لحُذفت الغيبيَّات منه بأجمعها بحجّة مخالفتها للعقل الإصلاحي في الساحة الدينية.
                إنَّنا لا ندعو إلى قبول كل الأحاديث الغيبية، فبعضها لا يُطمئنُّ إلى صدوره كمعظم أحاديث كتاب مشارق أنوار اليقين للحافظ رجب البرسي، ولكن هذا التطرُّف في نفي الغيبيات في كلام الأئمةعليهم السلام ينافي محكمات القرآن والثوابت الروائية القطعيَّة.

                الملاحظة الثانية: تعلّق السيد في مسألة رمي بعض الأحاديث بالوضع بدعوى أنَّ صحة السند لا تنافي الوضع، ولذلك عندما جاء إلى روايةٍ مليئة بذكر المعاجز والكرامات، علَّق قائلاً [2]: (في حين أن سندها غير سالم من العيوب، وعلى تقدير صحته فسلامة السند لا تثبت صدور الرواية عن المعصوم، فلقد روى الثقات عشرات الأحاديث المدسوسة، التي وضعها المغيرة بن سعيد وأمثاله من الوضّاعين، وأدخلوها في كتب أصحاب الإمامين الباقر والصادق).
                والحال أنَّه لا يجوز التمسُّك بمثل هذه الأدلّة العامَّة في ادّعاء تشخيص مصاديق خارجيَّة، فنحن نقرُّ أن المغيرة بن سعيد قد وضع الأحاديث، ولكن هل سيبقى هذا الدليل حاضراً للتلويح في وجه كل حديث يتشوّق الآخرون إلى الحكم بوضعه؟! والحال أن الأدلة التي تثبت أن المغيرة قد وضع الأحاديث لا تشخِّصُ الأصول التي أصيبت بالوضع، مضافاً إلى ذلك أنّه هل من المعقول أن تبقى الأحاديث الموضوعة في أصول كبار أصحاب الإمام الباقر عليه السلام رائجة بين الشيعة لأكثر من مئة سنة دون أي معالجةٍ من الأئمة المعصومين عليهم السلام للحفاظ على أغراض الشارع المقدّس، لا سيما أن كمَّ الأحاديث التي تُرمى بالوضع اتكاءاً على قصة دس المغيرة وأمثالها آخذٌ بالتزايد في كتب (منقحي التراث الشيعي)، ما يعني أنَّها كثيرة، فكان من اللازم أن يتصدى الإمام لمثل هذه الوظيفة، مع ملاحظة أنَّ بَعد المغيرة بن سعيد قد جاء ستة من الأئمة الناطقين الظاهرين عليهم السلام، فكيف أهملوا معالجة مثل هذه القضيَّة؟!
                وللإنصاف، فإن القول بإمكان ورود حديث موضوع بسندٍ صحيح أمر ممكن على المستوى النظري، إذ يجوز أن يكون الوضَّاع قد جعل سنداً صحيحاً، أو أنَّه وضع حديثاً في أصلِ ثقةٍ، إلا أنَّه بملاحظة جهود علمائنا في تحري الأحاديث وتنقيح أصول الأصحاب يُعلم أنَّ مثل هذه الدعوى لا يمكن قبولها إلا بإيراد الأدلَّة الخاصّة، كأن يُقال مثلاً: إن أصل الراوي الفلاني الذي ينقل منه الصدوق في كتابه (من لا يحضره الفقيه) موضوع، وهذه هي الأدلة على وضعه، ثم يبدأ المدعي بتقديم أدلته، أما مجرد التمسّك بمثل هذه الأدلة كذريعةٍ للطعن في الأحاديث – لمجرد عدم الرغبة بها - فلا يصح؛ لأنها أدلَّة عامَّة لا تصلح للتمسك بها.

                الملاحظة الثالثة: إنَّ السيد المصنف لم يكن دقيقاً في مجال التحقيق في الأخبار الشريفة، إذ أنَّه لم يسر وفق خطوات البحث العلميِّ في تتبع الأحاديث وتفحُّص متونها والتدقيق في أسانيدها وعرضها على المفاهيم القرآنية والثوابت الروائيَّة كما ينبغي، وقد استغنى عن ذلك بمُسلَّماته وقناعاته العجيبة في بطلان أحاديث الكرامات والمعاجز والمثالب، مضافاً إلى الأخطاء المتعددة في مناقشة الأسانيد بنحوٍ لا يمكن أن يكون صادراً عن أهل التحقيق.
                وكان من ذلك أيضاً: أنَّه رمى بعض الأخبار بالوضع لعدم تدبره في متنها وأغراه بذلك ضعف السند مع غفلته عن وجود أسانيد صحيحة أخرى في مصادرنا المعتبرة، وكم من حديثٍ قد تعجَّل في إبطاله لعدم تتبعه له في مصادر مختلفة، وعدم تدبُّره في كتاب الله والأحاديث المعتبرة عن أهل البيت عليهم السلام، مضافاً إلى عدم التزامه بالدقَّة في المسائل المتعلّقة بعلم الرجال، ومن ذلك اتهامه العديد من الثقات بالكذب والغلو وهم ليسوا كذلك، وكان ضعفه في هذا الجانب واضحاً جداً.
                وإجمالاً، فالذي أراه بحسب ملاحظة عبارات المصنّف أنَّه أراد دفعَ تشنيع العامَّة على تراثنا مضافاً إلى رغبته بتقديم خطابٍ عليه لباس العقلانيَّة استجلاباً لهم أو تسكيناً لنقدهم الحادِّ والمتعسف تجاه تراثنا وعقائدنا ما دفعه إلى إنكار بعض خصوصيَّات المعصومين ݜ من فضائل وكرامات، والقدح في بعض ثقات أصحابهم، وتوهين ما جاء في ذمِّ أعدائهم رغم استفاضته بل تواتره، وغير ذلك من الاشتباهات العديدة الآتي ذكرها، وسيلحظ القارئ الكريم بعض الخلل في منهجه من خلال إيرادنا لبعض الملاحظات على كتابه، على أنَّ هذا النقد لم يستوفِ الكلام في كل أخطائه وانتقاداته للروايات، إذ الوقوف على كافة الانتقادات الموجهة للروايات يستلزم التطويل، ويكفي في ذلك نقض الأسس التي بنى عليها كبنائه بعدم جواز تحديث الأئمة بالغيبيات والمعاجز أو عدم صحَّة صدور الثلب منهم بحق أعدائهم وغير ذلك من التوهمات الباطلة، وإليكَ بعض الملاحظات.



                [1] الموضوعات في الآثار والأخبار، ص 216 – 217.
                [2] الموضوعات في الآثار والأخبار، ص208 -209.

                تعليق


                • #9
                  الملاحظة [1] : استشهاد المصنِّفُ بحديث تأبير النخل المكذوب.

                  قال المصنفُ رحمه الله متحدثاً عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله[1] : (لقد كانت كل أفعاله وأقواله تعنيهم أكثر من أي شيءٍ آخر؛ لأنه كان محور حياتهم الدينيَّة والمدنيَّة منذ أن هداهم الله به من الضلالة إلى الهداية ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم، وبلغ من حرصهم على إحصاء أقواله وأفعاله وجميع تصرفاته أنَّهم كانوا إذا اضطرَّ أحدهم للتغيب عن مجلسه يستنيب من يقوم مقامه لينقل إليه ما سمعه من الرسول عن حكم يتعلق بدينه أو أمر يتعلق بحياته، وهو مع كل ذلك يتهرَّبُ من التدخل بشؤونهم التي لا تتصل بالأحكام والأخلاق والآداب، ويقول: أنا أعلم بأمور دينكم وأنتم أعلم بأمور دنياكم).

                  وما نسبَهُ من قولٍ للنبي صلى الله عليه وآله هو فقرةٌ من حديث تأبير النخل الذي يرويه العامة، وفيه كلام نوجزه في ملاحظتين:

                  الملاحظة الأولى: الحديث لم يرد في مصادرنا المعتبرة، ولا ثبتت صحَّته وفق مبانينا في علم الدراية، فكيف جاز للسيد أن يحتجَّ به؟ ولو سلَّمنا بجواز أخذ الأحاديث عن كتب العامَّة، فكيف قبل بمثل هذا الحديث وهو مُسَلْسَلٌ بالمجاهيل والضعفاء بل والمتهمين، أمثال هشام بن عروة وأبيه عروة بن الزبير وهما من الخطِّ الزُبَيْري المعادي لأهل البيت عليهم السلام [2].

                  الملاحظة الثانية: خلاصة الحديث أنَّ النبي صلى الله عليه وآله مرَّ بقومٍ من أصحابه وهم يقومون بتأبير النخل أي بتلقيح الأنثى من الذكر، فأشار عليهم بترك ذلك ظنَّاً منه أنَّه لا ينفع في ذلك شيئاً، ثم تبيَّن لاحقاً أنَّ هذا الترك لم يكن في محلِّه، إذ أنتجت النخيل تمراً رديئاً، فكان جوابه: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»[3] وفي رواية: «إذا كان شيئاً من أمر دنياكم فشأنكم به، وإذا كان شيئاً من أمر دينكم فإليَّ»[4] وهذا الحديث باطل المضمون، إذ كيف يجهلُ النبيَّ صلى الله عليه وآله مثل هذه المسألة التي تتعلق بزراعة النخيل وهو الذي قد عاش في البادية ونشأ فيها، وهو الذي كان عارفاً بأحوال العرب وأسفارهم وتجارتهم، فكيف يخفى عليه مثل هذا وهو قد اجتاز من العمر خمسين عاماً – باعتبار أنَّ الحادثة كانت في المدينة المنورة أي بعد الهجرة النبويَّة - ؟
                  وكيفَ يكونُ بعض ما يقوله النبي صلى الله عليه وآله باطلاً وهو الذي أمرَ عبد الله بن عمرو بن العاص أن لا يُمسك عن كتابة كل ما يقوله؛ لأنَّه لا يقولُ إلَّا حقَّاً، فلو كان بعض ما يقوله باطلاً لنبَّههُ إلى الإمساك عن كتابة ما يتعلَّقُ بأمور الدنيا، مثلاً. روى أحمد بن حنبل في مسنده[5] بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص: (كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا. فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق). ورواه الحافظ أبو داود السجستاني في سننه[6]، والحافظ الدارمي في سننه[7].
                  يُضاف إلى هذا، أن تكلُّم النبي صلى الله عليه وآله فيما لا يعلم هو من فضول الكلام المنهيِّ عنه والذي يُنافي أرفع درجات الخلق الرفيع الذي وصفه الله تعالى به، وهو أيضاً من التكلم فيما ليس له فيه علم وقد قال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) [8] .

                  كلُّ ما تقدم هو مجمل الكلام في النقض على مباني أهل الخلاف، أمَّا على مبانينا فالأمر أبينُ من أنْ يُوَضَّح لمن تدبَّر في كتاب الله وأخبارنا المستفيضة في شأن علوم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله.



                  [1] الموضوعات في الآثار والأخبار، ص 17.
                  [2] وقد نقل السيِّد رحمه الله في نفس كتابه نقلاً عن أبي جعفر الإسكافي المعتزلي أنَّ عروة بن الزبير كان من الوضاعين الذين اشتغلوا بوضع الحديث في ذم أمير المؤمنين عليه السلام، [انظر كتابه: ص117].
                  [3] صحيح مسلم، ج4، ص1836، رقم الحديث 2363.
                  [4] مسند أحمد، ج41، ص401، رقم الحديث 24920.
                  [5] مسند أحمد، ج11، ص57، رقم الحديث 6510، قال المحقق شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح).
                  [6] سنن أبي داود، رقم الحديث 3646، قال الشيخ الألباني: (صحيح).
                  [7] سنن الدارمي، رقم الحديث 501، قال المحقق حسين سليم أسد: (إسناده صحيح).
                  [8] سورة الإسراء، الآية 36.
                  التعديل الأخير تم بواسطة ابن بابويه القمي; الساعة 03-17-2017, 07:32 PM.

                  تعليق


                  • #10
                    الملاحظة [2] احتجاج المصنِّف بروايات العامَّة.

                    تذييلاً وتكميلاً لما في الملاحظة الأولى، نقول: قد ذكر المصنِّفُ في كتابه بعض الروايات غير المعتبرة والتي رواها العامَّةُ ولم ترد في كتبنا المعتبرة تساهلاً منه ولم يُرَ منه هذا التساهل تجاه ما ورد عن أئمتنا عليهم السلام وكأنَّه أوصيَ بالنقمة على روايات أهل البيت عليهم السلام - ولو بخلاف المباني العلميَّة - والتلطف بروايات العامَّة والتساهل بإيرادها إلى الثقافة الدينية - ومعظمها إذا عملنا بمباني الإمامية في الدِّرايةِ والتي التزم بها السيِّد - لا يُعلم مدى اعتباره، بل ولا طريق إلى ذلك بعد الفراغ من إثبات إهمال ومجهوليَّة وضعف الكثير من رجال أسانيدهم عندنا، ومن هذه الروايات التي احتجَّ بها، حديث تأبير النخل الذي تقدَّم، وحديث (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ..) وحديث: (ما لي ولكم، تسألونني عما لا أعلم، وإنما أنا عبد لله لا علم لي إلا ما علمني ربي) وقوله: (علموا ويسروا ولا تعسروا..إلخ)[1] وغيرها من الروايات التي لم تتوفر فيها شرائط الحجيَّة، وقد لا يخلو بعضها من إشكال.



                    [1] حديث: (لا تطروني)، ص16/ حديث (علموا ويسروا)، ص16، حديث: (مالي ولكم..)، ص145.

                    تعليق


                    • #11
                      الملاحظة [3] إساءة المصنف إلى النبي (صلى الله عليه وآله) في تحليل سيرته.

                      قال المصنِّف رحمه الله [1]: (ومهما كان الحال، فالنبيُّ صلى الله عليه وآله لم يكن مُتحمِّساً لتدوين آثاره، ووقف موقفاً يمكن أن يتَّصِفَ بالفتور بالنسبة لغيره مما كان يؤكده ويحث عليه، ولم يرد عنه ما يصلح أن يكون سبباً كافياً لتعليل هذه الظاهرة، وبنتيجة ذلك وقف المسلمون بعد وفاته هذا الموقف الفاتر من تدوين أقواله واعتمدوا على ذهنيَّتِهم الحادَّة التي كانت تستوعب أدبهم وأخبارهم وجميع ما كان يجري بينهم من الحروب والغارات، ووجدوا من الذين استولوا على الحكم بعد وفاته تشجيعاً على هذا الموقف).
                      ولم تمضِ صفحات يسيرة حتَّى عاد السيِّدُ ليقول إنَّ الفتور الذي مُنِيَ به الصحابة الأوائل كان السببَ الباعثَ لنجاح حركة الكذب والوضع على لسان النبي صلى الله عليه وآله، قال [2]: (والذي لا يمكن التنكر له أنَّ فتور الطبقة الأولى من الصحابة عن تدوين الأحاديث مهما كانت أسبابه قد يسَّر للعناصر الفاسدة التي اندسَّت في صفوف المسلمين من اليهوديَّة والنصرانيَّة وغيرهما من مشركي مكَّة وغيرها ممن لم يدخل الإسلام قلبهم قد يسَّر لهم الكذب على الرسول وإدخال الكثير من القصص وأخبار الأمم السابقة وبخاصَّة اليهوديَّة حسبما روتها التوراة وشروحها وأضافوا قسماً من تلك الأساطير إلى تفسير القرآن ..إلخ).
                      وكأنَّ المصنف قد غفل عن قوله أنَّ هذا الفتور الذي أصاب الصحابة وتسبب بنجاح رواة الأكاذيب في عملهم إنمَّا كان سببه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، فالحال – بحسب التصور الذي يطرحه المصنف - أنَّ النبي صلى الله عليه وآله بفتوره في مسألة تدوين آثاره قد أوجدَ هذا الفتور في نفوس الصحابة ثم صار فتور الصحابة الأوائل عن التدوين سبباً في إيجاد ثغرات لحركات الوضع والكذب من رواة الإسرائيليَّات. وبعبارة أخرى: إنَّ كلام المصنف يشير إلى أنَّ النبي صلى الله عليه وآله كان فاتراً عن تدوين رواياته، ثم تسبب في إصابة الصحابة بهذا الفتور، وكان فتور الصحابة سبباً في نجاح حركة الوضَّاعين والكذابين على لسان النبي صلى الله عليه وآله، وأيُّ خطأ فظيع هذا بحق النبي؟ نعوذ بالله من الغفلة وسبات العقل.



                      [1] الموضوعات في الآثار والأخبار، ص 20.
                      [2] الموضوعات في الآثار والأخبار، ص 22.

                      تعليق


                      • #12
                        الملاحظة [4] استنكار المصنف روايات الثواب العظيم على بعض العبادات.

                        استنكر المُصنِّفُ ما ينطق به لسان بعض الروايات الواصفة لثواب بعض الأعمال المستحبَّة، فقال [1]: (وهل يرجو المستضعف من عوام الناس غير الجنَّة التي وعد الله عباده المتقين العاملين بأوامره والمنتهين عن نواهيه، فإذا أهدى له القصاصون على صلاة ركعتين يصليهما في ليلة من ليالي رمضان ألف ألف حسنة وقصوراً في الجنَّة من الزبرجد والياقوت وعشرات الجواري والحور، كل جاريةٍ مقعدها ميل في ميل[2] كما جاء في بعض المرويات التي تصف الحور العين، وتمحو من سجلِّه آلاف السيِّئات فلماذا يُجهد نفسَهُ بعد ذلك في الطَّاعاتِ واجتناب السيّئات).

                        وهذا الإشكال غير تام، ويرد عليه من عدّة وجوه:
                        الوجه الأوَّل: لا يمكن قراءة روايات الثواب بمعزل عن بقيَّة الروايات الواردة في هذا الشأن، وإلا فسيخرج المتأمل بقراءة ناقصة لا توافق الرؤية الصحيحة، فإنَّ الروايات التي تشتمل على الثواب الكبير لا يمكن أن تكون محرِّضةً على ارتكاب السيِّئات، إذ أنَّ الله يُعرِضُ عن المقيم على المعاصي المصرّ عليها، وهذا المعنى وما يشبهه مبثوث في الأخبار من قبيل عدم قبول صلاة شارب الخمر[3]، وعدم قبول عبادة آكل اللقمة الحرام[4] وعدم نيل المستخف بالصلاة شفاعة أئمة الهدى والتقى (عليهم السلام)[5] بل وفي بعضها أن التارك للحجِّ – بعد توفر شروط الاستطاعة فيه - يموت على غير ملة الإسلام[6] ونظير هذه الأخبار كثير، فكما أن الحسنة موجبةٌ فالسيِّئةُ مانعةٌ، فكيف يجرؤ العالِمُ بهذه الأخبار على عمل المستحب وارتكاب المحرمات مع ما لها من أثر في منع قبول الأعمال الصالحة والله تبارك وتعالى يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)[7].
                        الوجه الثاني: إنَّ الله تبارك وتعالى قد بيَّن في كتابه العزيز أنَّ العمل الصالح – بعد الوفاء بشروطه اللازمة – له أثرٌ عظيم في محو السيئات (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)[8] وهذا ثواب أعظم مما في الروايات، فهل يُعَدَّ القيام بالأعمال الصالحة محرِّضاً على ارتكاب المعاصي باعتبار أنَّها تمحو أثر كلِّ معصيةٍ؟
                        الوجه الثالث: إنَّ الله تبارك وتعالى قد وعد العُصاة بالمغفرة في العاجل والآجل في حال حصول التوبة منهم، فهل هذا يُعَدُّ إغراءً بالمعصية أيضاً؟ أم أنَّنا لو نظرنا إلى التوبة وشروطها فسنعلم أنَّ المسألة أدقُّ وأعمق مما يطرحه السيد بهذا التصوُّرِ السطحيِّ.
                        إنَّ معرفة شرائط نيل الثواب العظيم وغفران السيئات وقبول التوبة له الأثر التامّ في التيقن من أنَّ المسألة ليست عبثيَّة وانتقائيَّة، فهي لا تبعث المكلَّفَ على فعل المستحب ذي الثواب العظيم وارتكاب المعصية معاً، بل القضيَّةُ منضبطة وفق منظومة مترابطة لا تنفك أجزاؤها عن بعضها، وينبغي ملاحظة أحاديث الثواب والعقاب بمجموعها في هذا الشأن.
                        الوجه الرابع: إنَّ المصنف بنفسه قد أثبت هذا المعنى الذي استنكره، فقد قال في نفس كتابه[9]: (فقد أكَّدَ[يعني: النبي]لهم[يعني: الصحابة]في عشرات المناسبات أنَّ السعي في شؤونهم الخاصة والعمل من أجلها لا ينفصل عن الدين ولا ينقص عن أجر الصائمين والمُصلين بل يزيدُ عليها عشرات المرات، كما يشيرُ إلى ذلك قوله: عمل يومٍ خيرٌ من عبادةِ سنةٍ).
                        وعلى مبنى ومذاق المصنف في الاستشكال، نقول: كيف يكون عمل يومٍ واحدٍ خير من عبادة لمدَّة اثني عشر شهراً ؟! ألا يُعَدُّ هذا إغراءً بالمعاصي أو بترك بعض الطاعات المحوريَّة في حياة الإنسان كالجهاد في سبيل الله وخدمة الفقراء والمساكين ومحاربة المنكر وصلة الأرحام والسعي لقضاء المؤمنين وغير ذلك من الأعمال المستحبة، إذ يكفي فيه أن يعمل الرجل في يومه وليلته ساعياً خلف رزقه ليُكتَبَ له هذ الأجر، ولكننا مع ذلك نقول: إنَّ فهم هذه الروايات لا ينبغي أن يتمَّ بهذه الطريقة العشوائية، وإنَّما ينبغي جمع تمام الأخبار الشريفة في هذا الشأن ثُمَّ الكلام فيها وفق المنهج الصحيح للخروج بتصورٍ سليم، وما تقدَّم من تفصيل لهذا المعنى يكفي لإيضاح ملامح هذا النهج في فهم هذه الروايات.

                        [1] الموضوعات في الآثار والأخبار، ص173.
                        [2] هذه الرواية لم ترد في مصادر الإمامية المعتبرة، ورواها من العامة أبو طاهر المخلص في كتابه (المخلصيات، رقم الحديث 2112) وهي ليست حديثاً مرفوعاً وإنما من كلام أبي سليمان الدارانيّ.
                        [3] المحاسن، ج1، ص216.
                        [4] عدة الداعي، ص 187.
                        [5] الكافي، ج6، ص24.
                        [6] الكافي، ج8، ص221 -222.
                        [7] سورة المائدة، الآية 27.
                        [8] سورة هود، الآية 114.
                        [9] الموضوعات في الآثار والأخبار، ص 173.
                        التعديل الأخير تم بواسطة ابن بابويه القمي; الساعة 03-19-2017, 12:10 AM.

                        تعليق


                        • #13
                          الملاحظة [5] رد إشكالات المصنف حول حديث (من بلغه)

                          قال المصنِّف [1]: (فقد وضع القصاصون أحاديث لتدعيم مروياتهم وأساطيرهم وزيَّفوا لها الأسانيد التي تربطها بالنبي والأئمة بأسلوب يوحي بصحتها، ويزف لهم البشائر بالحصول على تلك الدرجات التي وعدهم القصاصون بها، فرووا لهم أنَّ الإمام قال: [من بلغه ثواب على عملٍ فعمله رجاء ذلك الثواب أعطيه وإن لم يكن رسول الله قاله] وأن النبي قال: [من حدَّثَ عني حديثاً هو لله رضا فأنا قلته وبه أرسلت] إلى غير ذلك من المرويات بهذا المعنى، وقد أخذ بها الشيعة والسنة، واستخرج الشيعة منها قاعدة أضافوها إلى مدارك الأحكام وأصولها وأطلقوا عليها قاعدة التسامح في أدلَّة السنن، مع العلم بأنَّ أسانيدها لم تتوفر فيها شروط العمل بالرواية؛ لأن بينهم من هو متهم في دينه وبينهم من هو مجهول الحال إذا استثنينا رواية واحدة عدَّها بعض المحدثين من قسم الصحيح لأن الراوي لها من الممدوحين في كتب الرجال، مع العلم بأنَّ مجرد ذلك لا يمنع من ردِّ الرواية إذا كانت مخالفة لكتاب الله أو للخبر المقطوع بصدوره، على أنَّ هذا النوع من المرويات على تقدير صدوره فلا بد وأن يكون المراد من البلوغ الذي نصَّت عليه هو البلوغ بالطرق التي تطمئن إليه النفس).
                          ثم عاد في موطن آخر من كتابه ورمى كافَّة الأسانيد بعدم الاعتبار، فقال[2]: (ولكنَّ الأخذَ بها يتوقف على صدورها عن النبيِّ صلى الله عليه وآله أو الإمام عليه السلام وقد ذكرنا أن أسانيدها لم تتوفر فيها الشروط المطلوبة وأنَّها من صنع القصَّاصين والوعاظ ليؤكدوا بها مرويَّاتهم في الترغيب والترهيب).

                          والكلام حولَ حديث (من بلغه) سيكون في جهتين:
                          الجهة الأولى: الكلام في أسانيد الحديث في كتبنا المعتبرة، وبيان صحَّة بعضها وإثبات أنَّ الحديث كان موجوداً في أصولنا المعتبرة ووصلنا بسندٍ صحيح، ما يُفنِّـدُ دعوى الوضع، إلا أن يُزعَمَ أنَّ الرواية مدسوسة في هذه الأصول، فنطالبُ بالدليل الخاصِّ؛ لأننا نطمئن إلى أنَّ كل أصلٍ نقل عنه علماؤنا بأسانيد معتبرة معوَّلٌ عليه مأخوذٌ بما فيه إلَّا أن يردنا دليل على حصول الدسّ والتزوير فيه، فنرفع اليد عنه.
                          الجهة الثانية: الكلام في مضمون الحديث وما استشكل به المصنِّفُ عليه.

                          أما بالنسبة إلى الجهة الأولى:قد وردت الرواية بأسانيد صحيحة في كتبنا المعتبرة من طرق علمائنا الأعلام (رضوان الله عليهم)، وهذه طرق العلماء إلى الحديث:

                          1.
                          رواية الشيخ البرقي
                          رواية الشيخ البرقي في (المحاسن)[3]: (أحمد بن أبي عبد الله البرقي، [عن أبيه][4]، عن أحمد بن النضر، عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال : من بلغه عن النبي صلى الله عليه وآله شيء فيه الثواب ففعل ذلك طلب قول النبي صلى الله عليه وآله كان له ذلك الثواب، وإن كان النبي صلى الله عليه وآله لم يقله).

                          وفيه: محمد بن مروان، مردد بين محمد بن مروان البصري من أصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام) ومحمد بن مروان الذهلي البصري من أصحاب الصادق (عليه السلام)، والأقوى أنَّهُ الأوّل؛ لأنه روى نفس الرواية عن الباقر (عليه السلام) كما سيأتي، أما محمد بن مروان الذهلي البصري فهو من أصحاب الصادق (عليه السلام) ولا دليل على أنه روى عن الباقر (عليه السلام)، ولم يرد في هذا الراوي توثيق، وبهذا النحو لا يصحُّ السند. نعم، روى صفوان بن يحيى ومحمد بن أبي عمير – اللذان لا يرويان إلا عن ثقة - عن (محمد بن مروان) ولم يتميَّز لي أي منهما المرويّ عنه.
                          وروى أيضاً[5]: (وعنه [البرقي]، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: من بلغه عن النبي صلى الله عليه وآله شيءٍ من الثواب فعمله، كان أجر ذلك له وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله) وإسناده صحيح.

                          2. رواية الشيخ الكليني
                          روى الشيخ الكليني في (الكافي)[6]: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: من سمع شيئاً من الثواب على شيءٍ فصنعه كان له وإن لم يكن على ما بلغه) وإسناده صحيح.
                          وروى أيضاً [7]: (محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن عمران الزعفراني، عن محمد بن مروان قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: من بلغه ثواب من الله على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه) وإسناده ضعيف، فيه عمران الزعفراني مجهول، ومحمد بن مروان تقدَّم الكلامُ فيه.

                          3.
                          رواية الشيخ الطوسي
                          قال السيِّدُ ابن طاوس في كتابه (إقبال الأعمال) بعد أن روى الحديث من طريق الشيخ الكليني[8]: (ووجدنا هذا الحديث في أصل هشام بن سالم رحمه الله عن الصادق عليه السلام).
                          قلت: هشام بن سالم الجواليقي له أصلٌ واحدٌ ذكره الشيخ في الفهرست[9]، وقد وصل هذا الأصل إلى السيد ابن طاوس بطريقٍ معتبر حيث روى تمــام الأصـول التي رواها الشيخ الطوسي في كتابه (الفهرست)، وروى الشيخ أصل هشام بطريق معتبر.
                          توضيح ذلك: إنَّ السيِّدُ ابن طاوس روى كلَّ ما رواه الشيخ الطوسي في (الفهرست) وقال في كتابه (فلاح السائل)[10]: (فمن طرقي في الرواية إلى كلِّ ما رواه جدي أبو جعفر الطوسي في كتاب الفهرست وكتاب أسماء الرجال وغيرهما من الروايات ما أخبرني به جماعة من الثقات، منهم: الشيخ حسين بن أحمد السوراوي إجازة في جمادى الآخرة سنة تسع وستمائة قال: أخبرني محمد بن أبي القاسم الطبري عن الشيخ المفيد أبي علي عن والده جدي السعيد أبي جعفر الطوسي) وهذا إسنادٌ صحيح.
                          أمَّا إسنادُ الشيخ الطوسي إلى أصلِ هشام بن سالم فهو كما ذكره في (الفهرست) [11]: (له أصل، أخبرنا به ابن أبي جيد، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن يعقوب بن يزيد ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب وإبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى عنه).
                          وإسناد الشيخ الطوسيِّ إليه صحيح، وبذلك يثبت أنَّ سند الرواية معتبر لأنها موجودة في أصل هشام بن سالم الجواليقيِّ، حيث يروي السيدُ ابن طاوس الأصل بسند صحيح عن الشيخ الطوسي ويروي الشيخ الطوسي هذا الأصل بسند صحيح عن هشام بن سالم. على أنَّه لا بد من الإشارة إلى أنَّ أصول كبار أصحاب الأئمة عليهم السلام مستغنيةٌ عن ذكر الإسناد إليها، لشهرتها وكثرة تداول الشيعة لها، وكيف كان فالشهرة كافية والسند صحيح.


                          4. رواية الشيخ الصدوق
                          روى الشيخ الصدوق في كتابه (ثواب الأعمال)[12]: (أبي رحمه الله، قال: حدثني علي بن موسى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن هشام، عن صفوان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: من بلغه شيءٌ من الثواب على شيءٍ من خيرٍ[13] فعمله كان له أجر ذلك وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله).
                          قلت: تقدَّم في رواية البرقيِّ أنَّ علي بن الحكم يروي الرواية عن هشام عن الصادق عليه السلام بلا واسطة، وقد جاءت رواية هشام هنا بتوسط صفوان، وفي ذلك احتمالات:
                          الاحتمال الأول: أن يكون هشام قد رواها عن الصادق عليه السلام بواسطة صفوان – وينبغي أن يكون الجمَّال الثقة لا كما قال السيد ابن طاوس[14] – ثم رواها عن الإمام مرةً أخرى مباشرة فدوَّنها في أصله، وهذا الاحتمال لا بأس به لظهور عدم اتحاد هذه الرواية مع رواية البرقيِّ لما يُلاحظ في اختلاف المتن، فيمكن أنَّ الرواية رويت على وجهين، ومن هنا جاءت المغايرة.
                          الاحتمال الثاني: أن يكون السند محرَّفاً عن (هشام وصفوان)، وبملاحظة جملة من النسخ الخطيَّة والمصادر القديمة كالبحار لا دليل على هذا الوجه.
                          الاحتمال الثالث: وقوع قلبٍ في الإسناد فيكون (علي بن الحكم عن صفوان عن هشام) باعتبار أنَّ صفوان بن يحيى بياع السابُري قد أخذ عن هشام أصلَه كما في طريق الشيخ الطوسيِّ بالفهرست، فيظهر هنا أنَّ علي بن الحكم قد روى أصلَ هشام بواسطة وبدون واسطة، ولكنَّ هذا الاحتمال لا تؤيده النسخ الخطيَّة لكتاب (ثواب الأعمال).
                          وعلى تقدير صحة أحد هذه الاحتمالات، يكون السند معتبراً لولا الكلام في علي بن موسى الكمندانيِّ[15]، على أنَّه لا يبعد الاعتداد بهذا الطريق بضميمة ما تقدَّم، فروايته ليست ساقطة مطلقاً إذ أنَّه أحد رجال عدَّة الكليني، ومثله إن لم يكن حديثه حسناً فيُخرَّج كشاهدٍ.

                          ولو سلَّمنا بضعف أسانيد الحديث، فإن ضعف السَّند لا يعني بطلان الحديث، إذ يمكن جمع القرائن والشواهد الدَّالةِ على صحته، وقد أقرَّ السيِّد المصنف بهذا المعنى فقال[16]:
                          (مع العلم بأنَّ ضعف الحديث لا يعني سقوطه وعدم الاعتداد به في كل الأحوال، ذلك لأنَّ ضعفه من حيث عدم توفر الشروط المطلوبة في رواته لا يمنع من كونه محاطاً ببعض القرائن الخارجيَّة أو الداخلية التي تُرجِّحُ صدوره عن النبي صلى الله عليه وآله أو أحد الأئمة عليهم السلام لجواز أن يصدق الكاذب أحياناً كثيرة، وليس من الحق إذا كذب الراوي أحياناً أو كان مجهول الحال أو كان متصفاً بما أوجب عدم الوثوق به أن تسقط جميع مرويَّاته مهما كان حالها ما دام احتمال صدقه في مروياته أحياناً كثيرة قائماً، فلا بُدَّ من التحري والبحث عن حديثه ودراسته دراسة موضوعيَّة حتى إذا تبيَّن أنه لا مانع منه، ولم تظهر عليه أمارات الكذب بأن كان مدعوماً ببعض الشواهد يتعيَّنُ العمل به ويصبح كغيره من المرويات الصحيحة).
                          ومع غض النظر عمَّا تقدم من طرق صحيحة وصالحة للاستشهاد، وغيرها مما يصلح أن تعضده الشواهد كرواية علي بن موسى الكمندانيّ يمكن تعزيز الحديث بالقرائن والشواهد المؤديَّة إلى نفس معناه ومن ذلك ما رواه ثقة الإسلام الكليني في (الكافي) بسندٍ صحيح[17]: (محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال : أحسن الظن بالله فإن الله عز وجل يقول: أنا عند ظن عبدي المؤمن بي، إن خيراً فخيراً وإن شرا فشراً) فالعبد لو ظنَّ أنَّ اللهَ يُجازيه على قيامه بعملٍ مستحب وردَ في إحدى الروايات فالله تعالى سيفي له بما ظنَّه، وهذا من كرمه وجوده، وبالنظر والتتبع يمكن استظهار العديد من القرائن المقوِّيَة، وبهذا يتبيَّنُ بطلان دعوى المصنف أنَّ الحديث من موضوعات القصَّاصين والوُعَّاظ، حيث قال[18]: ( ..، وأنَّها من صنع القصاصين والوعاظ ليؤكدوا بها مروياتهم ..إلخ)، فإنَّ السيد لم يورد دليلاً على هذه الدعوى، وهي باطلة لا مستند لها، وفيما تقدَّم من التفصيل في الأسانيد المعتبرة إبطالٌ لهذه المزاعم، إلا أنْ يُكابر معترضٌ ويدَّعي أنَّ القصاصين وضعوا هذه الروايات في كتب الأصحاب وأصولهم، فيلزم حينها إيراد الدليل الخاص، وإلا فبمثل هذه الادعاءات الظنيَّة لا يمكن رفع اليد عمَّا هو حجة شرعاً ومُطمَئَنٌّ إليه وفق ما تقتضيه قواعد هذا العلم.

                          ومن العجيب تناقض المصنِّف في التعامل مع هذا الحديث بنحو مضطّرب لا نظير له، إذ أنَّه أتَى بتفسيرٍ للحديث – بغض النظر عن صحته – وهو تفسير لا يُعارض القرآن ولا العقل، قال [19]: (على أنَّ هذا النوع من المرويات على تقدير صدوره فلا بد وأن يكون المراد من البلوغ الذي نصَّت عليه هو البلوغ بالطرق التي تطمئن إليه النفس لا غيره) ثم ذكرَ عن أحد الفقهاء ثلاثة وجوهٍ في بيان معنى الحديث، وقال إنها تأويلاتٌ بعيدة خلا الوجه الأوَّل، ورفض الأخذ به رغم إقراره بموافقة الوجه الأول لظاهر عبارة الحديث، وترك هذا المعنى لأنَّ أسانيد الحديث لم تتوفر فيها الشرائط المطلوبة لاعتباره، قال[20]: (إلى غير ذلك من التصرفات والتأويلات البعيدة عن ظواهر تلك المرويات؛ لأن المعنى الظاهر منها لا يتعدى الاحتمال الأول، ولكن الأخذ بها يتوقف على صدورها عن النبي أو الإمام، وقد ذكرنا أنَّ أسانيدها لم تتوفر فيها الشروط المطلوبة وأنها من صنع القصاصين والوعاظ) مع أنَّه أقرَّ فيما سبق بصحَّة أحد أسانيد الحديث، لكنه لم يأخذ به لأن الرواية – بنظره - تخالف كتاب الله، وكأنَّ السيد المصنف يدور في حلقة مفرغة، فإذا أثبت أنَّ أحد طرق الحديث صحيحة ردَّهُ بزعم مخالفته للقرآن، وعند إيراده لتفسير للحديث لا يعارض القرآن توقف عن العمل به لأن الحديث لم تتوفر في أسانيده شرائط الاعتبار، فإذا قال: إن للحديث سند صحيح، لم يقبله لأن معناه مخالف للقرآن، وإذا أتى بمعنى للحديث لا يخالف القرآن قال: إنه لا يمكن الأخذ بهذا المعنى لأن الحديث لم يرد بطريق معتبر!

                          يُضاف إلى ما تقدَّم أنَّ أعاظم الفقهاء قد حكموا باعتبار هذا الحديث، ومنهم الميرزا أبو القاسم القمي في (غنائم الأيام)، قال [21]: (وكذلك الأخبار المستفيضة الدالَّة على أنّ من بلغه ثواب على عمل ففعله التماس ذلك الثواب أُوتيه وإن لم يكن كما بلغه)، والشيخ الجواهري في جواهره[22]: (والعمدة فيها نصوص [من بلغه ثواب على عمل أوتيه وإن لم يكن كما بلغه] وفيها الصحيح وغيره وهي متقاربة المضمون) وكذلك الشيخ الأنصاري في فرائده [23]، والمحقق الميرداماد في رواشحه السماويَّة[24] وغيرهم من الفقهاء العظام، والمُطالع لأبحاث الفقه والأصول يجدُ بحث الفقهاء في هذا الحديث سنداً ودلالةً، فإذا طالعتَ وتأمَّلتَ في كتبهم وأبحاثهم، عرفتَ مدى التعسُّف الذي مارسه السيِّدُ بحقِّ فقهائنا الأعاظم (رضوان الله عليها) حينما قال[25]: (والأغرب من ذلك أنَّ المتأخرين ممن ألَّفَ في أصول الفقهِ من علماء الشيعة قد أخذوا بهذه المرويات بدون تحقيقٍ في مضامينها ولا تمحيص لأسانيدها) وكأنَّ الفقهاءَ هم جُملةٌ من الحَشَويَّة أو الالتقاطيِّيْن، حيث يأخذون الأمورَ على عِلَّاتِها!


                          وأما بالنسبة للجهة الثانية: ويتلخص الكلام هنا في مضمون الحديث، وهنا إشكالان نذكرهما ونجيب عليهما:

                          الإشكال الأول: معارضة الحديث للقرآن الكريم.
                          قال السيد المصنف[26]: (مع العلم بأنَّ مجرد ذلك – أي صحة أحد طرق حديث من بلغه- لا يمنع من ردِّ الرواية إذا كانت مخالفة لكتاب الله أو للخبر المقطوع بصدوره).
                          والجواب: إنَّ السيد المصنف لم يبين وجه معارضة الحديث لكتاب الله تعالى والأخبار القطعيَّة الصدور، بل اكتفى بتقديم الدعوى والحال أنَّنَا لا نجد في الحديث ما يُعارض مضامين القرآن الكريم والأخبار قطعية الصدور، بل إنَّ هذا المفهوم (إعطاء الثواب المأمول وإن لم ينص عليه النبي صلى الله عليه وآله) بالنظر إلى الآيات والروايات المعتبرة الواصفة لكرم الله وجوده يكون مفهوماً محتملاً وليس بمستبعدٍ. على أنَّه لا يجوز ادِّعاء معارضة الحديث لكتاب الله إلا بعد الفراغ من بيان كل المعاني المحتملة للحديث واستقرار تعارضها كلها مع مضامين القرآن الكريم والأخبار قطعية الصدور، فكيف جاز للسيد أن يدَّعي التعارض وهو بنفسه قد أتى بتفسيرٍ غير معارض للقرآن والأخبار قطعية الصدور؟! فماذا لو صحَّ الحديث وكان صادراً عن المعصوم واقعاً، وقد تسرَّع السيدُ بردِّه؟ ففي هذا مخالفة لما أُمرنا به من عدم التسرع بتكذيب أحاديثهم (عليهم السلام)، بل أين معارضة القرآن والأخبار قطعية الصدور والعقل إذا قيل إنَّ الله يكافئ العابد العامل بالطاعات التي بلغته عن النبي صلى الله عليه وآله وإن لم تثبت في الواقع مكافأةً له لانقياده للنبي صلى الله عليه وآله وسعيه وجهده في طاعة الله وعبادته والخضوع له؟!
                          ويُجابُ بإلزامٍ آخر: أنّ السيد قد أقرَّ فيما سبق بصحة إحدى طرق الحديث، ولكنه رفع يده عنه لمخالفته للقرآن، ثم أتى بتفسيرٍ لا يعارض القرآن ورفع اليد عن الحديث، لعدم توفّر شرائط الاعتبار فيه، فماذا لو قلنا: إنَّ الطرق إلى الحديث صحيحة، وهذا المعنى الذي ذكره السيد في تفسير الحديث نقبله، فهل يبقى مجال لافتراض المعارضة للقرآن الكريم؟!

                          الإشكال الثاني: العمل بالرواية يشجع الوضاعين والقصاصين.
                          قال السيد المصنف[27]: (ولكن الذي أدَّعيه أن الأخذ بجميع مروياتهم – يعني: غير الثقات- واعتبارها في مستوى الصحيح ولو من حيث ترتيب الآثار عليها كما هو المستفاد من أخبار من بلغه مع العلم بأنَّ أكثرها مكذوبة عليه أو مبالغ فيها بنحو لا يستسيغه العقل ولا يفسره منطق الشرائع والأديان، جعلها في هذا المستوى يشجع الكذبة والمرتزقة من الوعاظ على المتاجرة بالدين واستغلال المستضعفين).
                          والجواب: إنَّ ترتيب الأثر على حديث (من بلغه) لا يُسَوِّغُ العملَ بجميع المرويات الواردة من جهة غير الثقات، فالعمل بما أُحرز كونه حديثاً موضوعاً ممنوعٌ لانتفاء احتمال نسبة هذا العمل إلى الشريعة المقدسة، قال المحقق الميرداماد رحمه الله [28]: (يُقال: وفي حريم التسويغ[29] حيث لا يبلغ الضعف حدَّ الوضع والاختلاق، قاله قوم من العامّة ورهط من أصحابنا، ولا اعتداد بجدواه، إذ الموضوع المختلَق إذا ثبت كونه موضوعاً مختلقاً خرج عن المقسم رأساً، وإلاّ كان في حريم التسويغ بَتَّةً).


                          [1] الموضوعات في الآثار والأخبار، ص 170 – 171.
                          [2] الموضوعات في الآثار والأخبار، ص172.
                          [3] المحاسن، ج1، ص93.
                          [4] سقطت من طبعتنا التي اعتمدناها، والصحيح أن رواية أحمد بن محمد بن خالد البرقي عن أحمد بن النضر تكون دائماً بتوسط أبيه، كما أن الرواية جاءت بتوسط أبيه في بحار العلّامة الخبير [انظر: بحار الأنوار، ج2، ص256].
                          [5] المحاسن، ج1، ص 93.
                          [6] الكافي، ج3، ص225.
                          [7] الكافي، ج3، ص225.
                          [8] إقبال الأعمال، ج3، ص171.
                          [9] الفهرست، ص257.
                          [10] فلاح السائل، ص53.
                          [11] الفهرست، ص257 – 258.
                          [12] ثواب الأعمال، ص368-369، باب: ثواب من بلغه شيء من الثواب فعمل به.
                          [13] كذا في المطبوع الذي اعتمدنا عليه، وفي (فلاح السائل، ص49) وبحار الأنوار (ج2، ص256) وجملة من النسخ الخطيَّة بلفظ [الخير] محلاة بالألف واللام.
                          [14] قال السيد ابن طاوس في (فلاح السائل، ص49): (رويت عن جماعة من ذوي الاعتبار وأهل الصدق في نقل الآثار بإسنادهم إلى الشيخ المجمع على عدالته أبي جعفر محمد بن بابويه - تغمده الله برحمته - فيما رواه من كتاب ثواب الأعمال عن صفوان بن يحيى - المتفق على ورعه وأمانته - عن أبي عبد الله صلوات الله عليه أنَّه قال: من بلغه شيء من الخير ..إلخ) والصحيح أنَّه صفوان بن مهران الجمَّال؛ لأنه من أصحاب الصادق عليه السلام، بينما صفوان بن يحيى بياع السابري من أصحاب الكاظم والرضا عليه السلام، ولم يدرك الصادق عليه السلام، فضلاً عن أن رواية صفوان بن يحيى عن الصادق عليه السلام لا تكون إلا بواسطة، قال الشيخ في ترجمته: (وروى عن أربعين رجلاً من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام)، بينما رواية صفوان بن مهران الجمال بدون واسطة.
                          [15] ويُقال أيضاً: الكميذاني، بالذال المعجمة، والكميداني بالدال المهملة، والكل واحد.
                          [16] الموضوعات في الآثار والأخبار، ص 40.
                          [17] الكافي، ج3، ص184، كتاب الإيمان والكفر- باب: حسن الظن بالله عزوجل، رقم الحديث 3.
                          [18] الموضوعات في الآثار والأخبار، ص 172
                          [19] الموضوعات في الآثار والأخبار، ص171.
                          [20] الموضوعات في الآثار والأخبار، ص172.
                          [21] غنائم الأيام، ج1، ص171.
                          [22] جواهر الكلام، ج1، ص26 (بحث: فيما يستحب منه الوضوء).
                          [23] فرائد الأصول، ج2، ص154.
                          [24] الرواشح السماوية، ص 189، الراشحة السادسة والثلاثون.
                          [25] الموضوعات في الآثار والأخبار، ص171.
                          [26] الموضوعات في الآثار والأخبار، ص171.
                          [27] الموضوعات في الآثار والأخبار، ص173.
                          [28] الرواشح السماوية، ص 187، الراشحة السادسة والثلاثون.
                          [29] أي ما يدخل في نطاق السائغ الإتيان به من الأعمال الواردة في الأحاديث.
                          التعديل الأخير تم بواسطة ابن بابويه القمي; الساعة 04-29-2017, 06:36 PM.

                          تعليق


                          • #14
                            احسنتم
                            هكذا يكون البحث العلمى او ليكسر القلم

                            تعليق


                            • #15
                              الملاحظة [6] حول وثاقة سليم بن قيس.

                              قال السيِّدُ المصنف[1]: (ويكفي في هذه الرواية عيباً أنَّها من مرويَّات سليم بن قيس وهو من المشبوهين والمتهمين بالكذب، وقد ورد في الكتاب المنسوب إليه أنَّ محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت مع أنَّه كان في حدود السنتين، كما ورد فيه أنَّ الأئمة ثلاثة عشر).
                              قلتُ: هذا القدحُ في سليم بن قيس مجازفةٌ عجيبة منه، ودعوى في غاية الضعف، إذ يكفي في إثبات جلالته ما قاله البرقيِّ الحفيد أنَّه من الأولياء[2]، منضمَّاً إلى شهادة الشيخ النعماني رحمه الله أنَّ كتابه من الأصول المعتبرة التي ترجعُ إليها الشيعة، قال [3]: (وليس بين جميع الشيعة ممن حمل العلم ورواه عن الأئمة (عليهم السلام) خلاف في أن كتاب سليم بن قيس الهلالي أصلٌ من أكبر كتب الأصول التي رواها أهل العلم ومن حملة حديث أهل البيت (عليهم السلام) وأقدمها؛ لأن جميع ما اشتمل عليه هذا الأصل إنما هو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين والمقداد وسلمان الفارسي وأبي ذر ومن جرى مجراهم ممن شهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) وسمع منهما، وهو من الأصول التي ترجع الشيعة إليها ويعول عليه) وهذه العبارة إن لم يُستَظْهرْ من خلالها الإجماع على العمل بكتابه إلى زمان النعماني، فيكفي أن لازمها اعتماد جماعة من العلماء المتقدمين على الكتاب والقول بوثاقة مؤلفه، وبملاحظة كلمات علمائنا لم نقفْ على كلمةٍ في جرحهِ أو اتِّهامِهِ، فلا دليل يدعم كلام السيِّد، ثُمَّ مَنْ مِنْ عُلمائنا اتهم سليم بن قيس بالكذب؟!
                              أما الكلام فيما ورد في نسخة كتاب سليم من أنَّ محمدَ بن أبي بكر قد وعظ أباه عند موته، أو أنَّ الأئمة ثلاثة عشر فهذا راجع إلى البحث في أصل الكتاب ونُسخه وما لحق به من أخطاء، ولا شأن لهذا بوثاقة مؤلف الكتاب من عدم ذلك، وتحرير الكلام في نسخ الكتاب والإشكالات حول بعض ما جاء في المتن طويل، وهو موكولٌ إلى محلّه.


                              [1] الموضوعات في الآثار والأخبار، ص184.
                              [2] رجال البرقي، ص39.
                              [3] الغيبة للنعماني، ص103.

                              تعليق

                              يعمل...
                              X